العنوان غلاء معيشة وراتب حكومي لا يتزحزح
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1989
مشاهدات 69
نشر في العدد 906
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 28-فبراير-1989
من الشائعات التي راجت في البلاد خلال الفترة الماضية واحدة تتحدث عن زيادة وشيكة في الرواتب على مستوى الجهاز الحكومي ... وما لبثت الحكومة أن نفت هذه الشائعة عن طريق وزير الدولة السيد راشد الراشد.
وهذه الشائعة التفاؤلية التي لم تعش طويلًا تعكس في حقيقتها رغبة كبيرة عن جمهور المواطنين في أن تعيد الحكومة النظر في شأن جدول رواتب الحكومة الذي استقر لسنوات طويلة عن حد معين لم يتغير ...
فمنذ عام 1979 استقرت الرواتب على ذلك الحد ... وباستثناء زيادة طفيفة «20دينارًا» في عام 1982 فإن راتب الموظف الحكومي بقي ثابتًا بغض النظر عن أوضاع أسعار السلع والخدمات في البلاد والتي ارتفعت تدريجيًّا خلال الثمانينات.
ومقارنة بسيطة لأسعار بعض السلع ما بين عام 1980 والسنَة الحالية 1989 تعطي فكرة واضحة عن ذلك، فأسعار المواد الغذائية زادت بنسبة 50% على الأقل وأسعار السيارات مثلًا زادت نسبة 100% وأسعار البنزين 300% وغيرها من السلع، هذا بالإضافة إلى زيادة كبيرة في الرسوم المدفوعة على خدمات الكهرباء والماء والمعاملات الحكومية ووجود قائمة كبيرة من الرسوم المستحدثة المتوقع تنفيذها خلال السنوات القادمة.
كل ذلك يجعل من عبء المصاريف على كاهل الموظف الحكومي كبيرًا، وإذا دخلت الكويت عِقد التسعينات وبقِيَ جدول الرواتب على ما هو عليه، فإنه من المشكوك فيه أن يتمكن شاب متزوج وحديث التخرج من إعالة أسرة براتب شهري قدره 430 دينارٍ وبخاصة مع ظروف عدم توفر السكن الخاص وهو الأمر السائد بين الموظفين الشباب.
كما أن الانخفاض في مستوى الرواتب الحكومية بالمقارنة مع الرواتب التي تعرضها الشركات والمؤسسات يمثل السبب في عزوف كثير من الكفاءات الكويتية وغير الكويتية
عن العمل في الجهاز الحكومي والتوجُّه إلى المؤسسات أو شركات القطاع الخاص.
لماذا استقرت الرواتب؟
وهذا الاستقرار في رواتب الجهاز الحكومي يرجع على الأرجح إلى أن تقدير الراتب الحكومي عند أصحاب القرار كان ينطلق من مدى قُدرة الدولة على الدفع وبخاصة في ظروف الدخل القومي الكبير خلال السبعينات مع ارتفاع أسعار النفط، ولم يكن الراتب الحكومي يقدر على أساس حاجة الموظف من المال، لذلك كان الموظف الكويتي يحصل في أواخر السبعينات على راتب كبير نسبيًّا مقارنة بمعدل الرواتب السائدة في الدول المتقدمة، وقد ساعدت مثل هذه الرواتب على رفع مستوى المعيشة في الكويت ورفع الأسعار بشكل عام، وإذا كان التضخم الاقتصادي في الدول المتقدمة هو الذي يقود إلى زيادة الرواتب بجهود النقابات العمالية؛ فإن ذلك ليس هو الأمر في الكويت، ففي ظروف تراجع الدخل القومي واستمرار العجز في الموازنة الحكومية للسنة السابعة على التوالي فإن آخر ما تفكر به الحكومة في الكويت هو زيادة الرواتب وبخاصة أن الباب الأول في الميزانية الحكومية «الرواتب» يمثل نسبة كبيرة من المصروفات العامَّة.
وهكذا فإن الراتب الحكومي سيقع في معضلة التناقض بين مستوى الأسعار الصاعد وبين الضعف المستمر في مالية الدولة ومدى استعدادها للدفع للموظفين ... وبمرور الوقت سوف يجد الموظف التقليدي أن مستوى المعيشة لديه قد تراجع بقدر كبير وأنه أصبح عاجزًا عن توفير كثير من وسائل الرفاهية التي كانت ميسرة له في الماضِي وأن بعض الضروريات أصبح مكلفًا للغاية.
ولما كان من المستبعد حصول زيادة كبيرة في الدخل القومي للكويت في ظروف ضعف السوق النفطية ... فإنه من غير المتوقع أن تقوم الحكومة بزيادة الرواتب بصورة شاملة لأثر ذلك على حجم المصروفات العامة للدولة.
لذا فإن البحث عن بديل آخر لهذه المشكلة هو أمر جدير بالاعتبار والدراسة.
وقد جاءت بادرة سمو الأمير الأخيرة بإعطاء مِنحة مالية لكافَّة موظفي الدولة مع رواتب شهر مارس كَلَفْتَةٍ طيبةٍ من سموِّه بمناسبة الاحتفالات باليوم الوطني للكويت ... وأبدى معظم المواطنين غِبطتهم وسرورهم بهذه المكافأة المالية ...
وسوف تكتمل فرحة المواطنين عندما تبدأ الجهات المختصة في الحكومة بإعادة النظر في جدول الرواتب بصورة عامَّة ودراسة إعادة تخصيص رواتب الموظفين على أسس ومعاير أكثر دقة وبما يخدم تطوير وإنماء المِهَن الفنيَّة والإنتاجية وبما يحقق زيادة في مستوى المعيشة بالنسبة للمواطن أمام تزايُد الأسعار وموجة التضخُّم العالمية التي تلقِي ظلالها بصورة متزايدة على أسواق الكويت.