; غزوة بدر الكبرى | مجلة المجتمع

العنوان غزوة بدر الكبرى

الكاتب حمود حطاب

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1974

مشاهدات 84

نشر في العدد 221

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 08-أكتوبر-1974

● دور الرجال الأقوياء المخلصينْ في المعارك الفاصلة. ● حين يكون الهدف إعلاء كلمة الله يتنزل النصر والبركة على المجاهدين ● القوة الجديدة التي غيرت الواقع «موازنة بين حربين» في مثل هذه الأيام من رمضان في السنة الثانية من الهجرة اندلعت في التاريخ حرب لم يكن يحسب لها حساب غيرت مجرى الأحداث ولوت عنق الزمان؛ لتجعله لصالح القوى الإسلامية حديثة الظهور آنذاك مما جعل قوى الأعداء تحسب لها ألف حساب وحساب، إن أبناء الملة الجديدة قد ظهروا أمام العالم بقوة جديدة، ووجه جديد، إنهم يحطمون السمعة القديمة لقريش التي ظلت تتيه بها بين القبائل سنين طويلة إنها اليوم تنهار أمام مجموعة اعتنقت مبدأ جديدًا من نفس قريش إنها مجموعة الضعفاء التي وقفت اليوم أمام صناديد قريش وأبطالها أمام أبو جهل عمرو بن هشام وأمثاله؛ لتلقيهم من على طريقها في قليب غص بسبعين رجلًا من صناديدهم وفي عام سبعة وستين قامت حرب أخرى ملأت أسماع الدنيا وحسب الناس لها ألف حساب إنها اليوم حرب غير ما كانت عليه يوم الجمعة سنة اثنتين من الهجرة إنها بين العرب الأقوياء واليهود الضعفاء إن النصر حليف العرب وإن العدو غارق في البحر لا محالة، كانت مجريات الأمور تسير على هذا المنوال وبهذا الشكل والآن فلننظر المقارنة بين الحربين. الجيش المسلم واستعداداته للحرب عام اثنين للهجرة: لم تكن لدى الجيش الإسلامي الذي دخل معركة بدر استعدادات مسبقة تؤهلهم لدخول حرب كهذه يتوقف على نتيجتها ظهور الإسلام أو اختفائه الذي هو كائن بإذن ربه إنما كانت استعداداتهم من نوع آخر قبل ثلاث عشرة سنة كانت استعداداتهم تتمثل في تلك الجلسات النبوية في دار الدعوة الأولى بيت الأرقم بن أبي الأرقم لبناء النفوس التي تختلف طريقة بنائها عن بناء الأجسام إن عضلات النفس لجد صعبة الاستقامة والنمو لأنها سهلة الفك والانحلال ولذلك ركز عليها المربي الأول مربي الجيل القرآني الفريد محمد- صلى الله عليه وسلم-: يقول سيد قطب رحمه الله: «ظل القرآن المكي ينزل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر عامًا كاملة يحدثه فيها عن قضية واحدة لا تتغير ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر» «لقد كان يعالج القضية الأولى والقضية الكبرى والقضية الأساسية في هذا الدين الجديد... قضية العقيدة ممثلة في قاعدتها الرئيسية الألوهية والعبودية وما بينهما من علاقة. لقد كان يخاطب بهذه الحقيقة الإنسان «.. الإنسان بما إنه إنسان وفي هذا المجال يستوي الإنسان العربي في ذلك الزمان والإنسان العربي في كل زمان كما يستوي الإنسان العربي وكل إنسان في ذلك الزمان وفي كل زمان» إنه كان يحدثه عن قضية لا تتغير بالنسبة للإنسان «لأنها قضية وجوده في هذا الكون وقضية مصيره قضية علاقته بهذا الكون و بهؤلاء الأحياء وقضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء وهي قضية لا تتغير لأنها قضية الوجود والإنسان لقد كان تلامذة كلية الأرقم بن أبى الأرقم العسكرية والسياسية والإسلامية كانوا يتلقون معرفة سر وجود الإنسان ووجود هذا الكون من حوله كانوا يتلقون عن طريق الوحي ما هو الإنسان ومن أين جاء؟ ولماذا جاء وإلى أين ذهب في نهاية هذا المطاف وكانوا يذاكرون في ما وراء هذا العالم الغيبي وكيفية التعامل مع خالقه كما كانوا يتعلمون كيف يتعامل العباد مع العباد وهكذا انقضت ثلاثة عشر عامًا كاملة في تقرير هذه القضية الكبرى التي خرجوا يقاتلون من أجلها القضية الأساسية التي لم يتجاوز القرآن المكي غيرها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة. خرجوا وكان عدد المشركين يفوقهم بأضعاف فقد بلغ عددهم الألف مع ما كان معهم من الفرسان والإبل بينما جيش المسلمين لم يزد عن الثلاثمائة مقاتل على غير استعداد مادي للقتال إلا الاستعداد الذي ذكرناه من قبل وهو تربية النبوة الصادقة لهم على هدى كتاب الله وطريقة رسوله- صلى الله عليه وسلم-. كان الواحد منهم قد خرج للقتال وهو مستعد لأن يفدى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بكل ما يملك وأهون ما يملك نفسه التي بين جنبيه واسمعوا ما يقول المقداد بن عمرو: «يقول يا رسول الله, امض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى» «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون» ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله خيرًا ودعا له به». ويقول سعد بن معاذ عندما طلب الرسول المشورة: «والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا إنا لصبر في الحرب صدق اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله» ویسر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لهذه المحبة الصادقة وذلك الإيمان العميق الذي نشطه فيقول: سيروا وأبشروا فإن الله- تعالى- وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» حقًا لقد جاءه الوعد من مصدر أمين موثوق بالمساعدة أثناء الحرب إنه وعد الله الذي لا يخلف الميعاد إنه لرسوله الحبيب الذي اصطفاه من بين خلقه وخصه برسالته إنه يعده بالتعهد والمتابعة في الحرب لا يتركه ولا يسلمه الشيء بكره ليس هناك توجه أحسن في المعركة ليس هناك نصير يعتمد غير الله إن رسول الله يتوجه في العريش متضرعًا إلى ربه فيسقط رداؤه المرة تلو الأخرى وأبو بكر يشفق عليه فيرفع رداءه فوق كتفه ويقول: «يا نبي الله بعض مناشدتك ربك وفي بعض الروايات كفى مناشدتك لربك فإن الله منجز لك ما وعدك» ويقول سعد مرة أخرى «يا نبي الله ألا نبني لك عريشًا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك». هكذا كانت روح الجيش المعنوية وأفراده وقواده كلها محبة في محبة وإخلاص في إخلاص وتضحية في تضحية وايثار في إيثار إن محبة القائد عندهم قد بلغت ذروتها فهم يخشون عليه أكثر مما يخشون على أهلهم ونسائهم وأطفالهم إن العلاقة القائمة بينهم غير علاقة الأمير بالمأمور والضابط بالجندي والقائد بالضابط إنها العلاقة الروحية التي تتجلى في مقدم الصحابي سواد بن غزية لرسول الله يعاتب رسول الله لأن رسول الله طعنه في بطنه بالقدح عندما كان يسوي الصفوف وقال: «استو يا سواد فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني یعنی أعطني من نفسك القود والحق فكشف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن بطنه وقال: استقد أي خد حقك فاعتنقه سواد فقبل بطنه فقال: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما حملك على هذا يا سواد قال: يا رسول, الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له الرسول- صلى الله عليه وسلم- بخير». صورة ثالثة ورابعة وخامسة تبين خلق الجنود مع قائدهم وخلق القائد من جنوده في أشد اللحظات وفي أحسم الأوقات يطلب جندي عادي من جنود الجيش أن يأخذ حقه وممن؟ من القائد فيتواضع القائد ويكشف عن بطنه؛ ليقتص منه ذلك الجندي بالله وأي قيادة هذه وأي جنود هم هؤلاء. ويطلب العدو المبارزة ويخرج على وحمزة وعبيدة- رضي الله عنهم-؛ للقاء عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة فينقض أسود المسلمين على الكفار ولا يمهلونهم لحظة وينكشف الموقف للمسلمين ويطلب الرسول من جيشه عدم الدخول إلى الحرب إلا بعد موافقته وتزاحف القوم والتقى الجيشان جيش المسلمين بقيادة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجيش المشركين بقيادة مجموعة من رجالات قريش وأشرافها من بينهم أبو جهل عمرو بن هشام وتظهر الملائكة في صفوف المسلمين ويراها بعض المشركين فيصرع. عن ابن عباس قال: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب قال: فبينما نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه أما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت. وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان شهد بدرًا قال: «لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أماري». سبحان الله إنها الجنود السماوية التي جاءت؛ لإنقاذ الربانيين أصحاب رسول الله إنها جاءت؛ لتنقذ جند الحق في صفوف الحق إنها جاءت بأمر ربها؛ لتنقذ من آمن بها وآمن بربها إنها جاءت؛ لتنقذ من قامت بينها وبينه علائق الإيمان بينما نرى في الجانب الآخر من صفوف المشركين إبليس عليه لعائن الله وغضبه يخرج من بين صفوفهم يوهمهم أنه سراقة بن مالك؛ ليؤكد لهم أنه جار لهم من الناس فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال: إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون نعم إنه اليوم في اشتداد الحرب يرى الملائكة التي لا طاقة له بها لقد جاء؛ ليمد أعوانه الذين جعلوه رئيسًا عليهم بطاعتهم له جاء؛ ليوقف دعوة محمد- صلى الله عليه وسلم-؛ انتقاما من أبيه آدم الذي كان سببًا لإخراجه من الجنة ولكن هيهات إن الموقف عصيب والملائكة قادمة من كل صوب فلا مناص من الفرار . وليترك القوم وشأنهم إنه بريء منهم إنه يرى ما لا يرون. وما هي إلا ساعات وينكشف النصر لصالح المسلمين وتبدو الهزيمة على المشركين ويقفز الكبرياء الإسلامي ممثلا في ابن مسعود على صدر فرعون الجزيرة أبو جهل ليعلنها من فوق صدر ذلك الطاغية عالية مدوية هل أخزاك الله يا عدو الله» نعم وأي خزي هذا الذي لم يكن يحسب له حساب. إن رويعي الغنم عبد الله بن مسعود الذي صفعه ابو جهل ذات مرة حتى سد أذنه إنه اليوم يقع تحت قدميه لا يستطيع حراكًا ولا يهتدى سبيلًا صورة أخرى من صور المعركة تعرضها علينا السير لنرى من نفحاتها انتصار النبوة والإيمان على مختلف قوى الأرض إن الاستراتيجية الحربية يختلف مفهومها عند المسلمين بالنسبة إلى غيرهم إن مسألة التكافؤ العددي لا يغنى من الحق شيئًا ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (التوبة:25) إن منطق القرآن لا يعترف بالقوة العسكرية والعتادية والمقدرة القتالية والتدريب وحدها بل إن المحرك الأول لها جميعًا هو تأييد الله أو خذلانه ولقد كانت معركة بدر دليلًا واضحًا معجزًا كعقول البشر لهذه الاستراتيجية، إن أعداء الإسلام في كل مكان يخشون التحدث عن هذه المعركة لأن جعبهم المادية عاجزة كل العجز عن إيجاد أسباب مادية لانتصار المسلمين ثلاثمائة مقابل ألف وهكذا سيسجل التاريخ لكل فئة مؤمنة تبايع الله ورسوله للجهاد في سبيله مهما كانت عدتها وعددها سيسجل لها النصر المفاجئ الذي يذهل الأعداء ويحير عقولهم وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. استعدادات الجيش سنة ألف وستمائة وسبع وستين: مضت على الحرب الفاصلة الأولى للجيش الإسلامي الأول أربعة عشر قرنًا من الزمان توالت فيها الأحداث على المسلمين ما بين ضعف وقوة وتوالت الهجمات من الصليبيين إلى المغول إلى التتار إلى اليهود واحتلت أجزاء من الأرض وعادت لتطهر على أيدي الصالحين من أبناء الإسلام حتى جاء القرن العشرين فجاءت طغمة من اليهود لتزرع في أرض الإسلام الشر والفساد خلافة من سبقهم من الصليبيين وقام أبناء الإسلام؛ ليردوا عن أرضهم هذا الدخيل المطرود في كل أنحاء الأرض ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (الأعراف:167) ولكن في هذه المرة كان أبناء الإسلام صورة مختلفة عما كانوا عليه أيام بدر الكبرى إنهم اليوم أجسام خالية تتسمى بالإسلام وتحت قيادة هزيلة ضعيفة ترغب بالاستسلام ولنذكر الآن استعدادات الجيش منذ الهزيمة الأخيرة في ثمان وأربعين. التوجيه المعنوي للجيش: قلنا من قبل إن الجيش الإسلامي أو المفروض أنه إسلامي تولته قيادات فاشلة لم تستطع أن توجهه إلى النصر وهزيمة الأعداء حتى قامت الثورة ولدى قيام الثورة قام معها الثوار بإعلان الحرب على المبادئ وأي المبادئ إنه الإسلام لقد أعلنوها خفية حتى لا تتصادم فكرتهم بالرفض المطلق والحرب المعلنة أعلنوها باسم الاشتراكية وباسم الميثاق وباسم الحرية والديموقراطية وتمضي التجربة المريرة على الشعب الذي انطلت على أكثره هذه الأكذوبة ويقوولون شيء بشيء لم نفقد شيئًا فهذه السدود العالية وهذه الكوبريات المعلقة وهذه البحيرات الصناعية كلها من صنع الثورة وإنجازاتها المباركة ويستعرض الأبطال عضلاتهم في كل مناسبة وتظهر قواتهم في الاستعراضات حاملة اللواء المزيف لواء الثورة الذي لم يستطع إلا التخلص من المسلمين والمدعاة عن طريق الخديعة. الشعب كله اليوم مخدر وقد تم تضليله نهائيًا وتحين الفرصة للعدو ثانية وينجح بتهديداته وتحشد القوات التي ملئت الصحف بالصور عنها والحديث عن قوتها وأنها أملنا في النصر شيء عجيب انعكست المفاهيم... أصبح النصر بيد السلاح.. لا والأعجب منه قول الزعيم إن الفضل كله للاشتراكيين الثوريين الروس من لقمة الخبز إلى المدفع والدبابة والطائرات يا لله أنحن في يوغسلافيا أم في الصين أم في تشيكوسلوفاكيا لا لا نحن لسنا في أحد من هذه المواطن إننا في أرض إسلامية فتحها خالد وطارق وقتيبة وعمرو ولكن الأرض أصابها الابتلاء يا للعجب لقد كان رسول- الله صلى الله عليه وسلم- قبل معركة بدر يرفع كفيه للسماء داعيًا الله تبارك وتعالى بالنصر فأصبحنا اليوم نرفع أكف الابتهال لأعداء ديننا وأعداء ربنا وتحين ساعات المعركة والجنود في الصحراء ينتظرون وطائرات الميج تربض في المطار كأنها فراشات وادعة جاءت؛ لتمتص الرحيق من الأزهار وتطير ثانية لا حماية ولا دفاع والطيارون وما أدراك ما الطيارون إنهم في وضع مختلف بين أحضان الراقصات بعيدًا عن كل ما يذكر بالمعركة إنها ساعات استراحة يقضيها الضباط كيفما شاءوا لا يذكر الله فإن هذا «موضة قديمة» ولكن باللهو الغناء وشرب الخمور وتصعق مطاراتنا المسكينة وتتناثر حطام طائراتنا الوادعة على رأس قائدها الذي أوصلها إلى هذه الحتمية إنه الفشل إنه العار إنه حصاد البعد عن الإسلام والنتيجة الأخيرة احتلال القدس ثالث الحرمين وسقوط المواقع الاستراتيجية في الجولان وسقوط سيناء بأكملها فمن يتحمل النتيجة... طريق النصر: يقول محمود شیت خطاب اللواء الركن: «ليس كل قائد أو زعيم يستطيع بناء الرجال ليكونوا في المستقبل عماد الوطن وركنه الركين. والقائد الحق أو الزعيم الحق هو الذي يتميز ببناء الرجال وخلف جيلًا منهم قادرًا على السير بالبلاد إلى شاطئ السلامة وتحمل أعباء الحكم بكفاية ومقدرة وقوة وإيمان». ويضيف الكاتب الإسلامي العسكري قائلا: «وقد وجدنا قادة وزعماء جاءت بهم الظروف ووضعتهم في مركز السيطرة والقوة والحكم كل همهم تقريب الإمعات والمنافقين والهتافة وأشباه الرجال وما هكذا تكون القيادة وما هكذا تكون الزعامة إن القائد الملهم أو الزعيم الفذ هو الذي يستقطب حوله الرجال الأقوياء الأمناء المخلصين وقوة هؤلاء قوة له وأمانتهم سند لشعبه وإخلاصهم دعم لوطنه ولكن عيب هؤلاء الرجال الأقوياء الأمناء المخلصين أنهم لا يكونون هتافين ولا مداحين يزجون المديح بمناسبة وبغير مناسبة وعيبهم أنهم يواجهون القائد أو الزعيم بالحقائق الناصعة مهما تكن قاسية مرة وعيبهم أنهم دائمًا لا يضربون من الخلف ولا يحبون أن يرتفعوا على أكتاف الآخرين لقد كان- عليه الصلاة والسلام- يدرك كل الإدراك أن كل إنسان لا بد أن يعاني نقصًا في ناحية من نواحيه الخلقية وأن الكمال لله وحده فكان يغض الطرف عن ناحية النقص في صاحبه ويستفيد من ناحية الكمال فينوه بصاحبها ويذكره ويثني عليه كان من بين أصحابه من امتاز بالثراء فأفاد المسلمون من ماله ولم يكلفه بمصاولة الصناديد والأبطال وكان من بين أصحابه من امتاز بناحية القيادة فجعله قائدًا وكان من بين أصحابه من امتاز بالرأي الثاقب فأفاد من آرائه وحكمته فكان ذلك سببًا من أسباب انتصار النبي- صلى الله عليه وسلم- عسكريًا وسياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا فلما التحق بالرفيق الأعلى كان بين المسلمين قادة وأمراء ورجال قادوا الأمة إلى المجد والسؤدد والخير.... فهل يفعل قادة العرب وزعماءوهم اليوم ما كان يفعله النبي- صلى الله عليه وسلم- يفيد من مزايا أصحابه ويظهرها ويثني عليها ويتستر على نواقصهم ويذكرهم بأحسن ما فيهم من خصال. ويكرر اللواء الركن قوله ناصحًا للزعماء نصيحة لله أن يتخلى الحكام عن أنانيتهم لأن الذي يقضي على العناصر الخيرة لا يكون صديقًا بل هو في صفوف الأعداء. إن التشجيع يصنع المعجزات ويبني الرجال والمناصب ليست لأحد إذ لو كانت لأحد ما وصلت إلى الذين يتسنمونها اليوم فهل سأل كل قائد وكل زعيم للعرب نفسه: من سيخلفنی بعد موتي؟ وهل الذي سيخلفني قادر على تحمل الأمانة وصيانتها؟ وماذا يمكن أن نسمى الزعيم أو القائد الذي يكون جوابه لنفسه لا أحد لا أحد على الإطلاق؟. إن الزعيم أو القائد يستطيع أن يفعل الكثير لأبناء أمته في مجال بناء الرجال وبناء الرجال هو بناء المستقبل وضمانه.. فماذا فعلنا من أجل ذلك. إن القائد أو الزعيم يؤثر غاية التأثير على أبناء شعبه في مزاياه وسلوكه الشخصي. والقائد أو الزعيم المزيف الذي يحارب العناصر القوية المؤمنة في بلاده ويستأثر بالإمعات وأشباه الرجال والمنافقين والهتافة يؤثر على شعبه أثرًا في غاية الخطورة إذ تسري هذه الخصلة إلى المسؤولين بالتسلل فيفعلون فعله ويقتفون أثره... إن الإمعة لا يختار غير الإمعة والمنافق لا يختار غير المنافق والهتاف لا يختار غير الهتاف وأشباه الرجال لا يختارون غير أشباه الرجال. فالحكم الصالح لا يحتاج إلا إلى الرجال الصالحين والقضاء على الأعداء يحتاج إلى الرجال الصالحين. والزعيم الحق أو القائد الحق هو الذي يتصيد هؤلاء الرجال و يستقطبهم حوله قوة له وسندًا. ويختم محمود خطاب كلامه قائلا: وأرجو أن يصل هذا الكلام إلى أسماع المسؤولين كبارًا وصغارًا فالناس يقولون مثله علنًا وهمسًا.. وأنا أضعه صريحًا أمام القادة والزعماء أن الناس يعرفون كل شيء... فلا يظن زعيم أو قائد أنه يغش أحدًا بشيء..... إنه لا يغش غیر نفسه ولا يغش غير مصلحة أمته العليا وويل لمن يتهاون في مصلحة أمته العليا نعم, إن بناء الرجال هو القاعدة الصلبة للعودة لأمجادنا الخالدة وبناء الرجال لا يتم إلا بالعقيدة وإنها لبين أيدينا تنتظر من يعمل بها؛ لينجز نصرًا جديدًا وبدرًا جديدة تحت راية سيوف الله ونصر الله قريب وإلى بدر ثانية في ظل الإسلام. حمود حطاب
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1350

93

الثلاثاء 18-مايو-1999

الأوائل في الجهاد والحروب

نشر في العدد 2043

97

السبت 09-مارس-2013

درس من غزوة«أحد»