العنوان غزة بين الانتصار والعار
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 17-يناير-2009
مشاهدات 72
نشر في العدد 1835
نشر في الصفحة 6
السبت 17-يناير-2009
تتواصل المحرقة على أرض «غزة» الصابرة الصامدة.. المظلومة والمصدومة.. نعم، هي «مظلومة» من عدو لا يرحم بشرًا ولا حجرًا.. عدو جبل على امتصاص دماء الأبرياء فاستحق عن جدارة لقب «شر خلق الله على الأرض».
وهي «مصدومة».. في بني جلدتها من أصحاب القرار والصولجان، وملاك الجيوش، الذين صمتوا حتى خجل منهم الصمت.. وتواروا خلف ستار النسيان حتى ملت الجدران التي تواروا خلفها..
لقد نشر التاريخ سجلاته هناك؛ ليرصد حقائق ما يجري على الأرض خلال ثلاثة أسابيع (حتى كتابة هذه السطور) من صور البطولة والفداء، وصور الإبادة الجماعية لكل شيء.
ولن يكون للتاريخ في «غزة» سوى سجلين لا ثالث لهما.. «سجل العار» و«سجل الانتصار».
وسيكون «سجل العار» متخمًا بجرائم الإبادة الجماعية التي اقترفها الصهاينة في مجازر متتالية بحق المدنيين العزل، والتي راح ضحيتها حتى اليوم السابع عشر من المحرقة فقط - وفق وزارة الصحة الفلسطينية - أكثر من ۹۱۰ شهداء بينهم نحو ۲۷۷ طفلًا و۹۳ امرأة، و۹۲ مسنًا، و ١٢ من العاملين في الطواقم الطبية، وعدد من الصحفيين والأجانب، و ٤١٠٠ جريح، نصفهم من الأطفال والنساء.
وسيسجل التاريخ في «سجل العار» تلك الهجمات البربرية على المستشفيات ومستودعات الأدوية وطواقم الإسعاف الطبية، حتى أوشكت خدمات الإنقاذ الطبي على الانهيار تمامًا فقد أصبحت المستشفيات - وفق بيان د. «معاوية حسنين»، مدير عام قسم الإسعاف والطوارئ بوزارة الصحة الفلسطينية - تعاني نقصا حادًا في الأدوية والمهمات الطبية المستخدمة لمواجهة أقسام الطوارئ، فقد نفدت ١٠٥ أصناف من الأدوية، و٢٢٥ من المستهلكات الطبية، و٩٣ من المواد الخاصة بالمختبرات.
كما أن ٥٠% من سيارات الإسعاف صارت معطلة لعدم توافر قطع غيار لها نتيجة الحصار بينما تتزايد الحاجة إلى مولدات الكهرباء.
وسيسجل التاريخ في «سجل العار» أيضًا مواقف أولئك الذين تركوا «غزة» تواجه الإبادة بدم بارد (وحدها) بل ومنهم من حرض على سرعة الإجهاز على الضحية، ووقفوا ضمن الطابور الخامس الشرير الذي جند نفسه لخدمة الصهاينة، وحاول بكل ما أوتي من قوة سياسية، وبكل ما في جعبته من أكاذيب إعلامية ودعائية تعطيل أي جهد لوقف المذبحة فورًا!!
وسيسجل التاريخ في «سجل العار» كل من باع نفسه للصهاينة، ورضي بمهنة السمسرة السياسية، بعد أن باع إخوانه من أبناء دينه ووطنه وعروبته.. فأسهم بكل ما أوتي من قوة في حصار أطفال ونساء غزة على امتداد عام ونصف والعام، حتى أوشكوا على الهلاك، ثم شارك في تشديد الحصار عليهم عندما بدأت المحرقة؛ علهم يموتون جميعًا، ويتم التخلص منهم فمنع الدواء والغذاء والإغاثة، ثم دفع بها بالقطارة، ثم عاد وأرخى يده عن تشديد الحصار بعد أن انفضح أمره، ذرًا للرماد في العيون ولكن.. بعد فوات الأوان.
وسيسجل التاريخ في «سجل العار» تلك المواقف المائعة الشامتة حينًا، والجبانة أحيانًا أخرى من تلك السلطة التي تتحدث باسم الشعب، وتتباكى ليل نهار على الشعب الفلسطيني؛ لكنها سكتت في بداية المحرقة عن توجيه أي لوم للصهاينة، وصبت جام غضبها على «حماس» ولم لا؟! وقد وجدت في تلك المحرقة فرصتها للتخلص من تيار الجهاد والاستشهاد.. لكن هيهات!
ولن يجد التاريخ وهو يوثق «سجل العار» صعوبة في التوثيق؛ فالشهود على أولئك جاهزون من الصهاينة أنفسهم الذين أعلنوا بكل وضوح حصولهم على الضوء الاخضر لارتكاب مجزرتهم من هؤلاء وأولئك.. وليراجعوا تصريحات «ليفني، وباراك، وبيريز» وما خفي كان أعظم!!
أما سجل الانتصار فسوف يقف التاريخ أمامه بكل احترام وإجلال لأولئك الذين سطروا ملحمة بطولية نادرة، بددوا خلالها أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وأثبتوا للعالم أنه جيش جبان، بعد أن مرغوا أنفه وأنف كل من راهنوا عليه في التراب... ومهما كانت نتائج تلك المحرقة فقد أثبتت المقاومة الفلسطينية أن تحرير فلسطين من النهر إلى البحر لم يعد بعيد المنال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل