; عود إلى تصريحات بورقيبة | مجلة المجتمع

العنوان عود إلى تصريحات بورقيبة

الكاتب الدكتور عبد الكريم الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1974

مشاهدات 96

نشر في العدد 210

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 23-يوليو-1974

عود إلى تصريحات بورقيبة بورقيبة أسقط الإسلام کله.. کتابًا ورسولًا قال عن القرآن: متناقض. وقال عن رسول الإسلام: مؤلّه من المسلمين. وأنكر معجزات الرسُل الواردة في القرآن. فهل يَرضى بكلامه المربّون والأساتذة في تونس؟ ردود الفعل لا تزال ردود الفعل ضد تصريحات بورقيبة حول القرآن والرسول- صلى الله عليه وسلم- تتوالى وتتصاعد في العالم الإسلامي. نعم.. الحكام التزموا صمت القبور مجاملة لبورقيبة على حساب دينهم وإيمانهم. لكن الشعوب الإسلامية انتفضت، وعلماء الإسلام ومفكروه هبّوا للرد على مفتريات بورقيبة. وفيما يلي مقال كتبه- في هذا المجال- الدكتور عبد الكريم الخطيب الأستاذ بكلية الشريعة في جامعة الرياض. ثم ماذا بعد هذا يا بورقيبة؟ نشرت صحيفة «الشهاب» البيروتية في عددها الصادر في ١٥ نيسان سنة ۱٩٧٤ خطابًا للرئيس بورقيبة، ألقاه في مؤتمر جامع للمربين والأساتذة، تناول فيه الإسلام ونبي الإسلام بالطعن والتجريح، وختم خطابه بدعوة المربين والأساتذة في الجمهورية التونسية إلى تلقين الطلبة والتلاميذ هذا الذي سمعوه منه، حتى تتحرر عقولهم من الخرافات والتناقضات التي يحملها القرآن.. هكذا يقول الرئيس بورقيبة، بل إنه ليقول أكثر من هذا، كما سنرى فيما ننقله من حديثه هذا. تقول صحيفة «الشهاب»: «عقد في تونس، في أواخر الشهر الماضي، مؤتمر للمدرسين والمربين، بمناسبة «الملتقى الدولي حول الثقافة الذاتية والوعي القومي».. وقد ألقى الرئيس بورقيبة، رئيس الجمهورية التونسية الحالي، والرئيس المرتقب للجمهورية العربية الإسلامية، التي أعلن عن قيامها- على أساس الإسلام- بين ليبيا وتونس- خطابًا طويلًا على المدرسين التونسيين، نشرته الصحف التونسية على فقرات. ثم تقول الصحيفة: «وقد تعرض الرئيس بورقيبة لقضايا فكرية وإسلامية هامة، وأجرى عملية نقد جريئة وعلنية لنصوص قرآنية ثابتة، خلص إلى أنها متناقضة حينًا، وخرافية حينًا آخر.. وقد نشرت نص الخطاب جريدة «الصباح» التونسية على جزءين في عددين صدرا بتاريخ ۲۰ و۲۱ من شهر آذار- مارس- الماضي، وقد عملت وسائل الإعلام الرسمية على حذف النقاط النافرة في الخطاب». ثم قالت الجريدة: «وسنورد النقاط المحذوفة التي سمعت حية من الرئيس التونسي، ثم نورد ما نشرته جريدة «الصباح» حرفيًّا. قال بورقيبة: (۱) «إن في القرآن تناقضًا لم يعد يقبله العقل، بين:﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. و: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. (۲) «الرسول محمد كان إنسانًا بسيطًا، يسافر كثيرًا عبر الصحراء العربية، ويستمع إلى الخرافات البسيطة السائدة في ذلك الوقت، وقد نقل تلك الخرافات إلى القرآن.. مثال ذلك عصا موسى.. وهذا شيء لا يقبله العقل بعد اكتشاف باستور، وقصة أهل الكهف!». (۳) «إن المسلمين وصلوا إلى تأليه الرسول محمد، فهم دائمًا يكررون محمد «صلى الله عليه وسلم».. الله يصلى على محمد! وهذا تأليه لمحمد!». هذا ما نقلته الصحيفة من خطاب بورقيبة، ممّا سُمع حيًّا منه، ولم تنشره الصحف التونسية إلا بعد إجراء بعض التعديلات فيه. ثم تعود الصحيفة فتنقل النص الحرفي لفقرات مما نشرته صحيفة الصباح التونسية بتاريخ ١٩٧٤/٣/٢١ ص ٣.. ونورد هذه الفقرات فيما يلي: ۱- «وهكذا نرى أن الله منح الإنسان حق الاختيار، ووفّى له إمكانية ذلك.. فالله مطلع على ما جرى، وما سيجري، ولكن الإنسان سید مصيره يصنعه بنفسه، فهو مسئول عنه، ومصداق ذلك قوله تعالى:﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾. (الزلزلة: ٧ - ٨). ۲- «وهناك أمور أخرى مثل قصة عصا موسى التي ألقى بها فإذا هي حية تسعى.. وقد كان الإيمان بأن الحياة يمكن أن تخرج من الجماد سائد في أوروبا أيضًا، لكنه انقرض تمامًا منذ عهد باستور!». ۳- «ومن هذه الأساطير التي ظلت موضع إيمان الناس في البلاد العربية دهرًا قصة أهل الكهف، الذين لبثوا رقودًا مئات السنين ثم انبعثت فيهم الحياة». ٤- «وحتى يوحد الرسول كلمة العرب، ولا ينفرهم من دعوته، اضطر إلى قبول كثير من طقوسهم التى لا تختلف في الحقيقة كثيرًا عن عبادة الأصنام، مثل التمسح بالحجر الأسود ورجم الشيطان، ولم يشأ الرسول الذي كان عارفًا بسياسة الناس أن يصدمهم دفعة واحدة، وهم الذين اعتادوا تقديس الحجارة، فحطم الأصنام في الكعبة، وأبقى على الحجر الأسود، الذي ظل الناس يقبلونه.. وقد قال «لينين» في هذا المعنى: إن الإنسان لن يقدر على تغيير أمر يسير إلا إذا تحمل أمورًا كثيرة قد تأباها نفسه»! ٥- «وفي سيرة الرسول وقائع كثيرة لا يذكرها كثير من المشائخ ، منها- وقد رويت هذه الواقعة في خُطَبي- أنه لما كان قاصدًا مكة لفتحها أدركهم شهر رمضان، فقال للمسلمين أفطروا کي نصل مکة أقوياء قادرين على الغلبة، وأدنى منه إناء الماء وشرب منه.. وبذلك قدم مصلحة الدولة على العبادات». ٦- «في أثناء غزوة بدر نزل المسلمون بمكان غير مناسب، فسألوا الرسول: هل هذا وحي يا رسول الله؟ أم هو مجرد رأي؟ فقال: لا.. مجرد رأي، فقالوا له إن المكان خطير، والأفضل أن نكون على مقربة من الماء.. فأجابهم بقوله: أنتم أدرى بأمور دنياكم». وقبل أن نناقش هذه الكفريات، التي تكفي واحدة منها أن تخرج الإنسان من الإسلام، وتلحقه بأهل الزيغ والإلحاد، ينبغي أن نكشف أولًا عن وجه الحبيب بورقيبة، الذي أصبح رئيسًا للدولة التونسية المسلمة فنقول: إنه بعد أن أفلس المستعمرون والمبشرون والمستشرقون في حرب الإسلام بكل ما معهم من أسلحة ظاهرة وخفية، وبعد أن تكسرت كل أسلحتهم على صخرة هذا الدين، جاءوا لحرب الإسلام بجنود مرتزقة من الذين ينتسبون لهذا الدين ويُحسبون من أهله، وذلك بعد أن جُلوا عن أوطان الإسلام، وأقاموا من هؤلاء المجندين حكامًا على هذه الأوطان، يخلفونهم في كل موقع من مواقع السلطة في كل وطن جُلوا عنه، بعد أن ملأوا رؤوسهم بالضلالات والأباطيل، وقاموا من ورائهم يسندون ظهورهم، ويمسكون بالأيدي التي تحاول أن تمتد إليهم، وتزيلهم عن مواقعهم وهكذا يظل هؤلاء المجندون في منصب الحكم، وفي مواقع السلطة، ما داموا على ولاء لسادتهم، وتحركهم حسب الإشارة التي يشيرون إليهم بها. وليست هذه أولى فعلات هذا الرجل، ولا آخرها، في إظهار الجفوة للإسلام وللمسلمين، وليس ببعيد هذا الأمر الذي أصدره بدعوة التونسيين إلى إفطار رمضان، وإسقاط هذه الفريضة من شريعة الإسلام، بحجة أن الصوم كان لقوم فارغين لا عمل لهم في الحياة، وليس بين أيديهم طعام يأكلونه، فكان اعتبار الصوم دينًا من دينهم عملا يشغلون به أنفسهم، وملهاة يتلهون بها عن الجوع الذي فرضته الحياة عليهم. أما في هذا العصر، وأبواب العمل كثيرة، وميادينه متعددة، فإن الحياة لا تحتمل مثل هذا الصوم، الذي يعطل طاقات الناس، ويشيع فيهم ضربًا من