العنوان غطاء دموي لاحتفالات اليهود.. بمايو!
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1973
مشاهدات 11
نشر في العدد 149
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 08-مايو-1973
تفضلوا.. احتفلوا -يا يهود العالم- بمرور ربع قرن
على احتلالكم لفلسطين.
ولكي تتم احتفالاتكم بهدوء.. فسنجعلها تجري تحت
غطاء دموي ينسج في لبنان ويصرف الانتباه عنكم.. ويركزه على أنباء المعارك في بيروت
وصيدا.. وبقية المواقع.. من قال هذا الكلام؟
ليس المهم هنا أن يقال الكلام لفظًا وتصريحات عبر
الإذاعات أو الصحافة. فالعمل -المعارك الدموية في لبنان- أقوى وأكثر دلالة من
التصريحات.. هذه المعارك تغطية عملية لاحتفالات اليهود –التي تجري هذه الأيام–
بسطوهم على فلسطين.. واحتلالهم لها.
تغطية عملية من حيث الحجم.. والتوقيت.. والتعقيد.
فعلى مستوى الحجم اتسع نطاق المعارك حتى شمل
الطيران اللبناني الذي اشترك بقاذفاته في قصف مخيمات اللاجئين.. وحتى شمل لبنان
كلها.. مدنها وقراها.
إزاء هذا لا يسع الرأي العام العربي إلا أن يتابع
ويهتم بما يجري في لبنان.
وهذا الانشغال سيصرف الرأي العام العربي عن
استفزازات العدو واستعراضاته التي يقوم بها في فلسطين المحتلة.
وهذا هو المقصود.. ويقال: إن موشي دايان كان يدبر
خطة لشن هجوم واسع على بلدان عربية أثناء المعارك الدامية في لبنان.. إلا أن
ظروفًا طرأت.. وعوامل لم تكن في الحسبان تدخلت فغيرت الخطة.
وفي الاحتمالين -إجراء الاحتفالات في جو هادئ أو شن
هجوم خاطف استفادة من الظروف المتاحة- تمثل المعارك الدموية غطاء مكثفًا لتحركات
اليهود.
وبالنسبة لعامل التوقيت نشبت المعارك في الوقت الذي
وصلت فيه باخرة أثرياء اليهود إلى فلسطين المحتلة للاشتراك في ذكرى الاحتلال.. وفي
الوقت الذي رفع فيه موشي دايان حالة الطوارئ والتأهب إلى 100%.. وفي الوقت الذي
طلب فيه مجلس الأمن من العدو إلغاء الاحتفالات.. وفي الوقت الذي استولى فيه الرعب
على اليهود بسبب الأنباء التي ترددت عن عزم الفدائيين على تشديد كفاحهم حتى لا
يتسنى للعدو إجراء احتفاله بهدوء.
في هذا الوقت.. جرت المعارك الدامية في لبنان..
فكانت غطاء دمويًا.. غطى احتفالات العدو وشغل الفدائيين بمعارك أخرى.
وعلى مستوى التعقيد سارع اليهود ليقنعوا العالم بأن
الاستقرار في فلسطين المحتلة متوفر وراسخ.. أما الاضطرابات والفتن فهي في البلدان
العربية.
وحين وصل التحليل إلى هذه النقطة تساءل كثير من
المراقبين والمعلقين: ما هي العلاقة بين الهجوم اليهودي على منازل الفدائيين وقتل
بعض قادتهم.. وبين المعارك الدموية التي نشبت في بيروت في الأسبوع الماضي؟
وتساءلوا أيضًا: لماذا كان الجيش اللبناني -أو بعض
عناصره القيادية؟ لماذا كانت غافلة أو نائمة حين الهجوم اليهودي على بيروت..
والنزول في شوارعه.. ودخول منازله بينما تسلحت هذه العناصر باليقظة والانتباه
والاستعداد حين تعلق الأمر بالفدائيين؟
ويتابع هؤلاء المراقبون تساؤلهم: هل أصبح الفدائيون
أخطـر على لبنان من اليهود؟
من زاوية أخرى أخذت الأزمة في لبنان أبعادًا..
لعلها لم تخطر على بال قوى معينة ومعروفة.. أو لعل رؤية هذه الأبعاد لم تكن واضحة
تمامًا..
بعد يوم من المعارك.. فوجئ الناس براديو بيروت
يناشد الشعب اللبناني الهدوء.. ويطلب منه الحفاظ على الوحدة والتماسك والحرص على
معاني الإخاء والوطنية.. ومثل هذه البيانات والنداءات لا تطلق ولا تذاع إلا في
حالات تعرض البلاد للانقسام.. والتمزق..
ويفهم من ذلك أن بوادر انقسام قد برزت في صفوف
الشعب اللبناني.
والانقسامات في بلد مثل لبنان.. ليست عرقية؛
فالمجتمع اللبناني ليس موزعًا بين عرب وزنوج -مثلًا- بل هو مجتمع عربي أساسًا..
إذن الانقسامات عقائدية. إن الأوضاع لم تعد تحتمل إخفاء الحقائق.. ولم تعد تحتمل
تجاهلها كذلك.
هنا نقول بعقلية من يتعامل مع الحقائق لا مع
الأوهام: إن الانقسام الذي أوشك أن يمزق لبنان.. كاد أن يقع بين المسلمين
والمسيحيين..
وهذه هي الأزمة الحقيقية؛ لأنها أزمة ستدمر لبنان
كله، ولأنها أزمة ستمتد إلى العالم العربي بأسره.
إن مسارعة كثير من الزعماء العرب إلى بذل مجهود
لتطويق الأزمة.. لم يكن سببها -سبب المسارعة- تهدئة الخواطر بين الجيش اللبناني
وحركة المقاومة فحسب.. وإنما كانت أيضًا لتخفيف حدة التوتر بين المسلمين..
والمسيحيين..
صحيح أن ما حدث بين الجيش اللبناني والفدائيين كان
سببًا في هذا التوتر.. ولكن الأحداث والحساسيات والشائعات الخطيرة.. هذه كلها
عوامل دفعت الأمـور في طريق أكثر خطورة.. وأفدح خسارة وضررًا.
ومن خلال هذه الوقائع.. تبرز بوضوح جناية الذين
يلعبون بالدم في لبنان.. أن تعصبهم دفعهم إلى الإقدام على هذا العمل المجنون وهم
بهذا يحرقون لبنان كله.
ففي جو الفتنة.. تخف سيطرة العقل.. وينفجر الموقف
دون تقدير حقيقي ومعقول لسير الأحداث.. ومضاعفات نتائجها.
وفي لبنان.. الشعب كله.. بمختلف طوائفه.. يحمل
السلاح بمختلف أنواعه.. ويجيد استعماله.
هنا يكون أنسب حل أن تودع الأسلحة في أغمادها.. أما
تمهيد الظروف لها لكي تخرج وتستعمل فإن جميع اللبنانيين سيكونون بين قتيل وجريح..
فهل هذا ما تريده العناصر التي استسلمت لنزع التعصب؟
وهؤلاء بعملهم لا يحرقون لبنان وحده.. إنهم يمدون
ألسنة الفتنة إلى العالم العربي كله.. ذلك أن هذا النوع الحاد من الحساسيات يتخطى
الزمان والمكان.. وينتقل عبر رياح العواطف الملتهبة إلى المتحدين في العقيدة.. مع
هذا أو ذاك.
فهل هذا ما تبتغيه العناصر العاجزة عن تقدير
المسؤولية في ظروف شاقة تمر بها أمتنا؟
رئيس أركان جيش العدو يحرض الجيش اللبناني علنًا
على الفلسطينيين في لبنان.. ويهيب به أن يواصل عملياته ضد هذا الشعب المشرد من
بلاده، فإذا واصل الجيش اللبناني عملياته.. فإنه يكون قد استجاب لهذا التحريض..
ودعم الشائعات التي ملأت لبنان.. وانتشرت في العالم العربي.
وإذا تعقلت قيادة الجيش.. وسلكت طريقًا آخر لتسوية
الخلافات.. فستكسب سخط اليهود.. ولكنها -في الوقت نفسه- ستكسب تأييد العالم
العربي.
ومنطق المصلحة وحده -بغض النظر عن الانتماء العربي
أو عدالة القضية- يقضي باتخاذ الموقف الثاني، إننا بهذا الكلام نريد أن نفسح
المجال للعقل بأن يأخذ مكانته وحقه في توجيه الأمور.
من هذا المنطلق –منطلق التعقل والوضوح- ينبغي النظر
إلى موقف الفدائيين.. إن ظروفهم صعبة.. وحركة التطويق تلتف حولهم باستمرار، ونعرف
أن رجالًا يستدرجون الفدائيين لارتكاب أخطاء -تحت شعار العمل الفدائي طبعًا- حتى
إذا وقع الفدائيون في الفخ -اتخذ ذلك الخطأ ذريعة لمزيد من التطويق والقمع.. أو
التمييع.
بين هذه الأوضاع.. وفي هذه المسارات المليئة بالحفر والأشواك والكمائن.. على الفدائيين أن يحسبوا خطواتهم بعقل وحكمة.. وأن يوحدوا عملهم حتى يصدر كله من جهة مسؤولة.. وحتى لا يدان الجميع بتصرفات لم يشترك في صنعها الجميع. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: 25).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل