; غسيل الأموال | مجلة المجتمع

العنوان غسيل الأموال

الكاتب مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

مشاهدات 74

نشر في العدد 1319

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

قضية عالمية تطرق أبواب الدول العربية

  • الخبراء: تهريب ۳۰۰ مليار دولار من روسيا خلال السنوات الخمس الماضية، و٤١ ألف شركة ونصف البنوك الروسية و٨٠٪ من المشاريع المشتركة مرتبطة بعصابات الجريمة.

  • البنك الأهلي المصري: إجمالي الأموال المغسولة في العالم ٥٠٠ مليار دولار في عام واحد.

تشهد ظاهرة غسيل الأموال انتشارًا سرطانيًا على مستوى العالم، وبخاصة في مناطق مثل الاتحاد السوفييتي السابق عقب تفككه، حيث شهدت أراضيه وجمهورياته جميع أنواع التجارة الممنوعة، بدءًا من العملة، ومرورًا بالمخدرات والسلاح والرقيق الأبيض، ووفقًا للبيانات الرسمية، تسيطر المافيا على نحو ٤٠٪ من الاقتصاد الروسي كما تتصاعد المخاوف من تزايد عمليات غسيل الأموال مع قرب انطلاقة الوحدة النقدية الأوروبية مطلع عام ۱۹۹۹م، وقد ذكر تقرير أعدته هيئة أبحاث دولية، وقدمته المنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD أن تجارة المخدرات هي المصدر الأساسي الأهم للأموال القذرة، كما ذكر التقرير أن عصابات الجريمة الروسية التي تعد من أكبر المتورطين في عمليات غسيل الأموال القذرة بدأت في تشكيل تحالف مع المافيا الإيطالية وعصابات المخدرات الكارتل في كولومبيا، وذلك للمساعدة على غسيل الأموال بشكل مضمون وسريع.

وهناك ما لا يقل عن ١٧ مليار دولار تمثل فاقدًا في الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأربع الماضية بسبب تجاهل موظفي الاتحاد عمليات التهريب.

من ناحية أخرى قدر الخبراء إجمالي الأموال التي هربت من روسيا إلى المراكز المالية العالمية على مدى السنوات الخمس الماضية بنحو ٦٠ مليار دولار سنويًا، مودع منها نحو ۱۰ مليارات بالبنوك السويسرية، بل إن مسؤولًا روسيًا ذكر أن ٤١ ألف شركة ونصف البنوك في البلاد ونحو ۸۰٪ من المشاريع المشتركة مع رؤوس أموال أجنبية قد تكون مرتبطة بشكل أو بآخر مع عصابات الجريمة التي يبلغ عددها الآن نحو ٥٠٠٠ عصابة. 

ولا تستثمر جماعات الجريمة المنظمة أرباحها في روسيا بل في دول أجنبية بالأساس، وقد ذكر أحد الخبراء أن ما قيمته ١٥٠ مليار دولار قد هربت من روسيا منذ عام ۱۹۹۱م، وقد يبدو هذا التقدير عاليًا، إلا أن أكثر التقديرات تحفظًا تشير إلى أن قيمة رأس المال المهرب نتيجة النشاط الإجرامي بلغ ٥٠ مليار دولار خلال الفترة المذكورة.

وتتوطن عصابات الجريمة المنظمة في روسيا في قطاع البنوك والسوق المالية بشكل عميق مقارنة مع الدول الأخرى، ويخسر الملايين من الروس مدخراتهم المحدودة نتيجة انهيار البنوك إثر عمليات فساد واسعة، وتقوم البنوك المسيطر عليها من قبل هذه الجماعات بغسل الأموال في الخارج.

وتحاول العصابات التي تقوم بهذه الأعمال الممنوعة أن تغسل أموالها القذرة في بنوك العالم الثالث ومنها الدول العربية، وتحاول الحكومات الحد من تدفق هذه الأموال إلى بنوكها وأسواقها واستثماراتها بكل الوسائل فمصر تدرس الآن إصدار قانون لمكافحة غسيل الأموال، بينما أجرت ليبيا تدريبات لعناصر من أجهزة الأمن القومي لديها على إمكانية الكشف عن تلك الأموال، وهي الدولة العربية الوحيدة التي تستعد الآن لإصدار قانون لمكافحة الأموال المشبوهة بعد مصر، وبعض الدول العربية الأخرى لديها أجهزة رقابية صارمة لمواجهة الأموال المشبوهة ومنها السعودية والإمارات ودولة قطر.

وللإمارات تجربة متميزة في هذا الصدد حيث دأبت على اتخاذ إجراءات مشددة لمنع ومكافحة ظاهرة استغلال عصابات المخدرات الدولية للتسهيلات المصرفية والخدمات المالية العالمية المتطورة التي تخدم حركة التجارة والاقتصاد الوطني للبلاد ومنطقة الخليج لارتكاب جريمة غسل أموال تجارة المخدرات عبر هذه التسهيلات، وتستهدف هذه الإجراءات مصادرة أموالهم وممتلكاتهم في حالة إدانتهم في محاكم الإمارات بموجب مشروع قانون جديد تم الانتهاء من إعداده العام الماضي. وقد بينت الدراسات التي أجريت على المستوى العربي أن الأموال التي عملت العصابات الدولية على إدخالها من خلال فروع البنوك الأجنبية الموجودة في بعض الدول العربية واتخاذ المصارف والمشروعات الاستثمارية كأوعية لغسلها، تعود مرة أخرى للاستخدام في الأنشطة ذاتها التي جاءت عن طريقها ومنها المخدرات والسلاح، وبالتالي تدخل في دائرة تدمير اقتصاديات الدول العربية.

غسيل الأموال:

والمقصود بغسيل الأموال هو تحويل الأموال غير المشروعة «التي تثمر عنها تجارة المخدرات وأعمال الجاسوسية، والتنصت غير المشروعة أو عمليات التهريب» إلى أموال مشروعة، وذلك بطرق مختلفة تتصدرها طريقتان:

  1. استخدام هذه الأموال داخل الدولة المنبع كودائع لدى بنوك، أو في شراء أوراق مالية، أو أصول رأسمالية كأراض، أو عقارات أو حتى مصانع وشركات.

  2. نقل الأموال المطلوب غسلها من الدولة المنبع إلى دول أخرى تكون أكثر أماناً لهذه الأموال، حيث يصعب اكتشاف مصدرها من قبل سلطات هذه الدول أو من هيئات عاملة لديها، وإذا ما تم اكتشافها يكون من السهل إسكات من قام باكتشافها عن طريق تقديم جزء من هذه الأموال ثمناً لسكوته.

وأغلب عمليات الغسيل تتم عن طريق البنوك وشركات الصرافة، ومحلات الجواهر والأحجار الكريمة، وهناك أدوات تعمل على المستوى الدولي في غسيل الأموال القذرة تتمثل في مؤسسات مصرفية عالمية يوجد لها فروع خارجية أو مؤسسات خاصة تابعة لدول ذات قوانين متساهلة من ناحية الرقابة على تحركات الأموال وتأسيس الشركات والسماح بفتح حسابات سرية وبضرائب رمزية وبموجب تشريعات مالية ومصرفية تساند هذه الأموال وتنتشر عمليات غسيل الأموال في النظام الرأسمالي الحر، حيث لا قيود نقدية ولا رقابة حكومية مشددة، مما يساعد على تحويل الأموال القذرة من أموال غير مشروعة إلى أموال مشروعة، كما تتسع عمليات نقل تلك الأموال من دولة إلى أخرى مع إلغاء القيود النقدية في أغلب الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي «البالغ عددها ۱۳۲ دولة من إجمالي أعضائه البالغ عددهم ۱۸۱ دولة».

ولقد بلغت الأموال المغسولة وفقًا لدراسة أعدها البنك الأهلي المصري حوالي ٥٠٠ مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل حوالي ٢٪ من إجمالي الناتج المحلي الدولي، بينما كانت حوالي ٤٠٠ مليار دولار أمريكي في عام ١٩٩٤م.

وذكرت الدراسة أن هناك ثلاث مراحل لغسيل الأموال:

الأولى: التوظيف: أي توظيف الأموال غير المشروعة في صورة إيداعات بالبنوك، أو المؤسسات المالية، أو شراء أسهم، أو مؤسسة مالية، أو تجارية أو غيرها.

الثانية: التمويه: بمعنى إيجاد مجموعة معقدة من العمليات المالية، بغرض تضليل أي محاولة للكشف عن المصدر الحقيقي للأموال.

الثالثة: التكامل أو الدمج: حيث يتم ضخ الأموال مرة أخرى في الاقتصاد كأموال مشروعة معلومة المصدر. 

ويقترح الخبراء لمواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة:

  1. إعداد اتفاقية دولية لتنظيم الإجراءات المتعلقة بتجنب غسيل الأموال، كاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الإتجار غير المشروع في المخدرات عام ۱۹۸۸م، وكذلك بيان بازل للمبادئ المصرفية، الذي تضمن ضرورة التعرف على الهوية الحقيقية للعميل الجديد، وعدم تقديم أي تسهيلات مصرفية لتنفيذ أي عمليات ذات صلة بغسيل الأموال.

