العنوان عُلماء الإسلام كما يجب
الكاتب عبد العزيز البدري
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1979
مشاهدات 68
نشر في العدد 440
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 10-أبريل-1979
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوة الإسلام، حتى قيام الساعة.
حفلت الدولة الإسلامية في تاريخها الطويل بمآثر جليلة سجلها العلماء في مواقفهم الخالدة والفذة مع الحكام، تلك المواقف التي اتسمت بالصدق والجرأة، والإخلاص لله ولدينه الحنيف، فكانوا نجومًا وضاءة يهتدي بها الحكام والمحكومون في ظلمات الحياة.
لقد أظهر العلماء في تلك العصور عزة الإسلام، وأبانوا فيها حقيقة الشريعة الإسلامية الغراء، صافية نقية، مكينة في صلابة موقفها من الحكام المنحرفين عنها ولو قيد أنملة، وفي معالجتها لجميع شؤون الدولة التي يرأسها الحكام، ويخضع لسلطانها المحكومون، كاشفين للعالم أجمع أثر صلابة الإيمان بالشريعة الغراء في النوازل والخطوب، متحملين بصبر وشجاعة ما ينتج عن الجهر بكلمة الحق عند سلطان جائر، غير هيابين سلطان الحاكم، ولا قوة الدولة، ولا صولة الجند...
ولا غرابة في ذلك؛ فهم أهل لهذه المواقف؛ لأنهم حملة لواء الشريعة الإسلامية الحقيقيون.
إن الحكام الظالمين الذين تولوا أمر الإسلام حينًا من الدهر، لم يستطيعوا البتة تسخير العلماء الأبرار؛ لتنفيذ أهوائهم أو السير في ركابهم المعوج مع ما أوتوا من قوة بأس وشدة جبروت، وتمكين في النيل.
وكيف لا يكون ذلك، وقد نهي العلماء والمسلمون أجمع، أن يركنوا إليهم لقوله -تعالى-:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (سورة هود: 115).
لذلك نجد منهم المحاسبين للحكام، المنكرين عليهم سوء أفعالهم، وقبيح تصرفاتهم، وفساد أقوالهم.
كما نجد منهم الناصحين لهم، الرافضين منحهم، الصابرين على محنهم.
ومنهم المعرضون عن مواجهتهم، والساعون لهذه المواجهة بقصد إسماعهم مقالة الإسلام صريحة جريئة، لا غموض فيها ولا كنايات! ولا استعارات ولا ذبذبة! حيث لا يخافون لومة لائم.
ثم نراهم الركع السجد في سجون الحكام، يلتمسون رحمة الله وطلب رضاه، يكتبون ويؤلفون، ويهدون الناس إلى الطيب من القول، خدمة للإسلام، ورعاية للمسلمين، وهذا ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم.
مستحضرين قول رسولهم القدوة الحسنة -صلى الله عليه وسلم-: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينفع به،أو ولد صالح يدعو له»؛ لأنهم شموع تضيء وسرج تنير أينما حلوا.
أما في الجهاد ومقاتلة الأعداء، فهم في مقدمة الجند، وعلى رأس النفيضة.
وهكذا أثبت العلماء من قبل أن وجودهم هو من أجل الإسلام وحده، وأنهم حقًّا «ورثة الأنبياء» وسيرى:
ذهبت الدولة الإسلامية: إذ استطاع الكافر المستعمر أن يقضي عليها -في غفلة من الأمة- بوسائله الاستعمارية الماكرة، وخيانة أبناء من أمتنا، الذين انطبعوا بثقافته الاستعمارية الكافرة، واستجابوا لإغرائه، وصدقوا وعوده البراقة: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (سورة النساء: 120).
بعد أن كانت هذه الدولة: الدولة الأولى في العالم، قرابة ألف سنة أو تزيد، حين انتزعت زمام القيادة من دولتي الفرس والرومان ومن شايعهما ودار في فلكهما، حتى وصلت إلى درجة أنها إن أشارت إلى الشرق يطأطئ، وإن أشارت إلى الغرب يومئ، وأضحت زهرة الدنيا حضارة ومدنية ورقيًّا، فاتجهت إليها الأنظار، وارتحل إليها أبناء الأقطار، يرتشفون من معينها الذي لا ينضب، ويستظلون بلوائها، إلى أن ترك المسلمون -حكامًا ومحكومين- حمل رسالتهم الخالدة، وتقاعس العلماء عن أداء مهمتهم، وتباطأوا عن حمل لواء شريعتهم بعد أن وقع اللواء.. فانتقلوا من مركز القيادة إلى درك التبعية، وصار المسلمون -حكامًا ومحكومين- يرددون ما يقوله أعداؤهم الحاقدون الكافرون المستعمرون الملحدون من شرق وغرب عن إسلامهم، دون أن يقف علماؤهم الموقف المطلوب شرعًا من ذلك.
إن الإسلام اليوم: يريد من المسلمين -خصوصًا معشر العلماء- وهم على مفترق الطرق، أن يبذلوا أقصى الجهد ومنتهاه، في بيان أحكامه بصراحة وجرأة، وحمل الدعوة إليه، جاعلين وجودهم قائمًا على أساسه، فإذا هم لا ينصرون حقًّا، ولا يمنعون باطلًا، ولا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، ولا يحاسبون حكامًا ولا... فما فائدة وجودهم إذن؟.. وكان بطن الأرض خيرًا لهم من ظهرها.
والعلماء الذين قصروا تجاه إسلامهم، فهزموا في المعركة معركة الإسلام والكفر، عليهم أن يقتفوا أثر السلف الصالح من العلماء العاملين؛ ليجعلوا من الفشل الذي حاق بهم نصرًا مبينًا؛ ليعيدوا إلى الإسلام سيرته الأولى باستئناف حياة إسلامية، يعز بها الدين وعلماءه وأتباعه، ويخذل بها الكفر وجنده وأنصاره.
ولنعد جميعًا إلى الله -تعالى- أولًا؛ فعنده النصر المبين إن أخلصنا النية له، واتبعنا شرعه، ثم نقوم مستفرغين كل جهودنا لحمل راية الإسلام، وإقامة حكم القرآن، مضحين في سبيل إعلاء كلمة الله، ولو كره الظالمون والكافرون، ولنبتعد عن الكسل، ونذهب عن نفوسنا الاستكانة، وننزع عنها حب السلامة التي سيطرت على بعضنا؛ فليست تلك والله من شيم العلماء الأبرار حملة الشريعة السمحاء، واتباع سيدنا محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-.
وليكن علماؤنا اليوم حقًّا ورثة الأنبياء، يوزعون على المسلمين حكامًا ومحكومين ميراث نبيهم الكريم بالقسطاس المستقيم، لا ظالم فيه ولا مظلوم.
وأود هنا أن أذكر القارىء الكريم إلى نقطة مهمة جديرة بالالتفات إليها، هي أن مواقف علماء السلف الصالح -رحمهم الله جميعًا- من حكامهم، في غلظة الكلام، وشدة الإنكار، وعظيم المحاسبة -من الذين سنذكر حوادثهم- ومن وصف العلماء لبعض حكامهم بالظلم والجبروت والغرور، وبشيء من الابتعاد عن شريعة الإسلام، التي أمروا أن يحكموا بها حكمهم وسلطانهم، وإن كان قد وقع من بعضهم ذلك، إلا أنه قد حصل لهم من الخير الكثير للمسلمين ما لم يحصل مثله بمن جاء بعدهم، أي والله.
