العنوان عولمة الاستثمار التجاري في مصر سينسبري نموذجًا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-2000
مشاهدات 92
نشر في العدد 1399
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 09-مايو-2000
■ امتداد لرأس المال الغربي للهيمنة على أسواق العالم الثالث.. تروج لثقافة الاستهلاك.. وتمارس عملية قولبة للمجتمعات وفق النمط الغربي.
■ تمثل حالة من حالات مواجهة رأس المال المحلي لرأس المال الأجنبي في وقت لا يوجد فيه قانون يحمي رأس المال الوطني من الإغراق والاحتكار.
■ سياسة حرق الأسعار، التي تنفذها الشركة تسببت في إغلاق ٢٥ متجرًا وهناك ١٠ آلاف تنتظر الإفلاس.
سينسبري شركة بريطانية نشاطها الأساسي التجارة والتوزيع والتسويق، وقد أنشئت في عام ١٨٦٩م كشركة تمثل متجرًا متخصصًا في بيع الألبان ومنتجاتها، وتطورت مع رواج التجارة باعتبار الألبان من أهم احتياجات كل منزل، وقد تطورت إثر ذلك لتعتبر أكبر شركة للسوبر ماركت في بريطانيا، ولم يقف التطور بها عند هذا الحد بل قامت بتعديل نشاطها من عام ١٩٧٥م بالدخول إلى السوق الفرنسي الذي سيطرت على ٧٥٪ منه في سنوات قلائل واجتاحت بعد ذلك دول أوروبا.
ولسينسبري قرابة ۱۰٠٠ فرع على مستوى العالم يعمل بها حوالي ١٧٠ ألف عامل، وتقدم قرابة ١٢ مليون عميل أسبوعيًّا، وتعد شركة سينسبري من أكبر شركات السوبر ماركت العالمية، وهي في ذلك تنافس خمس مجموعات کبرى تعمل في المجال نفسه هي: مترو، وجانتيس، وكارفور، وسيفواي، وهذه الشركات -شركات السوبر ماركت، والتي تطور اسمها في الدراسات الاقتصادية إلى «هايبر ماركت» تسيطر على ٧٥٪ من مجمل السوق في أوروبا والولايات المتحدة.
بدأت سينسبري تدخل السوق المصري وتدرسه منذ مارس ۱۹۹۹م، وقد ترددت قبل
الدخول لفترة قاربت على العام، بسبب قرابة العهد بحادثة معبد الدير البحري في عام ١٩٩٨م إلا أنها قررت الدخول إلى السوق وقد دخلت من خلال مشاركة مع رجلي الأعمال هشام، وعمرو النشرتي، وهما مالكا شركة «إيدج» للتوزيع والتجارة عبر تحويل شراء ٨٠٪ من أسهم شركة إيدج وقد استثمرت سينسبري في مصر قرابة نصف مليار جنيه، وبلغت خسائرها بسبب سياستها العمدية الإغراقية في الأشهر الأربعة الأخيرة ٥٠ مليون جنيه -حسب تقارير صحفية.
وتقوم فلسفة النشاط التجاري لسينسبري في ثلاثة أركان:
١-استثمار التناقض بين المنتجين المستهلكين، والذي قوامه سعي المستهلكين للحصول على السلع بأرخص الأسعار وسعي المنتجين لتحقيق زيادة في هامش الربح.
٢-السيطرة على أهم احتياجين لأي بيت، هما منتجات الألبان ومنتجات التنظيف ومن هنا كان سعيهم لاحتكار جل صنوف إنتاج كل من «إنجوي» و«جهينة» على صعيد منتجات الألبان «برسيل» و«بروكتور آند جامبل» على صعيد أدوات النظافة، وهكذا تتمكن الشركة من استيعاب ما لا يقل عن ٤٠٪ من احتياجات العملاء.