وقد قام عدد كبير من الدول في ضوء اتفاقية بازل بإصدار قوانين وأنظمة لمراقبة الأموال القذرة مثل سويسرا التي قامت عام ۱۹۹۰م بإصدار قانون يحظر غسيل الأموال باتخاذ إجراءات حاسمة تجاه المودعين من بينها التأكد من شخصية المودع، والوقوف على مصدر أمواله وضرورة إبلاغ السلطات عن أي عمليات مشبوهة في البنوك والكشف عن أي تحويل مالي يزيد على المألوف، كما قامت الحكومة السويسرية بتشكيل وحدة مركزية وتعيين ۱۰ من عملاء البوليس بشكل دائم في كل من أمريكا الشمالية والجنوبية وأوروبا والشرق الأقصى ووسط إفريقيا لجمع معلومات عن شبكات الجريمة الدولية.

  1. مراجعة مصادر المبالغ التي يتم تحويلها إلى الخارج في البنوك وحتى في شركات الصرافة، علمًا بأن اتفاقية صندوق النقد الدولي تعزز هذا الإجراء في جميع الدول النامية.

قوانين مكافحة غسيل الأموال في الدول العربية بين مؤيد ومعارض: 

تدرس مصر الآن إصدار قانون لمكافحة غسيل الأموال في إطار التزامها باتفاقية فيينا التي ألزمت أعضاءها بإصدار قوانين لمكافحة ظاهرة غسيل الأموال، ورغم أن مصر انضمت للاتفاقية عام ۱۹۸۸م، إلا أن صدور القانون تأجل حتى الآن نتيجة التخوفات التي أعلنها محافظ البنك المركزي، وكذلك العاملون في البنوك من تأثير مثل تلك القوانين على مناخ الاستثمار.

ويعتبر هذا القانون فرصة لحماية الأموال المشروعة والاستثمار الوطني، لأنه سيعتبر من يقوم بتغيير معالم الدخل لإضفاء المشروعية عليه مجرمًا يتعرض للعقوبات الرادعة، والتي سوف تزداد بالنسبة للبنوك التي تقوم بالعمل في هذا النشاط.

ويطالب بعض الخبراء العرب بإنشاء أجهزة خاصة بالكشف عن الأموال غير المشروعة تكون لديها القدرة على تلقي المعلومات من مصادر متعددة منها: الشركات المالية، وشركات الصرافة، والسمسرة، والتأمين حتى من الأفراد العاديين، وتجري عمليات تحرٍّ دقيقة على تلك المعلومات ومدى مصداقيتها في سرية تامة وعلى ضوء ذلك تبدأ تلك الأجهزة في اتخاذ الإجراءات القانونية.

وفي مصر يطالب الخبراء بأن يتضمن القانون الجديد حق الطلب من النائب العام للكشف عن الحسابات السرية للأشخاص الذين يدور حولهم الشك، كما هو متضمن في النصوص الواردة في قوانين مكافحة غسيل الأموال في الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك في الدول الأوروبية، والتي تحذر قوانينها أيضًا من موظفي البنوك من إبلاغ العملاء بوجود تحريات على أرصدتهم، والواقع أن هناك من الخبراء من يرى أن يكتفى للتحوط من غسيل الأموال بالإجراءات التي حددتها لجنة «فاتف» أو «قوة العمليات المالية» وهي قوة مالية مؤثرة على مستوى العالم وتتبع الأمم المتحدة (كان إنشاؤها عام ١٩٨٩م متمخضًا عن مؤتمر فيينا ۱۹۸۸م، وتختصر إلى FATF وقد انتهت هذه الهيئة إلى إصدار أربعين توصية يمكن اعتبارها الميثاق الذي يحكم غسيل الأموال) وتستخدم هذه اللجنة مؤشراتها للتعرف على الأموال غير المشروعة ومصادرها وتجمع معلومات يتضح من خلالها وجود دلائل على عملية الغسيل من عدمه، وتتمثل بعض الدلائل في حجم المبالغ لكل مودع، حيث يتم دخول أي عميل تصل إيداعاته في الدفعة الواحدة أكثر من ١٠ آلاف دولار دائرة التحري.

وفي حين يرى البعض أن الدول العربية لم تتعرض بعد لعمليات غسيل الأموال، يؤكد بعض الخبراء أن الدول العربية بها عمليات غسيل أموال بالفعل وإن كانت لم تحدد أرقامًا حتى الآن، وكان بعض القيادات المصرفية العربية قد أعرب خلال الفترة الأخيرة عن تحفظه على اتجاه الحكومات في بلدانها إلى إعداد قوانين المكافحة غسيل الأموال القذرة، وتركز هذا الاتجاه بشكل أساسي فيمن هم في مواقع المسؤولية عن تحقيق الأرباح داخل البنوك، حيث ترددوا في قبول مبدأ مكافحة غسيل الأموال وفي المقابل أيد معظم القيادات المصرفية إعداد مثل هذه القوانين التي تستهدف الحفاظ على الاقتصاديات الوطنية.

الرابط المختصر :