; مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصرية (7) غاية البؤس: الهروب إلى أوهام المسرح | مجلة المجتمع

العنوان مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصرية (7) غاية البؤس: الهروب إلى أوهام المسرح

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 27-نوفمبر-2010

مشاهدات 53

نشر في العدد 1928

نشر في الصفحة 40

السبت 27-نوفمبر-2010

 رد الدكتور حمادة حسني على مقالاتي فضح دون قصد مكامن ضعف لم تكن واضحة في المشاهد التلفزيونية للمسلسل

لقد ورط د. حمادة نفسه وورط الأستاذ وحيد حامد ورطات فنية أخرى تضاف إلى الورطات التاريخية

كاتب السيناريو هرب من القصة الحقيقية للنظام الخاص وإنصاف المحاكمات له وثنائهـا على غاياته النبيلة في مقاومة المحتل الإنجليزي وخلط جرائم إغتيال الخازندار والنقراشي بالأعمال الفدائي

 ما كتبه الشيخ الغزالي في كتابيه من معالم الحق في كفاحنا و قذائف الحق حقائق يصعب الفرار منها 

مسلسل الجماعة يقدم حالة نموذجية للهروب من حقائق التاريخ إلى خليط من أوهام المسرح، و أوهام السوق بالمعنى الذي قصده ، فرانسيس بيكون

هرب الأستاذ وحيد إلى أوهام السيرك الذي نصبه رفعت السعيد في كتابه عن البنا من كل مواقف وآراء الشيخ بشأن القضية الفلسطينية  

 تزوير فاضح للتاريخ في مشهد يجمع الشيخ رشيد رضا - بعد اتهامه بأخذ نقود من الملك عبد العزيز - بالشيخ البنا رغم أن تلك الحادثة حصلت عام ١٩٢٧ م أي قبل تأسيس جماعة الإخوان بسنة كاملة

كان حريا بالدكتور حمادة أن يحدثنا عن عدد صفحات التقرير الذي كتبه بعد مراجعته التاريخية للسيناريو وأمثلة لبعض تصويباته

الكاتب لم يأت بمشهد واحد الأربعين ألفًا من جوالة الجماعة قاموا بأعمال الإسعاف والإنقاذ في مختلف أنحاء مصر إبان انتشار وباء الكوليرا عام ١٩٤٧

١٩٢٧م أي قبل أن يؤسس الشيخ البنا جماعته بسنة كاملة -  نشرت صحيفة الشروق في عددها الصادر بتاريخ  ١٣»/١٠/٢٠١٠م« مقالة تحت عنوان: حمادة حسني يرد على إبراهيم البيومي غانم خليفة البنا كان ماسونيا ... وقد كتبت ردًا على ما جاء في مقالة د. حمادة، وأرسلته بتاريخ » ١٠/١٠/١٧٢٠م« إلى الصحيفة منوهًا بالنشر عملًا بحق الرد الذي كفله القانون.. وبعد تسويف، وتأجيل أكثر من مرة رأت الجريدة أن عدم نشر ردي هو في مصلحتها ، وربما في مصلحة كل من وحيد حامد، ود. حمادة حسني، أو هكذا تبين لي.. ومع اعترافنا بشجاعة الشروق في نشر أربع مقالات متوالية كتبتها في نقد مسلسل الجماعة، وكان ذلك في مصلحة القارئ الباحث عن الحقيقة، فقد رأيت أن من مصلحة القارئ أيضًا أن ننشر هذا الرد الذي رأت الشروق عدم نشره.. وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر.

قرأت المقالة التي نشرتها صحيفة الشروق بعنوان: «حمادة حسني يرد على إبراهيم البيومي غانم«  ولما عرفت أن كاتبها هو الذي قام بالمراجعة التاريخية لمسلسل الجماعة أدركت ما لم أكن قد أدركته من قبل بشأن كثرة أخطاء المسلسل في تناوله للوقائع التاريخية، وأدركت أيضًا أنه لا تثريب على مبدعنا وحيد حامد بمفرده بل له شركاء فيما حشي به مسلسله من مغالطات لا يصح أن تفوت على من لديه قدر من الموضوعية والصرامة المنهجية في البحث عن الحقيقة التاريخية كما ولدتها الليالي الخوالي.

مكامن ضعف

استغرق د. حمادة حوالي نصف مقالته إلا قليلًا في الحديث عن الكتابة الإبداعية وعلاقتها بالتاريخ والدراما وراح يمتدح الأستاذ وحيد حامد، ويرد علينا بالنيابة عنه- ما علينا - ويبالغ في هذا وذاك إلى الحد الذي يحرجهما معًا، ويفضح - دون قصد طبعًا - مكامن ضعف لم تكن واضحة في المشاهد التلفزيونية للمسلسل، ومن ذلك مثلا : قول د. حمادة إن الأستاذ وحيد حامد أكد أنه لم يضع سقفًا أعلى للرقابة بمختلف أنواعها أثناء الكتابة، وأنه كان متحمسًا للكشف عن الحقيقة الغائبة. 

ومثل هذا الكلام يبدو من قبيل اللامعقول لأنه يوهم أن الرقابة بمختلف أنواعها بيد الكاتب !! فهل هذا معقول ؟! أترك الإجابة للقارئ الكريم، ودعك من حكاية التحمس للكشف عن الحقيقة الغائبة إذ لا نملك وسيلة للتأكد من وجود هذه  »الحماسة». ولكننا نملك أدلة كثيرة على أن الحماسة كانت للقفز على وقائع التاريخ، والهروب من وثائقه إلى خليط من أوهام المسرح و أوهام السوق بالمعنى الذي قصده فرانسيس بيكون وهو يتحدث قبل حوالي أربعمائة سنة عن أربعة أنواع من الأوهام التي تقيد العقل وتحجبه عن رؤية الحقائق 

أولها : أوهام الجماعة الأولية: القبيلة أو العشيرة أو الطائفة وهي أوهام تتجلى في نزعة التعميم دون الالتفات إلى الاستثناءات والحالات المخالفة.

وثانيها: أوهام الكهف: وهي تصدر من الطبيعة الفردية لكل شخص حيث يحب أن يرى الآخرون العالم كما يراه هو حتى لو كان مغايرا للحقيقة الواقعية.

وثالثها: أوهام المسرح: وهي التي تنشأ عن الاستكانة لمذاهب فكرية، أو تنشأ نتيجة للتأثر بأشخاص ذوي نفوذ أو سلطة معرفية أو قمعية، وبموجبها تنتقل روايات زائفة من جيل إلى جيل، ومن شأنها أن تقيد العقل، فإذا صادف العقل أمثلة كثيرة على بطلانها، فإنه إما أن يهملها أو يحقر من شأنها، أو يرفضها في تعصب ذميم. والنوع الرابع هو أوهام السوق.

وهي تنشأ من الاستخدام العامي للألفاظ وتداولها بعقلية السوق، ومن ثم تتكون معانيها طبقًا للحاجات العملية بغض النظر عن مطابقتها لأصلها، فتسيطر على تصورنا وتعطل العقل عن التفكير

خليط من الأوهام

مسلسل الجماعة، يقدم حالة نموذجية للهروب من حقائق التاريخ إلى خليط من أوهام المسرح، وأوهام السوق بالمعنى الذي قصده فرانسيس بيكون على هذا النحو ومن ذلك مثلا: قول د. حمادة كان لي شرف مراجعته مسلسل الجماعة تاريخيًا، فحرصت على إعادة قراءة السيناريو ( ۱۲٠٠) ورقة أكثر من مرة وهذا القول من أوهام السوق فنصوص السيناريوهات غير المطبوعة في صورة كتاب تكون مكتوبة على أحد وجهي الورقة، ويسمى «صفحة»، ثم إن هذا العدد من الصفحات يوهم بضخامة حجم مادة السيناريو، وهي قد تكون ضخمة فعلًا بمعايير كتابة سيناريوهات الأفلام والمسلسلات، ولكنها ليست كذلك بمعايير الكتابة البحثية أو الأكاديمية التي ةيعرفها الباحثون والأكاديميون. 

صفحة الكتابة البحثية أو الأكاديمية تتضمن في المتوسط( ٢٥٠ )كلمة ومعنى هذا أننا لو ذهبنا وراء وهم السوق عن السيناريو ( ۱۲۰۰) صفحة لكان المطلوب قراته ومراجعته تاريخيا هو ٣٠٠,٠٠٠  »ثلاثمائة ألف كلمة«، ولكن هذا وهم محض لأن عدد كلمات صفحة السيناريو - في الغالب الأعم - ما بين ٥٠ إلى ١٠٠ كلمة على الأكثر أي بمتوسط ۷۰كلمة، أي ۷۰×۱۲۰۰ ٢٤,٠٠٠ كلمة هي إجمالي كلمات سيناريو الجماعة - بحساب أن صفحاته ۱۲۰۰ كما ذكر د. حمادة - يعني أنه في حجم كتاب من 100 صفحة من القطع المتوسط، نقول ۱۵۰ صفحة تحت العجز والزيادة. 

هذا إذا كتب بنمط كتابة السيناريو على صفحة مقسومة طوليًا ثلثان لجهة اليمين وثلث لجهة اليسار، مع تقسيمات توضح المكان داخلي وخارجي والزمان» ليل ونهار«..

إلخ، أو أخذنا بنمط كتابته بطريقة أخرى تحتوي على تلك المكونات مع بعض الإختلافات في تنظيم الصفحة وترتيب تفاصيل المشهد ... إلخ.

وفي كل الأحوال فالسيناريو هو وصف باللغة لما سينفذ بالصورة والحركة في العمل الفني.

تصويبات تاريخية

بدلًا من أن يحدثنا د. حمادة عن قراءته لـ (۱۲۰۰) ورقة صفحة، وبدلًا من حديثه عن متابعته للمسلسل بتفاعل أكثر وألذ كما قال: كان حريًا به أن يحدثنا عن عدد صفحات التقرير الذي كتبه بعد مراجعته التاريخية للسيناريو - ومن المفترض أنه سلمه للجهة المنتجة، ومنها لكاتب السيناريو، ولو أنه ضرب لنا مثلًا أو مثلين على تصويبات تاريخية، أوصى بها في هذا التقرير لكان أكثر فائدة، ولبرهن على حرص الأستاذ وحيد وتحمسه للكشف عن الحقيقة الغائبة، كما قال مادحًا إياه ولكنه فضل الإنتقال من أوهام السوق إلى أوهام المسرح حيث الإستكانة لتأثير الشخص لا الفكرة، ولا الحقيقة.. ولو أنه شرح لنا - وهو الباحث في التاريخ - لماذا أغفل السيناريو وقائع تاريخية مهمة مثل: المؤتمرات الدورية للجماعة، وخاصة من سنة ١٩٣٣م إلى ١٩٣٦م، ولماذا اختلق بعضها الآخر مثل ما حدث مع شخصية الشيخ طنطاوي جوهري، ووضع عبارة السياسة تفسد الدين والدين يفسد السياسة على لسانه، وتكرارها أكثر من مرة في المسلسل وهو بريء منها، وغير ذلك مما سنذكر مزيدًا منه بعد قليل.

أوهام المسرح، بلغت قمتها بالإمتثال للتزوير المباشر الفاضح للتاريخ فيما جاء بالمسلسل في مشهد يظهر فيه الشيخ رشيد رضا مستاء ولا يدري ما يفعل إزاء قسوة الهجوم عليه، وإتهامه بأنه أخذ نقودًا من الملك عبد العزيز بن سعود فإذا بالشيخ البنا - في المشهد نفسه - يشير عليه بحل ماكر يخرجه من تلك الورطة فيبش وجه الشيخ رشيد له، وينتهي المشهد. 

والصورة تجمع الشيخ رشيد ومحب الدين الخطيب والبنا، وفي ذهن المشاهد أنه أمام مجموعة من النصابين والمحتالين لا من الدعاة أو المشايخ المصلحين عرض المسلسل هذه الواقعة، في سياق أنها في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي بينما الحقيقة المسجلة في وثائق تلك المرحلة تقول: إن الجدل حول اتهام الشيخ رشيد رضا بتقاضي أموال من الملك عبد العزيز بن سعود كان قد انتهى برمته سنة الإتهامات جرت أصلًا في سنة ١٩٢٦م وما قبلها. 

وأن الشيخ رشيد رضا يرحمه الله - وليس أحدًا غيره - هو الذي رد على تلك الاتهامات في مقالات مطولة نشرها على صفحات مجلته «المنار» (عدد مارس ۱۹۲۷م، فاتحة المجلد ۲۸ الجزء الأول من صا إلى ص وعدد أغسطس ۱۹۲۷م الجزء السادس من ص ٤٦٥ إلى ٤٧٣. وفي سنة ١٩٢٧م لم يكن البنا أسس الجماعة، ولا أصبح مرشدًا عامًا، ولا شيئًا من كل هذا، فيم نسمي ما فعله كاتب السيناريو ؟!

ورطات فنية

د. حمادة في رده على مقالتي ورط نفسه وورط الأستاذ وحيد حامد ورطات فنية أخرى تضاف إلى الورطات التاريخية التي أشرنا النماذج منها، وفيها مزيج من أوهام المسرح وأوهام السوق، معًا، فهو قال: إن وحيد حامد فضل أن يكتب دراما تاريخية مباشرة، ولم يقم بتمرير الأحداث التاريخية في إطار اجتماعي، كما يحدث في بعض الأعمال التاريخية ..... وهذه عبارة تستعصي على المنطق وتقترب من الوهم البيكوني بنوعيه وهم المسرح ووهم السوق بقدر ابتعادها عن أصول فن الدراما التاريخية، وإلا فكيف تكون الدراما التاريخية دون تمرير الأحداث التاريخية في إطار اجتماعي ؟!

ورط د حمادة نفسه في خليط من أوهام المسرح والسوق أيضًا عندما وصف المسلسل بأنه يكاد يكون سيرة ذاتية للشيخ البناء أكثر من كونه سردًا لتاريخ الجماعة وثمة فرق أساسي بين المعنى الاصطلاحي للسيرة والسيرة Auto Biography الذاتية الحياتية Biographyوهو أن السيرة الذاتية يقوم صاحبها بكتابة وقائعها وربما بتحليلها بإرادته هو بينما السيرة الحياتية يقوم بكتابتها آخر أو آخرون اعتمادًا على المصادر المتاحة، بما فيها السيرة الذاتية للشخص محل الاهتمام، وببيان هذا الفرق تتضح شدة وطأة أوهام السوق والمسرح عندما تمتزج معًا، وهو ما تكرر مرة أخرى في التعميم الكاسح الذي مارسه د. حمادة في مقالته، ومن ذلك قوله: وصار مسلسل الجماعة، هو المرجع الأول الآن المعلومات الناس عن تاريخ الجماعة وتاريخ مؤسسها ورجالها ... وصار هذا العمل الدرامي هو الصورة الأولى الأكثر ثباتًا وقوة ..... ونحن نتساءل: ما دليلك العلمي / الميداني على صدق هذه التعميمات؟ ومن أين عرفت - مثلا - أنه أصبح الصورة الأولى الأكثر ثباتًا وقوة؟ ألا ترى أن كل تعميم كاسح هو بالضرورة كسيح ؟!

زيارة وزراء الوفد

في قسم ثان من مقالته تناول د. حمادة واقعة زيارة عدد من وزراء «الوفد» للمركز العام للإخوان المسلمين في يونيو سنة ١٩٤٣م.

وراح يدلي برأيه في مغزى تلك الزيارة مؤكدًا أنها كانت نتيجة خشية النحاس باشا من أن يؤيد الإخوان مكرم عبيد ويتضامنوا معه مستغلين الكتاب الأسود الذي كان قد أصدره، ومن ثم فالزيارة لا دلالة لها على إنفتاح «الوفد»، ولا إحترامه لخصومه السياسيين، كما أكدنا نحن في مقالنا به الشروق » ٥/١٠/٢٠١٠م«، ولسنا نناقش دلالات الزيارة التي يمكن أن تتعدد وجهات النظر بشأنها، وإنما كان سؤالنا في مقالنا هو: هل ثمة ضرورة فنية درامية لحذف مشهد زيارة رجال الوفد، ووزرائه للمركز العام للإخوان؟ هذا ما تساءلنا عنه، ولم يقدم المراجع التاريخي - في رده بالنيابة عن السيناريست - تفسيرًا لتجاوز هذه الواقعة أيًا كانت الأسباب التي يقتنع هو بأنها كانت وراءها . 

الهروب من وقائع التاريخ إلى أوهام المسرح، وأوهام السوق .. تكرر عديدًا من المرات في سيناريو المسلسل، ولا حسن ولا خبر للمراجعة التاريخية ومن ذلك أن كاتب السيناريو هرب من القصة الحقيقية للنظام الخاص، وهرب من وثائق المحاكمات وخصوصًا في قضية السيارة الجيب. 

وأحكام القضاء التي أنصفت النظام وأثنت على غاياته النبيلة في مقاومة المحتل الإنجليزي، وميزت بين الأخطاء الفردية العناصر من النظام، والتي هي جرائم لا يمكن الدفاع عنها، وبين سلامة التوجه العام له في مناواته للاحتلال الإنجليزي والخطر الصهيوني، وهو عمل وطني يبعث على الفخر.. وهرب من شهادات القادة البواسل للجيش المصري في حرب فلسطين أمام المحكمة  » اللواء صادق واللواء المواوي« وإنصافهم للمتهمين من الجماعة، وخلط جرائم اغتيال الخازنداره و النقراشي بالأعمال الفدائية ضد المصالح الإنجليزية والصهيونية، وهرب من حقائق التاريخ أيضًا عندما اكتفى بتصوير طوابير جوالة الإخوان بالصوت والصورة وهم يتدربون تدريبات عنيفة دون أن يأتي بمشهد واحد الأربعين ألف جوال للجماعة، كانوا موزعين على ١٥٠٠ شعبة، وقاموا بأعمال الإسعاف والإنقاذ في مختلف أنحاء مصر إبان انتشار وباء الكوليراء سنة ١٩٤٧م: هذا الوباء الذي راح ضحيته ۱۰,۰۰۰ مصري غرقى القيء والدم بحسب إحصاءات وزارة الصحة آنذاك، وكان عدد الضحايا سيتضاعف لولا جهود جوالة الجماعة بحسب بيان رسمي لوزير الصحة آنذاك نجيب اسكندر الذي أثنى على جوالة الجماعة، ونوه إلى جهودهم في التبليغ عن الإصابات وتنظيف القرى والأحياء السكنية في المدن ومحاصرة القرى الموبوءة المنع انتشار المرض، وتطهير المنازل .

القضية الفلسطينية

هرب الأستاذ وحيد حامد أيضًا إلى أوهام المسرح - أو بالأصح إلى أوهام السيرك الذي نصبه رفعت السعيد في كتابه عن البنا - من كل مواقف وآراء الشيخ بشأن القضية الفلسطينية، ومنها رفض الهجرة اليهودية إبان الحرب العالمية الثانية والتنديد بقرار التقسيم سنة ١٩٤٧م. 

والاشتراك في حرب فلسطين، ورفض قرارات الهدنة الأولى، ثم الثانية، وعشرات البرقيات التي أرسلها للرؤساء والمسؤولين في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، والأمم المتحدة والجامعة العربية .... إلخ.

كما هرب من كل مواقف الشيخ وجماعته من القضية الوطنية إلى أوهام المسرح / السيرك نفسه، فلم يأت على شيء مما سجلته وثائق تلك المرحلة ومصادرها المعتمدة منذ الاعتراض على معاهدة ١٩٣٦م والمطالبة بإلغائها، مرورًا باعتراضهم على المفاوضات الثنائية مع بريطانيا وتأييدهم للذهاب إلى مجلس الأمن في عهد «النقراشي». 

كما لم يقدم للمشاهدين في المسلسل فكرة عن علاقة الشيخ البنا مع عدد من كبار مثقفي العهد الملكي أمثال: طه حسين ومحمد حسين هيكل، وأحمد حسن الزيات، وأحمد أمين وعباس العقاد... إلخ. 

وقفز المسلسل - في غيبة من المراجعة التاريخية أو في حضورها على موقف الشيخ وجماعته المتقدم للغاية بمعايير هذه الأيام من الأقباط والأجانب غير المسلمين عمومًا، ولم يأت بكلمة عن حوارات الشيخ مع آباء الكنيسة الأرثوذكسية  »سرجيوس ومن بعده يوساب»، وعدد آخر من كبار رجال المجلس الملي مثل: إبراهيم باشا المنياوي، وغير ذلك من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والبرامج التفصيلية التي تقدم بها الشيخ تباعًا لإصلاح الأوضاع العامة في مصر نظام التعليم، ونظام القضاء، ونظام الملكية، والنظام السياسي برمته.

لا يشفع له ...مسؤولية السيناريست أصيلة وكاملة عن إسقاط هذه الوقائع وغيرها.

ولا يشفع له أن المراجعة التاريخية أجازت ما فعل، ودخلت معه في أوهام المسرح وأوهام السوق. 

ومن الغريب أن يتحدث د. حمادة في فقرات مطولة من مقالته عن رواية سماعية للشيخ الغزالي قال فيها: إنه سمع كلامًا كثيرًا عن انتساب عدد من الماسون بينهم الأستاذ حسن الهضيبي.. ثم يقيم مناحة طويلة عريضة على هذه الرواية السماعية. التي حذفها الشيخ الغزالي نفسه. 

والأغرب أن يستكين د حمادة تمامًا لهذه الرواية، مفضلًا البقاء في مزيج من الأوهام الأربعة المسرح، والسوق، والكهف والقبيلة والثابت أن الشيخ الغزالي تنصل منها بعد ذلك !! وباتت هذه قصة مثل قصص ألف ليلة وليلة، أو من مسرح اللامعقول ودهشت لحشرها في رد د. حمادة دون مناسبة، فلا وحيد حامد تحدث عنها، ولا نحن تطرقنا إليها !! وتعجبت كثيرًا من قوله: إنها ليست ملكًا للشيخ الغزالي الآن، وليست ملكًا لأسرته ولكنها ملك لهذا الشعب أي ملكية هذه؟ أليس للشعب ملكيات أخرى أكثر أهمية تنشغل جميعًا بالبحث عنها بدلًا من مثل هذه الملكيات - إن صحت تسميتها بذلك التي لا تغني ولا تسمن من جوع ؟

للحقيقة والتاريخ

وللحقيقة والتاريخ، فإن الشيخ الغزالي لم يكتف فقط بحذف تلك الرواية في الطبعات التالية من كتابه: من معالم الحق في كفاحنا ..... بل اعتذر بشكل أعمق وأكثر تأثيرًا في كتابه «قذائف الحق«  الطبعة الثانية الصادرة سنة ١٩٧٦م، ففيه تحدث في ص ۱۰۸وص ۱۰۹عن حسن الهضيبي بمناسبة وفاته، ووصيته بأن يدفن في مقابر الصدقة بلا إعلان ولا مواكب وبعد أن عبر الشيخ الغزالي عن دهشته من هذه الوصية بالدفن في مقابر الصدقة قال: إنني أعرف حسن الهضيبي، وقد أصلحت ما بيني وبينه قبل أن يموت بنحو عامين... وفي نفس هذا الرجل ترفع وأنفة لا يتكلفهما ... كان مستشارًا راسخ المكانة رفيع الهامة لو اشتغل بمهاجمة الشريعة الإسلامية لنال جائزة الدولة التشجيعية ولو خدم الغزو الثقافي لعاش في شيخوخته موقور الراحة لكنه خدم الإسلام فتجرع الصاب والعلقم، أظن أن هذه هي الحقيقة بلسان الشيخ الغزالي، ولسنا بحاجة إلى الدخول في عوالم الأوهام فنتمسك بعبارة أقلع عنها وحذفها من كتابه القديم وأثبت عكسها في كتاب آخر هو قذائف الحق.. هذه حقائق يصعب الفرار منها وقليل من القراءة يغني عن كثير من اللغط.. وعمومًا ستظل الحقيقة بنت البحث، لا بنت أوهام السوق ولا بنت أوهام المسرح.

هذا ما تبين لي بعد البحث والنظر، والله تعالى أعلى وأعلم.

الرابط المختصر :