العنوان عيد الأضحى.. ودرس الفداء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1996
مشاهدات 70
نشر في العدد 1198
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 30-أبريل-1996
يأتي عيد الأضحى هذا العام والضربات تتواصل ضد الأمة الإسلامية من قِبَل أعدائها وإخضاعها وإحكام السيطرة على مقَدّراَتها، ومن أجل ذلك فقد فجّر أعداء الأمة حمّامات الدم الغزيرة في كثير من البقاع الإسلامية، بينما أطلقت حكومات العديد من الدول الإسلامية أيدي أجهزتها وأمنها لملاحقة الشرفاء والمخلصين والمجاهدين من أبناء تلك الأوطان، وهو ما يخدم الأهداف البعيدة والقريبة لأعداء الإسلام.
إن عيد الأضحى يأتي هذا العام ولبنان الشقيق يعاني الدمار والحصار والقتل والتشريد على أيدي العدو الصهيوني الذي استباح الأرض، وأعمل القتل والتدمير والخراب في ربوعها، وشل كل عناصر الحياة هناك، وكانت آخر جرائمه البشعة تلك المذبحة الإجرامية التي راح ضحيتها أكثر من ۲۳٠ قتيلًا ومصابًا معظمهم من الأطفال الذين هرعوا إلى مقر قوات الأمم المتحدة في قرية «قانا» بالجنوب اللبناني ليحتموا به، ولكن الآلة الحربية الصهيونية الخسيسة لم ترحمهم، فصبّت عليهم قذائفها الصاروخية لكي تحولهم إلى أشلاء لا يتحمل رؤيتها بشر، ولم تكتف الطائرات الحربية بذلك بل واصلت قصفها الصاروخي على المنطقة لتوقع المزيد من الضحايا وبينهم أطفال رضّع.. وهكذا يشهد العالم فصلًا جديدًا من فصول الغطرسة والإرهاب والإجرام الصهيوني دون أن نسمع أو نرى أي تحرك -ولو هَش- من الدول العربية المجاورة للبنان على خط المواجهة لنصرة أهله والزود عن ضحاياه، بل إن القوات العربية لم تطلق طلقة واحدة ولو من باب ذِر الرماد، وما ذلك إلا تجاوبًا وخضوعًا للسياسة الأمريكية واليهودية في المنطقة.
ويأتي عيد الأضحى المبارك وأبناء الحركة الإسلامية في العديد من الدول العربية يلاقون الظلم والعنت والهوان في السجون والمعتقلات بعد أن تم إلصاق التهم الكاذبة بهم وتشكيل المحاكم الصورية والاستثنائية والعسكرية للتنكيل بهم، وذلك تجاوبًا مع رغبات المخابرات الأجنبية ودسائسها وفتنها.
وإن الإسلام بعدله وسماحته وقيمه لا يقر بأية حال من الأحوال هذه المظالم والجرائم والتجاوزات التي ترتكبها تلك الأنظمة الدكتاتورية، وليعلم أولئك الحكام الذين يسوقون الأبرياء ظلمًا إلى السجون، ويطاردون الشرفاء صباح مساء، ويشردون العائلات من الأطفال والنساء أنهم مهما فعلوا فإن أفعالهم لن تُعطل مسيرة الإسلام ولن تؤخر انتصاره بإذن الله مهما طال الزمن، وإن الشاهد على صدق ذلك هو تلك الصحوة الإسلامية التي تفجّرت في الأربعينيات وما زال ضوؤها يشع، وقوتها تتزايد، ومدّها ينتشر في ربوع المعمورة.
ويأتي عيد الأضحى وشعوب مسلمة بأكملها ما زالت تكابد سجن الاحتلال لأراضيها، ففي فلسطين لا زالت الأرض محتلة، وما زال المسجد الأقصى أسيرًا بين أغلال اليهود، وأهلنا هناك يعانون حصار التجويع والقتل والتدمير، وفي الشيشان ما زال الشعب يقاوم عملية اغتيال دولته واقتلاعها من الأرض على أيدي القوات الروسية الغازية الغاشمة، وفي البوسنة ما زال الشعب مشردًا، والديار خربة، ومخططات التذويب والتقسيم قائمة على قَدَم وساق برعاية القوى الدولية، وما زال المضطهدون من المسلمين في کشمير وبورما وإريتريا وأوجادين والفلبين وغيرها يصارعون الموت في جهادهم ضد القوات المحتلة الظالمة، ورغم بشاعة هذه الحرب الشاملة فسوف يظل الإسلام متجذرًا في هذه الأراضي وراسخًا في قلوب أهلها، ولن يخذل الله عباده أبدًا، إنما سيحقق الله لهم ما وعدهم ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (الصف: 13).
إن مناسبة عيد الأضحى تُذَكّرنا وتُجَسّد لنا في كل عام مشهد التضحية والفداء والطاعة الخالصة لله I، فهل أن للأمة أن تعي هذا الدرس وتقيمه سلوكًا عمليًا ومنهجًا حياتيًا حتى يقيلها الله من عثرتها ويمدها بمدده لمجابهة الأعداء المتربصين بها من كل جانب.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إليه تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 24).