وهؤلاء الحكام الذين عاصروا علماءنا الأبرار: ما كانوا يكرهون الإسلام، ولا يستكبرون عن حكمه وتحكيمه، بل كانوا يطبقونه، ويرعون شؤون المسلمين على أساسه، وأعلنوا الحرب على أعدائه، ودافعوا عن بيضة المسلمين، وحموا حمى الإسلام، ولكن مع ذلك، فقد نالت الدنيا من بعضهم بعض الشيء، تحملهم على اتباع الهوى في بعض الأمور؛ حرصًا على الحكم والسلطان.. وما أعظم فتنة الحكم والسلطان! فلم يخل حكمهم من مظالم بارزة وسيئات ظاهرة، جعلت العلماء يقفون في وجوههم منكرين عليهم تلك المظالم، عاملين على رفع تلك السيئات بذلك، وقالوا عنهم ما قالوا.. لأن العلماء أرادوا منهم أن يكونوا على مثل ما كان عليه الخلفاء الراشدون -إذ هو المطلوب شرعًا من كل حاكم مسلم في كل حين-، ووزنهم بمن كان قبلهم، فخفوا في الميزان، فظهر التخلف وانكشف التنكب، فلا يتوهم أحدنا أن الذين سنذكرهم من الحكام، وموقف العلماء منهم أنهم من أعداء الإسلام، أو من الكارهين له.
فكان ما كان مع أمر العلماء منهم.
وإن كان أمر العلماء السلف الصالح مع هؤلاء الحكام وهم على ما ذكرنا، فكيف يكون أمر علماء اليوم من حكامهم، وهم على ما هم عليه؟؟
إن تاريخ العلماء والحكام من سلف الأمة حافل بمواقف الاستبصار ومواطن الذكرى، ومملوء بالدروس النافعة الرائعة، فنحن معشر العلماء، في جميع أنحاء البلاد الإسلامية، أحوج ما نكون اليوم إلى الاتعاظ بمواقف سلفنا من السادة العلماء -رحمهم الله تعالى-، الذين تحلوا بصفة العلم والعمل، والتقى والزهد، والجرأة في الحق، والصلابة في التمسك بالعدل، والمحافظة على حدود الشرع، وحمل الدعوة إلى الإسلام؛ لإقامة شرعه في الأرض، وتحكيم أنظمته في الدنيا، والوقوف في وجه الحكام الظالمين الذين أعرضوا عن الله، فأعرض الله عنهم، وبئست عاقبة الظالمين، لنعيد إلى الإسلام سيرته الأولى، ولنستأنف حياة إسلامية كريمة، يعز بها الدين وعلماؤه وأتباعه، ويخذل بها الكفر وجنده وأنصاره، ولتكون كلمة الإسلام هي العليا، وكلمة الكفر هي السفلى، والله بما تعملون خبير.
وما أحوج حكام اليوم في بلاد المسلمين إلى الاتعاظ بمن هلك من الحكام الظالمين، والتأسي بمن أفضى إلى ربه مرضيًا بعد إسلام حکم به، وعدل أقامه وخير نشره.
إن حكام اليوم بحاجة أكيدة إلى من يذكرهم، ويصارحهم بحالتهم، ويدلهم على مواطن الداء، ونافع الدواء بعد هذا الذي صرنا إليه، إنه والله مال ما كان يطمع بمثله عدو لئيم وأثيم، وكافر مستعمر عنيد، والمسلمون أيضًا ما أحوجهم إلى معرفة شيء عن غيرة أسلافهم على الدين وأحكامه، ووقوفهم في وجه حكام زمانهم.
إن مسؤولية الإسلام تقع عليهم كذلك، ولن ينجوا من الإثم إن قصروا في جنب الإسلام، وأهملوا حملة الدعوة إليه، قال -تعالى-: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (سورة الأعراف: 6)، عسى أن تكون هذه المعرفة محفزًا لعزائمهم الفاترة التي كادت أن تموت، وأخيرًا وليس آخرًا، فإن هذا الكتاب كما ذكرت كتب في فترة -الاستراحة- الجبرية، لذا فهو يعبر عن انطباعات خاصة، وإحساسات معينة يدركها القارىء اللبيب.
﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (سورة التوبة: 105).
من مقدمة كتاب «الإسلام بين العلماء والحكام» للشيخ عبد العزيز البدري -رحمه الله-.