العنوان غايتنا مرضاة الله عز وجل
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1977
مشاهدات 101
نشر في العدد 336
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 08-فبراير-1977
إذا عدنا إلى كتاب الله -عز وجل- لنقرأ سورة «الكافرون» أو سورة البراءة من عمل المشركين «كما يقول عنها ابن كثير» نری صورة من صور الإخلاص لله -تعالى- في كل شأن: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (سورة الكافرون: 1-6).
والسورة توضح لنا كثيرًا من الأمور التي تعترض حياتنا، وتتعلق باستقامة عبادتنا وعبوديتنا الكاملة لله -عز وجل-، والإخلاص له وحده، ومجانبة الشرك والبراءة من الجاهلية.
ويقال: إن السورة نزلت بعد أن دعا المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعبد أوثانهم سنة ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يتبرأ من دينهم بالكلية.
والعرب لم يكونوا جاحدين بالله، وإنما كانوا يجحدون حقيقته التي وصف بها نفسه: أحد، صمد، ليس له شريك، لذلك كانوا لا يعبدونه حق عبادته، ويشركون معه الأصنام التي ترمز إلى أسلافهم من الصالحين والعظماء؛ فهي تراث أمة تشبه تراث كثير من الأمم الحاضرة التي تحولت إلى أصنام معبودة كالوطنية، والقومية، والتقاليد، وكانوا يعتقدون أنهم على دين إبراهيم -عليه السلام-، وأنهم أهدى من أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون في الجزيرة العربية، فلما جاءهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لهم: إن دينه هو دین إبراهيم -عليه السلام- قالوا: نحن على دين إبراهيم، فما حاجتنا إذن إلى ترك ما نحن عليه واتباع محمد؟
وراحوا يحاولون مع رسول الله هذه الخطة الوسط، وعرضوا عليه أن يسجد لآلهتهم مقابل أن يسجدوا هم لإلهه، وأن يسكت عن عيب آلهتهم وهم يفعلون كذلك.
«ولعل اختلاط تصوراتهم، واعترافهم بالله مع عبادة آلهة أخرى معه، لعل هذا كان يشعرهم أن المسافة بينهم وبين محمد قريبة يمكن التفاهم عليها بقسمة البلد بلدين، والالتقاء في منتصف الطريق مع بعض الترضيات الشخصية، ولحسم هذه الشبهة، وقطع الطريق على المحاولة، والمفاضلة الحاسمة بين عبادة وعبادة، ومنهج ومنهج، وتصور وتصور، وطريق وطريق، نزلت هذه السورة بهذا الحزم، وبهذا التركيز، وبهذا التكرار، وتنهي كل قول، وتقطع كل مساومة، وتفرق نهائيًّا بين التوحيد والشرك، وتقيم المعالم واضحة لا تقبل المساومة والجدل في قليل ولا كثير (۱).
وهذه السورة واضحة في دلالاتها، حيث يعطي المسلم سمة التميز الكامل، والبراءة الشاملة التامة من الشرك والكفر والجاهلية، بأسلوب القرآن وكلمات الله -عز وجل- بالنفي الجازم، والتكرار الحاسم؛ حتى لا تقع الشبهة.. إن مناسبة السورة توضح لنا أن الجاهلية وأهل الشرك قد يكونون على شيء من الإيمان بالله، وقد يكونون على صورة من الصور التي تحتوي جانبًا من إيمان المؤمنين الحقيقيين، فالكافرون من العرب لم يكونوا يكفرون بالله وينكرونه وجودًا، وإنما كانوا يكفرون بصفاته، ويجهلون هذه الصفات، وبمعنى آخر فهم يؤمنون بالله الخالق الذي انتهى من خلقه، يعودون إليه متى شاءوا، وحين تعوزهم الحاجة، أو تضطرهم الظروف والأحداث، وعندها يدعونه ويتضرعون إليه، ويجدونه بانتظارهم متى رغبوا دخول المعبد أو المسجد، أو التقرب إليه بطاعة ما، وربما كان لهم أطوع من ذلك، حيث يأكلونه إذا جاعوا كما صنعوا بآلهتهم من التمر، أما في ما عدا ذلك فهم أحرار في ما يفعلون، يأخذون ويدعون حسبما تهوى نفوسهم، وهكذا كان العرب في الجاهلية، لديهم فضائل، وعندهم منكرات، ويعترفون بالله، ويعبدون الأوثان تقربًا له، صورة من صور العقائد المشوهة، وصورة من صور الجاهلية وتفكيرها في هذه السورة، أنزلها الله لكي نتملاها، ونتعرف إلى أخواتها، ونتحرى في أنفسنا أي أمر يتعلق بمثيلها من الجاهلية، أو يسير مسارها حتى لا نضل ونشقى؛ لأن الله يختم السورة بهذا التميز والمفاصلة التامة الواضحة القاطعة (لكم دينكم ولي دين).
بكل ما لكلمة الدين من معنى الخضوع التام، والدينونة المطلقة والاتباع الكامل، والاستسلام المطلق لله -عز وجل- في كل شأن.
الجاهليون رأوا في ما يعتقدون أن بينهم وبين محمد قربًا، ولهذا لا خير من التسوية والاتفاق على أمر وسط وهكذا اقترحوا.
وكل مناهج الأرض مستعدة للتسويات؛ لأنها خاضعة لقصر التفكير الإنساني والهوى العاطفي، والمصلحة الأرضية، والغاية المحصورة بكل ما لها من صفات القصور والجهل والضعف والهوى، لذلك لا ضير عليها أن تقترح التسويات، وهذه من لوازمها؛ فهي محتاجة وضعيفة، ولكن الله -عز وجل- ومنهجه القويم بريء من القصور والضعف والنقص والهوى، ولذلك لا حاجة لتسويات وتنازلات، دين الله كامل، ومنهجه شامل، وإرادته مطلقة، وعلمه لا يحد، وهو المهيمن على كل شيء، القادر على كل شيء، فإذا ما قبل حملة شرعة التسويات فكأنهم اتهموا شرعته بالقصور، ووصموا منهجه بالضعف، والله -سبحانه- بريء من ذلك، وحاشا لله أن يكون كذلك.
الجاهليون يقترحون أن يتنازل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شيء من منهجه فيعترف بأوثانهم، ويعترفون بإلهه ويعبدونه، ولكن قول الله وإرادته كانت قاطعة؛ لأن في هذا الكفر والضلال.
وكل وثنية وشرك وجاهلية في الأرض تحمل شيئًا من الصواب في بعض الجوانب، فهل في هذا تبرير لنا أن نمشي إليها بأقدامنا، نلتمس رضاها ونسعى لها؟
معاذ الله؛ لأن الوثنيات متعددة الوجوه والأشكال، الجاهلية كانت أوثانًا تعبد، وأضحت أفكارًا تعبد.
كانت أصنامًا يسجد لها، وأصبحت مصالحًا يسجد لها.
كانت صورًا جامدة، وأصبحت صورًا وأشكالًا شتى.
اليوم أضحت الوثنيات متعددة وكثيرة؛ فهي أشد خطرًا، وأكثر تأثيرًا، ولذا أصبحت المفاصلة أكثر ضرورة، وأكثر لزومًا.
والتميز الذي أمرنا به الله -سبحانه وتعالى- في السورة، أضحى اليوم سمة لازمة لكل الدعاة إلى الله؛ حتى يكونوا على الجادة، والتزام السبيل القويم، وربما يشتد البلاء، وتعظم المصيبة، ويزداد الكيد والحرب للمسلمين ولكن البراءة من الشرك هو النجاة والفوز «لكم دينكم ولي دين».
وربما تزداد الصعاب، وتتباعد ساعات النصر الدنيوي، لكن مرضاة الله أولى وأفضل، وطاعته أجدى وأوجب.
إن التميز والمفاصلة كما وضحتها السورة من مقتضيات الدعوة والصبر على الجهاد، ولم يكن لدعوة صلاح أن يعلو شأنها حتى يسقط منها شهداء، ويصاب فيها مجاهد، ويُمتحن الصابرون.
لم يكن لدعوة الله أن تبرأ من الجاهلية إلا حين تخلص العمل والتوجه إلى الله، وترفض كل شيء دون مرضاته، وتعرف أن الأمر كله لله.
وفي كل هذا خير، خير لأن الغاية مرضاة الله -عز وجل-، ومرضاة الله أعظم من نصر يرتجى، وأمل يتحقق، بل هي أعظم من كل الدنيا وشئونها، فهل اقتنع دعاة الإسلام بذلك؟ أم ما زال الغبش يصور لهم مطامع الأرض انتصارًا، ومغريات الانتصار المزيف فوزًا؟ قد يتعبنا المسير، وتخيفنا تكاليف الجهاد، ونضعف عن المحنة، وتستهوينا المغريات، فنرضى بالتسويات التي يدعو لها أرباب العصر، ولكن الله -عز وجل- أعلم بعباده، ولن يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
ودعاة الله هم الصادقون، وقديمًا كان قزمان في النار، وفي كل عصر يسقط في النار من يضله الله على علم.
أما الدعاة فإنهم يمشون في طريق الدعوة على بصيرة، ويعرف أن الفيصل بينهم وبين الجاهلية قوله -تعالى-: «لكم دينكم ولي دين».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل