; غينيا كوناكري.. صراع القبائل تحت لافتات الديمقراطية | مجلة المجتمع

العنوان غينيا كوناكري.. صراع القبائل تحت لافتات الديمقراطية

الكاتب محمد سعيد باه

تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2013

مشاهدات 98

نشر في العدد 2060

نشر في الصفحة 20

السبت 06-يوليو-2013

تسمية غينيا تعود إلى فترة استقلالها عن فرنسا عام ١٩٥٨م وأضيفت كلمة كوناكري التي هي اسم عاصمتها السياسية اليوم
تمثل جمهورية غينيا كونا كري – من غداة استقلال دول غرب أفريقيا عن فرنسا منتصف القرن الماضي – أحد النتوءات في هذه المنطقة، وقد يكون ذلك امتداداً طبيعيا لحالة «وجع الرأس» التي شكلتها لفرنسا يوم غردت خارج السرب، فطالب زعيمها التاريخي« أحمد شيخ توري» (۱۹۲۲ – ١٩٨٤م) بالاستقلال الكامل والفوري في الوقت الذي كان فيه معظم انداده - أمثال ،« سنجور» في السنغال و «أوفيت بوانيي» في ساحل العاج - يلتصقون أكثر بفرنسا، ويتمسحون بمعطف زعيمها الأسطوري الجنرال «ديجول».
وبعد حالة تارجح شديدة طيلة ستة عقود عرفت البلاد اول مهرجان ديمقراطي بتنظيم انتخابات رئاسية حسب أصول اللمبة الغالية اليوم، وهي التي فاز فيها الرئيس الحالي المحامي ألفا كوندي، الذي يوصف بأنه من اشد المعارضين الغينيين شكيمة طيلة ربع قرن فاز على غريمه «سل دلن جالو» في الجولة الثانية التي جرت في ٢١ من شهر ديسمبر ۲۰۱۰م، بعد مناورات تحت الأرض استمرت زهاء 6 أشهر (٢٧/٦ – /21/12/2010)
وبعد كل هذا عادت غينيا كونا كري إلى عرض البحر بعد أن حسب المراقبون ان سفينة سلامها على وشك الرسو عند الشطان الأمنة.

تعريف بالجمهورية
أما من الناحية الجغرافية فإن غينيا كونا كري تقع على ضفاف المحيط الأطلسي الذي يحدها من الجهتين الشرقية والجنوبية، وفي حدودها البرية تنحصر بين عدد من الدول. حيث لها في الشمال حدود مشتركة مع كل من السنغال ومالي وغينيا بيساو، بينما تقع ساحل العاج وسيراليون وليبيريا في جنوبها. وبذلك تكون بلا شك من أكثر دول المنطقة جيرانا، وجغرافيتها تتميز بأنها جبلية وغابية، حيث تقع فيها أهم المرتفعات ولغناها في القارة الأفريقية، ومن أهمها جبال نمياء في حدودها مع ليبيريا، وجبال فوت جالون الشهيرة التي ينبع منها نهر السنغال وتقع غير بعيد عن حدودها مع السنغال، وإذا نظرنا من الزاوية الاقتصادية، نجد اشد المفارقات غرابة حيث أغلب الشعب الغيني لا يزال يماني من الفقر الذي ينتشر على نطاق واسع، رغم أن بلادهم من أغنى مناطق العالم، وتؤكد المعطيات أن أرض غينيا تتميز إلى جانب كثرة الثروات بتنوعها.
وتعود تسمية هذه الدولة ب« غينيا» إلى فترة استقلالها عن فرنسا في ٢٨ أكتوبر ١٩٥٨م، وأضيفت كلمة( كونا كري» التي هي اسم عاصمتها السياسية اليوم تمييزا لها عن غينيا بيساو المتاخمة لها، وعن غينيا الاستوائية، أو الجديدة، وذلك بعد أن كانت تعرف أيام الاحتلال الأجنبي باسم  لغينيا الفرنسية، وأما من حيث المساحة فتبلغ ٢٤٦ ألف كلم وهي على شكل هلال ناقص.
ومن الناحية التاريخية، كانت الأراضي التي تضمها غينيا اليوم جزءا مهما من الإمبراطوريات والممالك التي عرفتها المنطقة مثل «غانا»، «مالي»، وهو العامل الذي أدى إلى أسلمتها في وقت لاحق بنسبة عالية حيث تبلغ نسبة المسلمين اليوم حوالي ٨٠٪ على اختلاف في الإحصاءات.
ومن الناحية الديمجرافية، لا تشد غينيا عن قاعدة التعدد العرقي في معظم الدول الأفريقية حيث تشهد تنوعا عرقيا شديدا الأمر الذي يمثل مصدر توتر دائم، ومع ذلك هناك ثلاث قبائل كبرى هي التي تشكل الغالبية مقارنة مع عدد كبير من القبائل التي التوزع في معظم أرجاء البلاد وبالأخص في مناطق الغابات (٢٤ قبيلة).
وأما القبائل الرئيسة التي تسيطر على المشهد فهي: الفلانيون، الذين يشكلون قرابة ٤٠٪ من إجمالي السكان، ويليهم الماندينج حوالي ٣٠%، بينما تمثل قبائل السوسو، نحو ۲۰ وفيها نسبة من المسيحيين والوثيين بخلاف الفلانيين و الماندينج بينما يقدر إجمالي سكان غينيا اليوم بحوالي ١٠ ملايين نسمة.
من حيث الوجود الإسلامي، فإن أرض غينيا مثلت أحد أهم المواقع التي شهدت محاولات تثبيت الوجود الإسلامي في منطقة غرب افريقيا باعتبارها عرفت قيام دولة الأئمة التي نشأت في مرتفعات ، قوت جالون نهاية القرن السابع عشر الميلادي، وعمرت الأكثر من قرن، وضمت أجزاء من سيراليون. وليبيريا، وساحل العاج، ومالي الحالية. وكانت محاولة جادة لإحياء النظام الإسلامي السياسي ضمن سلسلة من المحاولات جرت في غرب أفريقيا بعد انهيار الكيانات الإسلامية الكبرى التي عرفتها هذه المنطقة وقد نشأت هذه الدولة على أيدي الفلانيين الذين اختاروا لقب «الإمام»، لإطلاقه على قائد الدولة، كما سيفعل غيرهم لاحقاً، وقد يكونون متأثرين بذلك بالنظام الإسلامي الذي قام في شرقي السنغال قبلهم.

