; غريب الديار | مجلة المجتمع

العنوان غريب الديار

الكاتب عبد الرحمن بارود

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1975

مشاهدات 13

نشر في العدد 269

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 30-سبتمبر-1975

غريب الديار

 

قصيدة رمزية تعبر عن رحلة المؤمن الغريب في عصرنا عائدًا إلى دار الإسلام وما يعترض طريق عودته من عوائق وأخطار. وهو مع ذلك قوي بالله، مستبشر، يتغنى بالصباح الجميل وهو في ظلام المحن.

 

يرحل الموت يا خدود الورود * * وتدب الحياة في كل عود

ولجين الأنهار يجري مرايا * * وأريج التفاح ذو تغريد

وحبيبي يطل من قمم الخلد * * على موكب الصباح الجديد

 

عابر يقطع الدياجي غريبا * * ويغني في دربه الممدود

لم تقلل حنيننا الصرصر * * القُرَّة في وحشة الليالي السود

في السويداء أنت أيتها الدار * * برغم الهوان والتشريد

 

وبعينيه يذرع الأفق والأنجم * * تنأى خلف الغمام الوئيد

أنت نور السماء والأرض يعنو * * لك ما في الوجود من موجود

أنت أدنى إلي منِي ومولاي * * الذي في يديه حبل الوريد

 

وعواء الذئاب في الغور ناءٍ * * تترامى أصداؤه في النجود

رجل، والرجال قلّ، وما يعجم * * عود الرجال غير الصمود

والدجى يورث الدجى وكأن الفجر * * قد مات منذ عهد بعيد

غير شمس في القلب فاز بها الأح* * باب دونها شموس الوجود

وإذا الجوع عضه أشبعته * * كسرة من جرابه المعهود

يصبر الحر للزمان ولا تغبرّ * * نعلاه في ركاب العبيد

 

ستراني أمرغ الخد في الترب * * وأفنى عن السِّوَى في سجودي

هائما كالنسيم في الروض كالنورس * * في عالم بغير حدود

يوم آتي الديار اعتِق يا مولاي * * من غربة تطوق جيدي

 

ويشد الغريب خنجره الضخم * * وقلب الظلماء كالجلمود

ورؤوس الجبال تضرب في الغيم * * وتهوي الوديان كالأخدود

هذه الكأس في يد الدهر ملأى * * للمَوْلَى، والمُسَعَّر الصنديد

كم إطار الصدى قلوبا.. وكم ذا * * قف شعر الهيابة الرعديد!

رب موت يرد موتا زؤاما * * وشديد يفدي بألف شهيد

 

ينشد الدار بعد أن ضاع دهرا * * في ديار العذاب.. والتهديد

يلتقي الرياح.. والبرد.. والأمطار * * في بُرْدِهِ الغليظ الزهيد

كلما هم بالوقوف لحيظات * * أهابت به رماح الجدود

وبدور طاروا هويًّا من الليل * * وحطوا على ضفاف الخلود

صمدوا والحريق يعلو ودبابات * * نمرود قاصفات الرعود

 

ولغ الكلب في دماهم وقد فلق * * هاماتهم.. وهم في القيود

وطوتهم مجاهل الغيب لا إنسان * * يدري لحدا لهم في اللحود

ولو أن الجماد باح بسر * * خبرت عنهم ألوف الشهود

 

ربح البيع يا بدور، وهدت * * مضغة اللحم كبرياء الحديد

باء نمرود بالعذاب وظلت * * وصمة العار في جبين الجنود

 

ويطول الطريق.. والروح ظمأى * * أطفِ يا غَيُوثُ حَرّ الكبود

غربة ذاقها «الخليلان».. عادت * * بعد دهر إلى حفيد الحفيد

«قُدْكَ يا ساقي الطلا.. كلما كَفَّ * * الندامى أغريتهم بالمزيد»

ومنادٍ إلى الرحيل ينادي: * * «أسرعوا ما لنا هنا من قعود»

والظلام المطير ينسفه البرق * * وتعدو الضباع عدو الطريد

 

وتراءت لعينيه الدار عن بعد * * فسالت دموعه كالوليد

دارنا روضة من الخلد فيها * * يعرف الآدمي معنى الوجود

دارنا أولياؤها الملأ الأعلى * * وفود تحل إثر وفود

أسرة الكائنات فيها قلوب * * قد أضاءت بالحب والتوحيد

لا كمن يشترون بالدر عرا * * وبزي الإنسان زي القرود

 

وتصدى له من الصخر وحش * * كاسر جازر غليظ الزنود

يتولى فيسبق الريح مغوار * * الدياجي بنابه المبرود

ظاهر غائر قريب بعيد * * جبلي ألدّ جِدّ حَقُود

يا لها مؤتة! ومدّ إلى الخنجر * * يمناه للصراع العنيد

دارنا صوب مشرق الشمس أهديك * * فؤادي في يومك الموعود

إن أمت قبل أن أراكِ بعيني * * فعلى الدرب إخوتي كالأُسُود

لكأني أرى أبا بكر الصديق * * فيهم وخالد بن الوليد

وانبرى الوحش من جديد وضوء البرق * * يجلوه لحظة ثم يودي

دانيا دانيا وشبّ على خلفيتيه * * بشعره المشدود

لحظة ليس غيرُ واندفع الخنجر * * في القلب هائل التسديد

فَتَدَهْدَى ولم تزل قبضة الفولاذ * * في الجو في انتظار المزيد

حسنا.. ثم تابع السير في الإعصار * * يتلو آي الكتاب المجيد

موغلا في مجاهل الموت قهرا * * نافذا من طريقها المسدود

 

لا كلا لا.. والليل وَلَّى وزالا * * وتلألأ وجه الصباح السعيد

من بعيد.. لاحت قباب الخلود * * «لا كلا لا عيد ولا ألف عيد»

 عبد الرحمن بارود

الرابط المختصر :