; غزوة بدر الكبرى: أمجد ذكرى لأعظم رسالة من آثار المجاهد الراحل | مجلة المجتمع

العنوان غزوة بدر الكبرى: أمجد ذكرى لأعظم رسالة من آثار المجاهد الراحل

الكاتب حسين يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1978

مشاهدات 98

نشر في العدد 384

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 31-يناير-1978

غزوة بدر الكبرى

أمجد ذكرى لأعظم رسالة

من آثار المجاهد الراحل

حسين يوسف

  • حارب المسلمون في بدر.. ولكن من أجل فكرة.. وجاهدوا.
  • ولكن من أجل عقيدة.. وأقبلوا على الموت كما كانوا يقبلون على الحياة.
  • كانت بدر تمهيدًا للفتح الإسلامي الكبير الذي بدأ بتوحيد شبه الجزيرة العربية وتخطى ربوع أفريقيا إلى الأطلسي وهضبات آسيا إلى أعالي الهملايا..
  • لقد ظل النصر حليف المسلمين ما ظلوا متمسكين بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فأقاموا دولة شامخة البنيان ثابتة الأركان.

ذكريات المجد:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران:123). 

لكل أمة من الأمم مواقع نصر، وصحائف فخر، ولكل جماعة من الجماعات ذكريات مجد، ومناسبات عز وسؤدد، تستعيدها بين الفينة والفينة؛ فتثير فيها إحساسات العزة والفخار، وتتدارسها كلما ادلهمت الخطوب واحتاطت النوائب؛ فتبعث في دمائها الحياة حارة ملتهبة، وتدفع بها إلى الأمام في سبيل استعادة مجد غابر، أو دفع خطر جارف، أو رفع ظلم واقع، أو استرداد حرية منهوبة، أو صيانة كرامة مهانة.

وتحرص الأمم الحية على إحياء ذكرياتها المجيدة. فتقام من أجلها الاحتفالات القومية، وتلقى البيانات الوطنية؛ ليكون في ذلك صيانة لحيوية الشعب، وتدعيم لثقته بنفسه، وبث لروح العزة والسيادة بين شبابه ونسائه.

الويل لأمة تناست ماضيها:

يحتفل الإنجليز بموقعة الطرف الأغر، والفرنسيون بذكرى الثورة، والطليان بحروب الاستقلال التي وحد في نهايتها جاريبالدى الوطن الإيطالي، والأمريكان بكفاح واشنجتون، وهكذا لكل أمة أيامها، ولكل شعب مفاخره، ولكل جماعة ساعاتها التي تستنبط منها القوة، وتستمد منها الحياة.

والويل كل الويل لأمة أهملت تاريخها، وتناست ماضيها، وتجاهلت أمجادها، واستسلمت للأمر الواقع، فرضيت بالذل بعد العزة، وبالضعف بعد القوة، وبالاستكانة بعد السيادة والسلطان، الويل لأمة رضيت بانتهاك حرماتها، واغتصاب حرياتها، واستغلال واستعباد بنيها.

الويل لأمة غفلت عن رسالتها، وفرطت في كرامتها ومكانتها، ورضيت أن تكون ذيلًا للأقوياء، وموطئًا لنعال الغاصبين، وانحصرت جهودها في المفاضلة بين استعباد واستعباد، والمقارنة بين استبداد واستبداد.

مثل هذه الأمة لا أمل في بعثها، ولا رجاء في مستقبلها. ولا مطمح لها- وقد نسيت ماضيها- في حياة العزة، ونعيم الحرية والسيادة.

أروع ذكرى:

وبمقدار روعة الذكرى وما تحويه من بطولة خارقة، وكفاح مجيد، وما ترمز إليه من غاية نبيلة، ومقصد سامٍ، وما ترتب عليها من نتائج خطيرة وتطورات فاصلة، وما أنتجته في النهاية للمجتمع من خير أو شر، من تقدم أو تأخر، من سعادة أو شقاء، من حياة أو فناء، بمقدار كل هذا يكون أثر الذكرى في النفوس بليغًا، ووقعها قاطعًا، وفعلها ماضيًا وأثرها باقيًا.

وليس هناك بين ذكريات المجد، ومواقع الفخر، من تداني في منزلتها، وسمو غايتها، وخطورة نتائجها، أروع من ذكرى النصر الأول في الإسلام: ذكرى غزوة بدر الكبرى.

تلك هي ذكرى الحق يمحق الباطل، ذكرى آية النور تمحو آية الظلام، ذكرى قوة الإيمان تسحق جحافل الشرك والكفران، ذكرى القلة المؤمنة الصادقة تكتسح في طريقها الكثرة الباغية المتحللة.

خطر الشهوات على كيان الأمم:

فلم ينتصر في بدر ثلاثمائة مسلم فحسب، وإنما انتصرت رسالة الإسلام، رسالة العقيدة والإيمان، رسالة الفضيلة والأخلاق، ولم ينهزم كفار قريش، وإنما هزمت روح التحلل والفساد، وسحقت فكرة الكفر والإشراك.. 

نعم.. لقد انهزم المشركون لأنه كانت تنقصهم العقيدة الراسخة التي تجدد إيمانهم، وتشدد عزائمهم، انهزموا لأنه كانت تنقصهم الفضيلة التي تسمو بنفوسهم، والأخلاق التي دعم رجولتهم..

انهزم المشركون لتفشى الشهوات في مجتمعهم، وتغلغل روح الاستهتار والتحلل فيما بينهم، ففتكت الخمور قلوبهم، وحطمت الفاحشة من رجولتهم، وهبطت عبادة الأوثان بإنسانيتهم، فكانوا كثرة لا يرجى منها، وأجسادا لا روح فيها..

 فليس أخطر على أمة من الأمم من أن تتفشى فيها الشهوات وتتغلب عليها وتسودها روح التحلل الأهواء.. والفجور، فإن ذلك إيذان بانهيارها، ومقدمة لسوء مصيرها، وضياع حريتها واستقلالها..

وهكذا كانت بدر حدا فاصلا بين عهدين.. عهد الجاهلية وعهد الإسلام، وكانت سيفا قاطعا بين قوتين.. قوة المادة وقوة الروح، وكانت موقفا حاسما بين جهادين جهاد المسلمين في سبيل إعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، وفي سبيل تحرير الفكر الإنساني من رجس الشرك، وتطهير النفس من دنس الشهوات.

والسمو بها من حضيض الحيوانية وجهاد الكفار في سبيل تثبيت سلطان الأوثان وتأييد دولة الشيطان، وتأكيد روح التحلل والجهل والفساد.

من أجل العقيدة..

لقد كانت بدر- وما زالت- في تاريخ البشرية أجمع، أمجد ذكرى لأسمى رسالة، فلم يحارب المسلمون فيها جريًا وراء مغنم مرتقب، أو سعيًا في سبيل غرض مادي، وإنما حاربوا في سبيل مثل عليا، وجاهدوا من أجل الله ورسوله، ونصرة الله ورسوله، وعزة الله ورسوله.  

حارب المسلمون من أجل فكرة، وجاهدوا من أجل عقيدة، ويا لها من فكرة مجيدة تلك التي تحول تلك القلة الضئيلة إلى كثرة ساحقة، وتلك المئات الثلاث إلى قوة ماحقة، وألوف مؤلفة!! يا لها من عقيدة راسخة تلك التي تبعث في نفوس أصحابها ذلك الإيمان الذي يكتسح كل شيء، ولا يقف دون غايته أي قوة، ذلك الإيمان الذي سما بأصحابه فوق الماديات، فرخصت الحياة في نظرهم؛ فأقبلوا على الموت يقتحمونه بثغور باسمة، في سبيل حياة عزيزة تظلها راية القرآن، أو في سبيل شهادة تؤدي إلى جنة عرضها السموات والأرض.

امضِ لما أراك الله فنحن معك:

يا لها من عقيدة راسخة! تلك التي تدفع بأصحابها وقد عرفوا ما أعد للقائهم من جند زاخر، وسلاح وافر، إلى الالتفاف حول رسول الله، يؤكدون له إيمانهم بدعوته، واستعدادهم لمتابعته، قائلين له على لسان المقداد بن عمرو: 

«يا رسول الله.. امضِ لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون». 

ومؤكدين له ذلك على لسان سيد الأنصار سعد بن معاذ- رضي الله عنه- إذ يجيب على قول رسول- صلى الله عليه وسلم-: «أشيروا على أيها الناس»: يا رسول الله، لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. 

فلا يسع رسول الله وقد أيقن صدق إيمانهم إلا أن يقول لهم مبشرًا بنصر الله: «سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم».

التقاء الجمعين:

والتقى الجمعان؛ فوقف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ينظم صفوف أصحابه، ويبث في نفوسهم روح الثبات والإقدام، ثم عاد إلى عريشه وهو أشد ما يكون وجلًا بعد أن رأى قلة جنده، وندرة سلاحه أمام كثرة المشركين ووفرة سلاحهم، فلم يجد من يلجأ إليه إلا الله، فاتجه إليه بكل قلبه، وناشده بقوله: 

«اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك.. اللهم فنصرك الذي وعدتني.. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد». 

وأنجز الله وعده لرسوله وللمؤمنين، فأمدهم بنصره، وأيدهم بجنده وملائكته، وثبت أقدامهم، وألقى الرعب في قلوب أعدائهم، فولوا الأدبار، وقد مادت الأرض تحت أقدامهم، وضاقت السبل أمامهم، ذلك أنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فاعتمدوا عليه وحده، واعتصموا بكتابه، وحرصوا على الموت في سبيله؛ فوهبت لهم الحياة عزيزة موفورة الكرامة.

الإيمان الصادق لا تقف دونه قوة:

انتصر المسلمون نصرًا مؤزرًا؛ ليكون في انتصارهم عبرة لمن بعدهم، فيعلموا أن قوة المادة تفنى أمام قوة الروح، وأن الإيمان الصادق لا تقف دونه قوة إلا وحطمها وتغلب عليها. 

وهذا الإيمان الوطيد هو نفسه الذي دفع بهذه المئات القليلة من الرجال في مشارق الأرض ومغاربها، فثلوا عروش القياصرة والأكاسرة، وأقاموا دولة شامخة دستورها القرآن، يسودها العدل والمساواة، وتظللها روح الأخوة والتضامن، وتخفق في ربوعها راية الإسلام عالية خفاقة.

لقد كانت بدر تمهيدًا لذلك الفتح الإسلامي الأكبر الذي بدأ بتوحيد شبه الجزيرة العربية، وتخطى ربوع أفريقيا إلى المحيط الأطلسي، وهضبات آسيا إلى أعالي الهملايا، والذي امتد بعد ذلك إلى أوروبا يكتسح فى طريقه كل قوة تعترضه، حتى وصل إلى أسوار فيينا بالنمسا، وتدفق إلى ربوع بولندا! 

لقد ظل النصر حليف المسلمين ما ظلوا متمسكين بكتاب الله وسنة نبيه، وما ظلوا معتصمين برباط الوحدة، وظل النصر حليفهم لما أيقنوا أن الإسلام دين كفاح وجهاد، دين قوة وسيادة، لا دين أقوال وجدل، ولا دين خمول واستسلام.

كيف ذل المسلمون؟

فلما غفلوا عن ذلك، وعادت إلى الوجود فيما بينهم العصبيات العنصرية، وتهاونوا في تنفيذ أحكام القرآن، والتمسك بآداب الإسلام. لما استبدلوا بكتاب الله قوانين وضعية تحمي الفساد، وتنشر الفوضى الأخلاقية، وتذيع الإباحية والتحلل والفجور، لما جروا وراء مدينة الغرب مقلدين لها؛ فسمحوا بالخمور تفتح حاناتها فيما بينهم علانية، وسمحوا للمواخير تباع فيها أعراض المسلمات وتشترى، وسمحوا للمراقص والسينمات تذيع فيهم سموم الغرب وخلاعته. 

وأخيرًا سمحوا لنسائهم وبناتهم وأخواتهم أن يخرجن إلى الطرقات سافرات متهتكات، وفي ذلك المظهر الذي لا يقره دين، ولا يتفق مع أي مدنية فاضلة أو ذوق سليم، سمحوا لهنَّ بكل هذا وبأكثر منه، من تعرٍّ على الشواطئ، واختلاط بالأجانب ومراقصتهم ومخاصرتهم، وخروج معهم إلى الحدائق وأماكن اللهو والفساد، فعلوا كل ذلك فعادوا إلى ما كان عليه كفار قريش من تحلل وتفكك، بل عادوا إلى أسوا من ذلك؛ ففقدوا مميزاتهم وفضائلهم؛ فبدل الله أحوالهم من القوة إلى الضعف، ومن العزة إلى المذلة، ومن الوحدة إلى الفرقة، وجعل بأسهم فيما بينهم، وسلط عليهم أعداءهم حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه اليوم من عبودية ومهانة.

تلك سنة الله في خلقه ولن نجد لسنة الله تبديلًا، فيوم أن كان المسلمون قلة مؤمنة معتزة بالإسلام أعزها الله ونصرها. 

واليوم وقد أصبحوا كثرة كغثاء السيل، لا حول لها ولا قوة، فرطت في الإسلام؛ فأذلها الله.

فما أجدرنا أن نعرف كل ذلك، وأن نعمل متكاتفين للقضاء على كل ضعف فينا، وأن نستمد من ذكرى ذلك النصر الأول كل قوة وحياة، وكل عزيمة وصبر.

سبب تدهورنا، وانحطاطنا هو إهمالنا لذلك الكتاب الأعظم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وخروجنا على تلك التقاليد والآداب العليا، إلى حيث استبدلنا بها مدينة فاسدة داعرة، ليس فيها من حسن إلا وجاء الإسلام بما هو أروع منه، وليس فيها من نقص إلا وتجرد الإسلام عنه.

فلنطهر أرواحنا ولنستعد:

لقد آن الأوان أن نترسم سنة هؤلاء الأبطال من المهاجرين والأنصار وأن نسير سيرتهم، وأن نعلم أن كل شيء يتوقف على مقدار ما في إرادتنا من صدق، وما في إيماننا من رسوخ، وأن الفرق بين الضعف والقوة، كالفرق تمامًا بين الإحساس بالضعف والإحساس بالقوة.

فلنطهر أرواحنا، ولنحارب في أنفسنا روح الاستسلام واليأس. ولنعد إلى الله فهو نعم المولى ونه النصير..

لقد دقت الساعة وقربت الفرصة ألا فلنستعد ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40) 

حسين يوسف

الرابط المختصر :