الإمام « سامور توري» 
أما اثناء الاحتلال الفرنسي – بعد سقوط دولة الأئمة – فقد شهدت غينيا بروز الإمام سامور توري (۱۸۲۰ – ۱۹۰۹م) أحد أبرز الشخصيات الإسلامية التاريخية في غرب افريقيا التي حملت رسالة الدعوة إلى الإسلام وحققت قدراً كبيراً من النجاح وكانت مرشحة أن تغير الواقع كثيراً لولا ان عاجلتهم القوى الأجنبية بتلك الضربات الموجعة، ومن الناحية الاجتماعية، فإن الإمام سامور توري، ينتمي إلى قبائل الماندينج التي لها دور كبير في انتشار وازدهار الإسلام في هذه المنطقة.
نادی «سامور توري»، بتبني خيار الجهاد المقارعة الاحتلال الأجنبي، وإقامة كيان سياسي على أساس الإسلام، وقاوم القوات الفرنسية بضراوة من خلال الجيش الإسلامي الذي استطاع تكوينه، لكنهم استطاعوا القبض عليه في النهاية بسبب اختلال شديد في موازين القوى بين الجانبين، ومن ثم قاموا بنفيه إلى غابات الجابون ضمن عدد كبير من القيادات الإسلامية والوطنية التي حاولت الوقوف في وجه مشروع الهيمنة الأجنبية وطمس الهوية الذي كانوا يحملونه، وتوفي المجاهد «سامور توري» في منفاه. 
بعد رحيل الاحتلال الفرنسي استلم احمد شيخ نوري مقاليد الحكم، ورغم أن الرجل حقق استقلال بلاده السياسي بخلاف غالبية الدول الأفريقية التي رضخت القبائل الرئيسة التي تسيطر على المشهد في غينيا الفلانيون ويشكلون ٤٠% من إجمالي السكان ويليهم الماندينج ، ٣٠% بينما تمثل قبائل السوسو، نحو ٢٠% أرض غينيا عرفت قيام دولة  الأئمة التي نشأت في مرتفعات فوت جالون نهاية القرن السابع عشر الميلادي وعمرت لأكثر من قرن تحت الاحتلال الأجنبي فترة طويلة، والتي اتسم استقلالها بأنه كان من النوع الصوري أو المغشوش ورفض الخضوع للإملاءات الخارجية، فإنه لم يستطع تحقيق أهداف التنمية والاستقرار أو الاندماج الاجتماعي بل اتسمت فترة حكمه بقدر كبير من كيت الحريات إلى حد الدموية بسبب الهاجس الأمني الذي سيطر على نظام الحكم وحدد الطريقة التي كان يتم التعامل بها مع القوى السياسية الأخرى المناولة له.
وبعد وفاة شيخ نوري عرفت البلاد سلسلة من الانقلابات والهزات الاجتماعية بسبب التجاذب السياسي الذي تكمن خلفه الحساسية القبلية ولم يستطع التحول إلى وضع سياسي يتسم بقدر من الانفراج الديمقراطي القضاء عليها، بل أطلت هذه الحساسية في الانتخابات الرئاسية التي جرت في البلاد عام ٢٠١٠م وعكرها قدر غير يسير من الشوائب.

مشهد خطير
والمشهد اليوم في غينيا يوصف بأنه خطير جداً، وذلك على خلفية التنازع بين الأغلبية الحاكمة وبين المعارضة التي يتزعمها «سل دلن جالو» الذي يؤازره ، الفلانيون، أساساً في مقابل الرئيس الفا كوندي، الذي يستند إلى قاعدة اجتماعية تشكل قبيلته من الماندينج عمدتها، ويتمثل الفتيل هنا في الترتيب لانتخابات برلمانية نزيهة تأخر تنظيمها لما لها من أثر في رسم المشهد السياسي القادم مع ما يستتبعه ذلك من السيطرة على القرار السياسي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل