العنوان «صناعة» جماعات العنف في جنوب شرق آسيا
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 69
نشر في العدد 1530
نشر في الصفحة 31
السبت 14-ديسمبر-2002
غامضة كانفجارات بالي ويتحالف الأمن والإعلام في الإعلان عنها
- جماعات لم يسمع بها أحد من قبل وتهم بالجملة واعتقالات وفق قوانين استثنائية كل من زار باكستان أو أفغانستان أو تحدث عن الجهاد فهو إرهابي تابع لتنظيم القاعدة
- جماعات لم يسمع بها أحد من قبل ... وتهم بالجملة واعتقالات وفق قوانين استثنائية
- كل من زار باكستان أو أفغانستان أو تحدث عن الجهاد فهو إرهابي تابع لتنظيم القاعدة
في ظل أجواء الغموض التي تكتنف التحقيقات بشأن تفجيرات بالي التي وقعت في الثاني عشر من أكتوبر الماضي في إندونيسيا فإن التقارير الرسمية والإعلامية بشأن مخططات مزعومة لمجموعات غامضة في جنوب شرق آسيا صارت سمة من سمات الساحة السياسية منذ أواسط عام 2001م الماضي والتي اتضحت أكثر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وتزايدت أحاديث الرسميين عن هذا الشأن في ماليزيا وسنغافورة والفلبين.
آخر التطورات في هذا الملف في ماليزيا ما حدث لصاحب أعمال تجارية صغيرة يدعى نصر الدين ناصر (45 عامًا) الذي اعتقل مع 13 آخرين بتهمة التورط في أعمال إرهابية في أبريل 2002م الماضي، لكن محكمة مدينة شاه علم العليا بالقرب من العاصمة الماليزية برأته وأمرت بإطلاق سراحه يوم 8/11/2002م بعد فشل الشرطة في تقديم أدلة ضده، وقال القاضي صوريادي حليم عمر بأن القرار الوزاري باعتقال نصر الدين ليس قانونيًّا وبثت القنوات التلفازية الماليزية ذلك ليلاً، مما اعتبر انتصارًا للقضاء، ولكن في اليوم التالي وبعد أن أطلق سراحه لمدة 10 دقائق، فوجئ محاموه وأهله بأن رجال الأمن عادوا لأخذه من أيديهم ليسجن لمدة عامين آخرين بطائلة المادة الثامنة - 1 من قانون الأمن الداخلي.
هذه الحالة أعادت الأنظار من جديد إلى التساؤل عما يحدث وعن السبب الحقيقي لسجنه، وانتقدت الحركة من أجل إلغاء قانون الأمن الداخلي استغلال الحكومة لهذا القانون الذي صار بذلك مقدمًا على القضاء، كما أعادت الأنظار إلى حقيقة الأسماء التي أعلنتها حكومتا ماليزيا وسنغافورة ثم صارت على لسان حكومات دول أخرى حتى وصلت إلى الأمم المتحدة بدءًا من (كي إم إم) وهي «مجموعة مجاهدي ماليزيا» أو «مجموعة مسلحي ماليزيا»، وما تسمى بـ «الجماعة الإسلامية» الآسيوية التي ما تزال إندونيسيا تنكر وجودها في أراضيها ولا يعرف لها هيكل محدد ولا تنظیم معروف ولا منهج معلن من قبل من هم متهمون بتأسيسها.
بل إن الوزير في مكتب رئيس الوزراء للشؤون القانونية د. رئيس يتيم قال يوم 11/9 الجاري -تعليقًا على الحكم القانوني بتبرئة نصر الدين- إن حكومته ستسعى لتشديد قانون الأمن الداخلي حتى لا يبقى هناك مفر قانوني للمسجونين بتهمة أمنية، مشيرًا إلى عزم الحكومة على تعديل القانون الذي مرر برلمانيًّا في عام 1960م، واستلهم من قانون بريطاني مماثل استخدمه المستعمر البريطاني في ملاحقة وكبح انتشار المد الشيوعي قبل استقلال ماليزيا وسنغافورة، واستخدمته حكومتا الدولتين بعد الاستقلال.
اعتقالات سابقة
قبل ذلك كانت الشرطة الماليزية قد أعلنت أنها ألقت القبض على أحد أبرز قادة ما سمي به مجموعة مجاهدي ماليزيا يوم 27/9/2002م بتهمة تلقيه تدريبات في أفغانستان وأنه على علاقة بشبكة دولية، فيما أعلنت عن بحثها عن 8 آخرين كشفت عن هوياتهم واتهمهم رئيس الشرطة نورعين ماي بارتباطهم فيما عرف على لسان الحكومة السنغافورية بالجماعة الإسلامية في سنغافورة والتي تتهم هي الأخرى بارتباطها بتنظيم القاعدة وكان المقبوض عليه في تلك المرة هو وان مين وان مات (٤٢ عامًا) أستاذ جامعي سابق في الجامعة التكنولوجية وقد استخدمت صلاحيات قانون الأمن الداخلي لاعتقاله، وهو يحمل شهادة الماجستير في العلوم من جامعة مانشستر، واعتبرته الحكومة الماليزية متهمًا رئيسًا وزعيمًا لمجموعة مجاهدي ماليزيا في ولاية جوهور بعد تلقيه تدريبات في جنوب الفلبين عام 1996م وفي أفغانستان عام 2000م.
ولأول مرة تستخدم ماليزيا أسلوب عرض جوائز قدرها 50 ألف رنجكت ماليزي (13) ألف دولار) لمن يدلي بمعلومات عن كل واحد من الملاحقين تساعد على اعتقالهم ممن تعتقد السلطات أنهم هربوا إلى تايلاند أو إندونيسيا أو سنغافورة والذين كانوا يزاولون وظائف مهمة ما بين دينية وتجارية وأكاديمية وهندسية، وتتراوح أعمارهم ما بين 33 و 54 عامًا.
ومع أن الحكومة الماليزية قد اعتقلت العشرات حتى الآن بتهمة الانضمام لتنظيمات إسلامية متشددة، كما تعلن أنها لا تزال تبحث عن 100 آخرين على الأقل فإنها لم تعلن إلا عن 8 من هويات الملاحقين، كما لا يزال الخلاف دائرًا في أوساط السلطات الإندونيسية بتهم توجهها السلطات الماليزية والسنغافورية بأن رضوان عصام الدين حنبلي المطارد الأول في المنطقة وأبو بكر باعشير (أمير) مجلس مجاهدي إندونيسيا هما وراء تشكيل خلايا ما يعرف بتنظيمي جماعة مجاهدي ماليزيا والجماعة الإسلامية في سنغافورة.
شهادات منسية للمتهمين
وكانت اللجنة الماليزية الوطنية لحقوق الإنسان شبه الرسمية قد استجوبت 8 من المعتقلين بطائلة قانون الأمن الداخلي خلال الـ 15 شهرًا الماضية غير أن شهاداتهم لم تنشر إلا من قبل عدد قليل من وسائل الإعلام المستقلة والمعارضة.
ومن هؤلاء عبد الله داود (48 عامًا) الأستاذ الجامعي والمسجون بتهمة الانضمام الجماعة مجاهدي ماليزيا الذي أدلى بشهادته أمام اللجنة مؤكدًا عدم وجود هذه الجماعة في الأصل، ومشيرًا إلى أنه في الشهرين الأولين لاعتقاله لم تشهد التحقيقات معه أي ذكر لهذه الجماعة، رغم أن الحكومة أعلنت أنه من المتهمين بالانضمام لها واعتقل لهذا السبب يوم 1/3/2002م.
لكن عبد الله داود أقر في الوقت نفسه بانضمامه لما يعرف بالجماعة الإسلامية، منكرًا أن تكون جماعة إرهابية أو تتبع العنف في منهجها، ومؤكدًا أنها جماعة دينية تقوم على البرامج التعليمية والوعظية وفق منهج القرآن والسنة، ومسجلة رسميًّا، حسب قوله.
وكما يقول المراقبون فإن مما ساعد على اتهام الحكومة لهم بتشكيل تنظيم متشدد اعتراف بعضهم ومنهم عبد الله داود بذهابه بالفعل إلى أفغانستان وجنوب الفلبين، وهو ما اعترف به محمد صالح المعلم الشرعي الذي قال بأنه كان موجودًا في أفغانستان ما بين عامي 1992 و1997م لكنه أنكر في الوقت نفسه أن يكون منضمًا لجماعة تعمل على قلب نظام الحكم، كما أن آخرين مثل رجل الأعمال عبد الله مينياك سليم كان طالبًا في باكستان في عام 1992م، ورغم إنكاره الانضمام إلى أي تنظيم لكنه لا يزال معتقلاً وقال: «لقد هددوني إن لم أعترف - بالإكراه - بانضمامي لجماعة مجاهدي ماليزيا بأن يعتقلوا زوجتي ويرسلوا أبنائي لدار الأيتام».
ولم ينس المتهمون أن يحاكموا في شهاداتهم وسائل الإعلام الرئيسة ووكالات الأنباء التي اهتمت بقضيتهم، متهمين إياها بقلب الحقائق وعدم إيصال الصورة الصحيحة إلى الجماهير، بما في ذلك اتهام بعضهم بمحاولة انقلابية عسكرية واتهام آخرين باغتيال عضو برلمان محلي غير مسلم، وقال السجين تاج الدين أبو بكر إن على وسائل الإعلام الماليزية أن توضح للناس أنني لست عضوًا في أية جماعة جهادية؛ فأنا أحمل عضوية جمعية الطلبة الماليزيين في باكستان والهند دون غيرها، وإنني أنكر بشدة أننا حاولنا قلب نظام الحكم».
تنظيم غامض
يذكر أنه لم يسمع الشعب الماليزي عن اسم جماعة مجاهدي ماليزيا إلا ابتداء من 18/5/2001م بتهمة السطو على بنك ثم توزيع دائرة الاعتقالات لتشمل محمد عدلي ابن مرشد الحزب الإسلامي المعارض ورئيس وزراء ولاية كلامنتان الشمالية، كما أن شخصيات عديدة عبرت عن تساؤلاتها بشأن وجود هذه الجماعة وحقيقتها إن وجدت، ومن هؤلاء محام عن أحد المتهمين الذي تقدم في 9/1/2002م بمرافعة أمام المحكمة العليا في كوالالمبور أكد فيها أنه «لا يعلم أحد ماذا تعني جماعة مجاهدي ماليزيا وليس هناك أدلة متوافرة أمام هذه المحكمة تشير أو تؤكد وجود هذا التنظيم من الأفراد»، وقد طالب المحامي رانجيت سينغ بإحضار المتهمين المحتجزين بتهم أمنية أمام المحاكم، مشيرًا إلى أن قانون الأمن الداخلي قد وضع لمواجهة الخطر الشيوعي الذي كان متمثلاً في تنظيم شيوعي يهدد الأمن الماليزي فعلاً.
ظاهرة الجماعات الغامضة... الرواية الرسمية
وحول الجماعات المسلحة في ماليزيا التي ظهر فيها الكثير من الأسماء الغامضة يقول وزير الداخلية الماليزي «عبد الله بدوي»، في تصريح سابق إنه تم الكشف عن أكثر من 10 مجموعات تأسست سرًا للعمل على إسقاط نظام الحكم منذ 34 عامًا، وأبرزها تنتارا سبيل الله (1967م) المجموعة الروحانية (1974م)، مجموعة محمد ناصر إسماعيل (1980م)، مجموعة جند الله (1987م)، ومجموعة المعونة (2000م) - وهو الاسم الماليزي الوحيد في القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية - ثم جاء إعلان وجود مجموعة مجاهدي ماليزيا، وذلك قبل أحداث 11 سبتمبر التي تقول الحكومة بأنها ظهرت استمرارًا لمجموعة مجاهدي قدح، ومجموعة بيراق للكفاح الإسلامي اللتين تأسستا عام 1988م، وأن أفرادها دربوا على يد طالبان والقاعدة.
وتتهم الحكومة زينون أحمد أحد الذي جاهد مع الأفغان ضد السوفييت - وهو من مجموعة قدح- بتأسيسها في 12/10/1995م، حسبما قال وزير الداخلية الماليزي، غير أن مسؤولاً آخر في وزارته قال بأنها تأسست في عام 1992م.
وكانت الفترة ما بين يونيو وأغسطس 2001م قد شهدت تسليطًا رسميًّا للأضواء على هذا الأمر، وكان أول معتقل من مجموعة مجاهدي ماليزيا في 2/8/2001م وفي شهري ديسمبر 2001م ويناير 2002م، اعتقل آخرون واتهموا بالتدبير لإعلان الجهاد في ماليزيا، وإسقاط نظام الحكم، وأنهم ينسقون في عملهم مع نظرائهم في إندونيسيا والفلبين، وذكر رئيس الوزراء الماليزي د محاضير محمد في حينها أن هناك 50 ماليزيًّا مرتبطًا بالقاعدة، اعتقل بعضهم، ولم يزل البحث عن الآخرين جاريًا، ولا يعرف هل هؤلاء الخمسون أعضاء مجموعة مجاهدي ماليزيا أم غيرهم كما أعلنت حكومة ولاية سلانجور تعيينها لأفراد، وظيفتهم اختراق 35 جماعة تتهم بالانحراف وأعمال العنف.
وقد طالبت جهات كثيرة الحكومة بالكشف عن تفاصيل حقيقة مجموعة مجاهدي ماليزيا، لكن الحكومة لم تصدر بيانًا يفصل ذلك للبرلمان كما وعدت، وتساءل الحزب الديمقراطي الماليزي المعارض عن إمكان وجود روابط حقيقة لتنظيم بن لادن مع الماليزيين، وإمكان تغلغل القاعدة في الشأن الداخلي الماليزي، كاغتيال عضو مجلس تشريعي محلي من أصل هندي في نوفمبر 2000م، ولذلك دعا ليم مبكرًا الحكومة إلى تأسيس مجلس استشاري وطني حول الإرهاب يمثل الجهات الرسمية والشعبية والدينية للوقوف على هذا الأمر بوضوح وحماية ديمقراطية ماليزيا، ويعود ذلك إلى أن تصديق الجماهير الحقيقة هذه الضجة يظل صعبًا، لكن الشارع يبتعد غالبًا عن الحديث عن ذلك حتى لا يتهم بأنه يكذب الرواية الرسمية، فيما وصف المرشد العام للحزب الإسلامي وحاكم ولاية كلامنتان الاعتقالات بأنها «سياسية الهدف»، خاصة وأن بعض المعتقلين من حزبه.