٣-كسب المزيد من العملاء من خلال خفض أسعار هذه السلع إلى حد يصل بها إلى ممارسة سياسة الإغراق، وهي في ذلك كشركة عالمية على استعداد لتحمُّل مثل هذه الخسارة لمدة قصيرة تصل إلى عام وهي مستعدة في هذا الإطار خسارة في أول عام تصل إلى ٥٠٠ مليون جنيه وهي طبعًا بسبيل تعويض هذه الخسارة، وذلك لأن خسارتها تحسب في الأمد القصير وحسب، وفي هذا الإطار تعتمد على نجاح سائر فروعها العالمية، وأن تعوض هذه الخسارة بعد سيطرتها على خطوط إنتاج، وسحق المؤسسات المنافسة، سواء الصغيرة أو المتوسطة.
كان ذلك تعريفًا عامًا بسينسبري، والآن ننتقل للحديث عنها سياسيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا.
ثقافيًا: في الإطار الثقافي نتحدث عن سينسبري وفق منطلقين:
أولهما: عولمة الاستغلال والتنميط.
وثانيهما: الثقافة الاستهلاكية.
على الصعيد الأول: صعيد عولمة الاستغلال والتنميط تمثل سينسبري نوعًا من امتداد رأس المال الغربي للهيمنة على أسواق العالم الثالث المستقرة وتحويل الفائض إلى المصارف التي يتعامل معها رأس هذه المجموعة، ويأتي استغلالها من كونها تحول فائض ربحها هذا «١٠٠٪ من رأس مال متاجر سينسبري و٨٠٪ من رأس مال متاجر إيدج» إلى الخارج، وأما عن تنميطها أو قولبتها للمجتمعات التي تغزوها فتتمثل في عملية الإلحاق التي تصنعها في السوق الذي تدخله، إذ تلحقه بنمط الدولة التي اجتاحتها من قبل بحيث تصير في إحدى صور هذا النمط الذي يتجاهل الخصوصيات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات التي دخلتها، وصورة القولبة هنا تمثل فيما يعرف بظاهرة «الفرنشايز» التي تعم كل دول العالم الثالث التي بها قدر معقول من الفائض الاقتصادي، ومن بينها مصر، المتمثلة في انتشار الماركات العائلية في مجال المشروبات والمطاعم الكافتيريات.. المشروبات مثل «كوكاكولا» والمطاعم مثل «ماكدونالدز» والكافتيريات مثل «سايبر كافيز» حتى ذهب البعض إلى تسمية عملية العولمة أو القولبة والتنميط باسم هذه المؤسسات مثل مفهوم الكوكلة، والهمبورجرية، المعروفة باسم «المكدلة»، وإن كان المفهومان الأخيران يخصان العولمة أو القولبة وفق النمط الأمريكي، وإن كانت شركة كوكاكولا أمريكية أيضًا وقد سبق الكاتب فهمي هويدي أن كتب مقالًا يحمل اسم «كوكلة العالم» في إشارة لعملية التنميط الحضاري هذه وفي مؤتمر العولمة الذي عقد بالمغرب في أواخر ١٩٩٨م ذكر أن ثمة مقولة تتردد في الغرب مفادها أن معرفة مدى استقرار منطقة ما سياسيًّا ولحاقها بالغرب يتوقف على معرفة ما إذا كانت ماكدونالدز قد افتتحت فيها سلسلة مطاعمها أم لا، وعن تجاهلها للخصوصية في إطار التنميط المشار إليه نجد سينسبري وأخواتها تسحق الخصوصية ولا تتجاهلها فحسب، فعن «ماكدونالدز» و«كنتاكي» و«تكا» و«باسكن وروبنز» الحلويات و«سب واي» نجد أنها تعمل على تنميط الطعام، حيث يصير صنف الطعام واحدًا في كل أنحاء العالم متجاهلة خصوصيات اختلاف الأذواق وأصناف الطعام المحلية، أما سينسبري وأخواتها فإنها تدمر كل منافس محلي، ولذا يحاول البعض –من هذا المنطق– الخروج بها عن نطاق اقتصادات الفرنشايز ذات الميول التوسعية غير التدميرية ولاشك في سلامة هذا المنطق ولكننا نميل إلى تصنيف الفرنشايز إلى مؤسسات تنميط إيجابية «تضيف ولا تهدم» ومؤسسات تنميط سلبية «تضيف وتهدم في آن واحد، حيث تضيف الجديد، وتهدم القديم» ولذلك قد يحلو للبعض استيعاب ماكدونالدز وأخواتها، في جانب نطاق العالمية التي تعمل على بناء حالة مشترك إنساني عامة، بينما تصنف سينسبري وأخواتها على أنها ملحق بحالة العولمة التي تتجاهل أي إضافة غير غربية، وتجتاح كل مظاهر الخصوصية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تقابلها.
وأما عن جانب الثقافة الاستهلاكية فهو جانب أصيل أو بالتعبير الأكاديمي، جانب هيكلي يتعلق بطبيعة المؤسسة التي نتحدث عنها، فهي مؤسسة تسويق وتوزيع سلع استهلاكية، ومن الطبيعي أن يكون هدفها تعميق ثقافة الاستهلاك في مقابل ثقافة الادخار، أو ثقافة الإنتاج، وهاتين الأخيرتين وجهان لعملة واحدة وفق المنظور الإسلامي مع توافر الاشتراطات الأخرى ويحاول الفكر الليبرالي أن يقصي قيمة الإنتاج ليحل محلها قيمة الاستثمار لتصبح في الوجه الأخر للادخار، ولكن ليس كل الاستثمار إنتاجًا، فبعض الاستثمار استهلاكي وبعض الاستثمار ذو أغراض اقتصادية مركزية كالتعامل في الأوراق المالية وتتفادي نظريات التنمية الاقتصادية العالمثالثية ذات التوجه الليبرالي الحديث عن النشاط الإنتاجي إلا في إطار التعاون مع الشركات متعدية الجنسية، باعتبارها الضامن لعدم اجتياح معايير التجارة الدولية لصناعتنا، وذلك باستثمارات قليلة لا يمكن اعتبارها التيار الأساسي في هذه النظريات.
ومن هنا يتعمق الطابع الاستهلاكي في المجتمع، وهو من الخطورة بحيث يجب الالتفات إليه بوعي، وقد كان التيار الإسلامي أول من لفت الانتباه للثقافة الاستهلاكية باعتبارها أحد مظاهر الغزو الفكري، وتحاول الحكومة المصرية في هذه الآونة حفز التصدير ليقينها بسلامة هذه الفكرة. فهي –أي فكرة– من إضافات التيار الإسلامي لرصيد الفكر القومي.
سياسيًّا: فيما يتعلق بسينسبري سياسيًّا لم نجد سوى إشارة واحدة في مصادر المعلومات التي وجدناها حول هذه الشركة تشير إلى أن شبة تأكيدات بسيطرة اليهود على رأس مالها، وهذه الإشارة جاءت في صورة مانشيت في صحيفة «الأسبوع»، ولم يتضمن تقرير الصحيفة أي معلومة عن كونها محل سيطرة اليهود، أي كانت الإشارة في العنوان دون المتن، ولم تشر أي مصادر أخرى لقضية علاقة اليهود بسينسبري وصحيفة الأهالي اليسارية في عدد ٣/8/ ٢٠٠٠م، ومن هنا يصعب على الباحث المدقق التعويل على مثل هذه الإشارة بالإضافة إلى أن المصادر الغربية التقليدية للمعلومات أن تحاول الإشارة الصلة الدين بالاستثمار، وفي إطار التبعية المعلوماتية يصعب الجزم بهذا لأن الوسائل المعلوماتية المصرية لن تجد ما تقوله في هذا الصدد سوى الإشاعات ما لم تكن ثمة جهة لديها معلومات ذات درجة مقبولة من التوكيد تمكن من بناء مقولات علمية وسياسية، في هذا الإطار.
وحيال قضية ندرة المعلومات هذه لا يكون أمامنا سوى مسلكين للتصرف حيالها، أولهما: افتراض صحة هذه المقولة، وثانيهما: الانصراف من الإشاعة لتقرير مبدأ نظري يعالج هذه المشكلة وفق الرؤية التاريخية، ومنها ما يتعلق بتاريخ اليهود القديم، وحتى المعاصر.
أما المسلك الأول: وهو افتراض صحة هذه المقولة فيدفعنا للقلق حيال مستقبل مصر؛ لأن مثل هذه المتاجر ستعمل على تدمير مصر من خلال آليات عملها المعتادة، فهي تسحق المنافسين، وتحتكر السوق، وتربط خطوط الإنتاج في المصانع بمتاجرها، وتعمل على تحويل أرباحها إلى الخارج وهذا من أكثر أضرارها، وسنعرض لهذه الملامح بالتفصيل في الجانب الاقتصادي من هذا التقرير، فتحويل أرباحها إلى الخارج يعني عجزًا في ميزان المقومات واستمرار التحويل يعني مزيدًا من الضغط على النظام فيما يتعلق بقيمة العملة، كما يعني مزيدًا من الإفقار للمجتمع، هذا فضلًا عما ستتسبب فيه من سحق المنافسين التجاريين الضعفاء والمتوسطين، بل والكبار المحليين أيضًا، وهو ما ستراه بالتفصيل في الشق الاقتصادي هذا فضلًا عن أن انسحابها من السوق سيؤدي إلى ضرب الصناعات التي تعاقدت معها، وهو ما سيفرض على الدولة ضغط الكثير، وفي هذا الإطار نشير إلى أن المناخ المناسب لوجودها، كما لوجود غيرها من المؤسسات الأجنبية، هو مناخ التسوية مع إدارة الاحتلال الصهيوني.
حالة يهودية
وأما المسلك الثاني فيتمثل في الإشارة للقضية محل النظر من وجهة نظر معالجة تنظيرية تضاف للرصيد النظري الإسلامي والوطني بصفة عامة، وتتمثل في حديثنا عن «حالة اقتصادية يهودية» وهي رؤية مستمدة من تعقب تاريخ اليهود في المجتمعات التي عاشوا فيها، فاليهود في اجتماعاتهم واقتصاداتهم لم يمارسوا نشاطًا إنتاجيًّا، إلا في القليل النادر، وكان جبل نشاطهم إما طفيليًّا كالمراباة، أو النشاط الخدمي والرمزي كإدارة المصارف والمضاربة في الأوراق المالية، أو النشاط التجاري والمالي والسيرة التاريخية لهم تشير إلى أنهم كانوا يكسرون الأرباح إلى حساباتهم بالخارج، وكلا الأمرين باستثناء الحالة المصرفية لم يكن يعود على المجتمع بفائدة، بل كان يسهم في إضراره، ويمكن أن نقول في أثار هذه «الحالة الاقتصادية اليهودية» كل ما قلناه عن تأثير الشركات اليهودية، مع اختلافات حقيقة في حجم الإضافة بالغة الدلالة، في حجم التأثير سواء على صعيد مصر أو على صعيد العالم، حين يمتد نشاطهم إلى الحيز الإعلامي.
اقتصاديًّا: في هذا الإطار نود أن نتحدث عن شيئين: أولهما: سينسبري كجزء من العولمة الاقتصادية، وثانيهما: سينسبري في مصر.
أما عن سينسبري كجزء من عملية العولمة ففيها نتحدث عن شقين أولهما عن حالة الهايبر ماركت، وكلمة هايبر في اللغة الإنجليزية معناها مفرط أو بإفراط أو متجاوز، حيث قد تستخدم كلمة هايبر فيزيك بنفس معنى استخدام ميتافيزيك أي متجاوز للطبيعة المادية، وكلمة هايبر ماركت استخدمت لتصف الجيل الثالث من شركات التوزيع والتجارة فالجيل الأول هو الجيل التقليدي المتمثل في المحال التجارية البسيطة والجيل الثاني يتمثل في اتساع هذه المحال والمتاجر بصورة كبيرة على المستوى المحلي دون تجاوزه إلى المستوى العالمي، وهي المرحلة التي عرفت باسم السوبر ماركت غير أنه منذ الثمانينيات بدأت دراسات الاستثمار متعدد الجنسية تعرف مصطلح «هایبر مارکت» وهو مصطلح يعبر عن حالة نمو المتاجر وتضم رؤوس أموالها إلى حد دفعها لاستيعاب السوق المحلية وتجاوزها إلى السوق الدولي، وهذا يرتبط بالعولمة من حيث كون أحد أبعاد تلك الأخيرة على الصعيد الاقتصادي يتمثل في عولمة رأس المال أو تحرير رأس المال من قيود الدولة القومية وضوابطها، ويتحدث عنها المنظرون باعتبارها عولمة لثلاثة عناصر في دولة المستهلك، ودولة التاجر، وعولمة المنافسة ويدخل ما تحدثنا عنه من عولمة رأس المال في إطار الحديث هنا عن عولمة التاجر، حيث إن حرية التجارة تختلف عن عولمة التاجر، فالأولى تعين إزالة القيود أمام انتقال السلع، أما عولمة التاجر فتعني إزالة القيود أمام انتقال مؤسسات التجارة نفسها، كما أن مصدر التفرقة الآخر يتمثل في أن التجارة تعني نشاطًا داخليًّا وخارجيًّا في أن بينما التاجر يرتبط المستهلك المباشر، وهو أمر أكثر تخصصًا من التجارة بالمعنى الخارجي، وإن شئنا الدقة نستبدل عولمة الموزع بعولمة التاجر، كما أن المنافسة المقصودة في عولمة المنافسة هي منافسة التاجر المحلي لتاجر عبر قومي موجود في الخارج والداخل في أن وهذا من قوالب العولمة، وأما عولة المستهلك فلا تعني سوى تعامل المستهلك مع موزع عالي بما لهذه العلاقة من دلالة استفادة المستهلك من القدرة التنافسية للتاجر العالمي.
وأما الشق الثاني من سينسبري كجزء من الدولة فهو يعبر عن حالة خاصة من حالات المنافسة التي فيها يواجه رأس المال المحلي برأس المال العالمي، وتكون المواجهة غير عادلة حين لا توجد أرضية قانونية تحمي رأس المال المحلي من الاحتكار والاغراق والمشكلة في حالة مصر أن هذه الأرضية القانونية غير متوافرة حاليًا، وحتى تتوافر في الأمن المنظور ستكون شركة سينسبري قد تمكنت من ربط مجموعة من خطوط الإنتاج بها، وهذه قد تتأثر سلبًا إن غادرت السوق والحل أن يصدر هذا القانون سريعًا، حتى يحفظ سياسات هذه الشركة في حدها الأدنى من خفض الأسعار ويمنع الإغراق.
شراء المجمعات الاستهلاكية
وأما البعد الثاني من أبعاد الحديث عن سينسبري على الصعيد الاقتصادي فيتمثل في أوضاع سينسبري في مصر، وقد دخلت سينسبري إلى مصر بالمشاركة مع شركة إيدج للتوزيع والتجارة حيث اشترت ٨٠٪ من أسهمها، وقد كان ما يميز شركة إيدج فيما دعا سينسبري المشاركة فيها أن الأولى «إيدج» كانت قد ارتبطت من قبل مع وزارة التموين بعقد مشروع تطوير المجمعات الاستهلاكية ولهذا ارتبط اسم شركة سينسبري بإشاعات عن عزمها شراء بعض شركات التجارة الداخلية والجمعيات الاستهلاكية المملوكة لقطاع الأعمال العام والمعروضة للبيع حاليًا، وأن هذا هو سر هدوء الحكومة في التعامل مع شكاوي التجار من سياستها، وتباطئها في إيجاد حلول، كما قامت سينسبري بشراء مجموعة ABC للسوبر ماركت والتي تنتشر في الأحياء التي تسكنها الطبقة العليا، والشريحة العليا من الطبقة الوسطى لمصر الجديدة والزمالك والمهندسين «من أبرز الأحياء الراقية ماديًّا في القاهرة».
ومن أهم ملامح عمل مؤسسة سينبري في مصر أنها في علاقتها بالموردين لا تحصل على السلعة من باب المصانع كما يفعل غيرها من المتاجر، بل تعمل على شراء خطوط إنتاج بكاملها من خلال تعاقدات مع المنتجين، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور وقعت سينسبري مع كل من شركتي بروكتور آند جامبل وإنجوي، في حين رفضت شركات أخرى التوقيع معها مثل شركة برسيل وجهينة والشركات الأربع من شركات منتجات الألبان أو المنظفات الصناعية التي تمثل محل التركيز الأول عند شركة سينسبري.
كما تعمل شركة سينسبري وفق إطار سياسة إغراقية تسمى سياسة «حرق الأسعار» إذ هبطت سينسبري بأسعار منتجات الألبان إلى النصف تقريبًا، فتقارير مجلة الأهرام الاقتصادي تشير إلى أن سينسبري تعاقدت على الحصول على منتجات الألبان من شركة إنجوي بسعر ١٨٠ قرشًا بدلًا من ٢٧٥، بينما سعر التكلفة الحقيقية ٢٥٠ قرشًا، كما حصلت من شركة بروكتور آند جامبل على المنظفات الصناعية بأسعار تقل عن أسعار البيع المنافسة بحوالي ٣٠٪ مع إغراء كلا الشركتين بالدفع النقدي، ولا تميل وجهة النظر المدققة لتصديق هذه الأقوال فلماذا تتحمل الشركات تكلفة تفوق تكلفة البيع حتى ولو كانت الشركة المنتجة هي شركة تابعة لسينسبري نفسها، كما أن خطاب التوضيح الذي أرسلته شركة بروكتور آند جامبل يشير إلى أن شركة سينسبري قد تساوت في عروض البيع مع غيرها من الموزعين بل إنها حصلت على سعر أعلى لأنها طلبت الشراء بتمويل أجل لمدة ١٤ يومًا، وعلى الرغم من عدم ميلنا لتصديق إداريي شركة بروكتور آند جامبل أو حتى المستندات التي ارفقوها لأنها مستندات ورقية يمكن التلاعب فيها بالتضامن، إلا أننا نشير باطمئنان إلى أن سينسبري اشترت بأسعار أقل من غيرها، ولكن ليست أسعار إغراق، بل أسعار قليلة بصورة طفيفة لضخامة حجم التعاقد، أما فارق السعر أمام المستهلك فتتحمل في وحدها أثاره، طالما كانت شركة مستقلة، وقد تجلى هذا التحمل فيما ذکره تقرير الأهرام الاقتصادي نفسه من أنها خسرت في أول شهر ٢٢ مليون جنيه، وأنها مستعدة لتحمل خسارة تصل إلى نصف مليار جنيه خلال العام الأول حتى تكتسب زبائن غيرها من المنافسين وتشير التقارير إلى أن سينسبري لن تكتفي بحرق أسعار منتجات الألبان والمنظفات الصناعية، بل لديها قائمة تضم ٧٠ سلعة تسعى لحرق أسعارها.
وقد ترتب على سياسة سينسبري أن أغلقت ٢٥ من المتاجر أبوابها فعلًا تمهيدًا للبيع أو تغيير النشاط بعد إشهار الإفلاس، ومن المتوقع خلال السنوات الثلاث القادمة إغلاق ١٠ آلاف متجر، كما ذكر تقرير الأهرام الاقتصادي أن رجل أعمال مصري «محترم» له نشاط في مجال السوبر مارکت تقلصت مبیعاته خلال شهر يناير بنسبة ٥٥٪ بسبب متاجر سينسبري ومترو.
ولاتزال محاولات العلاج قيد الإعداد وسط هدوء في الأوساط الحكومية وهو الهدوء الذي يعبر إما عن موافقة أو رغبة في توريط سينسبري أكثر حتى تبقى لتعوض ما أنفقته أو رغبة في إحراج المعارضة التي توقعت منها أن تولول فتقوم بإصدار القانون بعد ذلك لإحراجها، وربما كان البديلان الثاني والثالث مقترنين لديها، وإن كانت كل البدائل محتملة حتى إشعار أخر.