البطالة المقنعة. وهكذا أبطل بورقيبة بحكم القانون البورقيبي حكمًا من أحكام الله، وفريضة من فرائض الله.. فلا نعجب إذا رأينا بورقيبة يخوض بعد هذا في أمور الدين، ويتولى منصب الاجتهاد والإفتاء في شرع الله، ويرمي الإسلام تلك الرميات الجريئة الطائشة، دون خشية لله، أو رعاية لمشاعر المسلمين. فها هو ذا بورقيبة يعلنها صريحة مدوية، لا بإسقاط فريضة من فرائض الإسلام، بل بإسقاط الإسلام كله كتابًا ورسولًا.. فالقرآن الكريم- في حكم بورقيبة- «تناقض»، وأقل ما في هذا القول إن القرآن الكريم ليس كتابًا سماويًّا منزلًا من عند الله لأن التناقض إن جاز على البشر في أقوالهم وأفعالهم، فإنه لا يجوز في حق الله تعالى عند من يؤمنون بالله.. وإذا كان القرآن الكريم بهذا الوصف «البورقيبي» فليس ثمة من حرج على الرجل أن يقول في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما قال من زور وبهتان، ومن تحريف وتخريف! ونعود إلى خطاب بورقيبة، وما فيه من تهجم سفيه، وتطاول أثيم، على قدسية كتاب الله، وعلى مقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا لنقول للرجل إنك أخطأت وضللت، فالرجل لم يقل شيئًا من عنده، وإنما قال ما سمعه، أو قرأه من كلام المبشرين والمستشرقين، ولم يقل كلمة واحدة من عنده، على أنه قرأ آية من كتاب الله، أو نظر يومًا في سيرة رسول الله، فكل ما قاله الرجل في خطابه عن القرآن الكريم، وعن الرسول الأمين، کلام ردده المبشرون والمستشرقون، وأذاعوه في كتبهم، ومحاضراتهم في مقام الطعن على الإسلام ونبي الإسلام. ويكفي أن نسوق هنا مقولة من مقولات بعض المستشرقين عن الإسلام وعن نبي الإسلام، وهو «جولد تسيهر» لنرى كيف كان بورقيبة تلميذًا من تلامذة الإستشراق، وصوتًا حاكيًا يردد مقولاتهم. يقول «جولد تسيهر»: « فتبشير النبي العربي ليس إلا مزيجًا منتخبًا من معارف دينية عرفها، واستقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها، التي تأثر بها تأثرًا عميقًا، والتي رآها جديرة بأن توقظ عاطفة دينية حقيقية عند بني وطنه!». ويقول هذا المستشرق أيضًا: « إن الرسول نفسه قد اضطر لتطوره الداخلي، وبحكم الظروف التي أحاطت به، إلى تجاوز بعض الوحي القرآني إلى وحي جديد في الحقيقة، وإلى أن يعترف بأنه ينسخ بأمر الله ما سبق أن أوحاه إليه!». أليس ذلك ترجمة حرفية بورقيبية لما يقوله هذا المستشرق حين يقول بورقيبة: « وحتى يوحد الرسول كلمة العرب، ولا ينفرهم من دعوته، اضطر إلى قبول كثير من طقوسهم التي لا تختلف كثيرًا في الحقيقة عن عبادة الأصنام، مثل التمسح بالحجر الأسود، ورجم الشيطان... ولم يشأ الرسول الذي كان عارفًا بسياسة الناس أن يصدمهم دفعة واحدة، وهم الذين اعتادوا تقديس الحجارة، فحطم الأصنام في الكعبة، وأبقى على الحجر الأسود الذي ظل الناس يقبلونه.. وقد قال لينين في هذا المعنى: إن الإنسان لن يقدر على تغيير أمر يسير إلا إذا تحمل أمورا كثيرة قد تأباها نفسه» هذا هو قول بورقيبة، وهو كما قلنا ترجمة حرفية بورقيبية لكلام جولد تسيهر.. على أن بورقيبة قد تجاوز هذه الترجمة فأضاف إليها من مأثورات الكلام الذي حفظه كلمة للينين، الذي لم يشأ المستشرق أن يستشهد بشيء من كلام رجل ملحد وإن لم يرَ بورقيبة بأسًا من أن يقيم من رأى هذا الملحد حجة على ما يقول في الإسلام، وفي نبي الإسلام. وكلام بورقيبة عن قصة أصحاب الكهف تحدث عنها المستشرقون، ونقلها عنهم المستغرب العربي الدكتور محمد أحمد خلف الله، الذي نال شهادة الدكتوراة برسالة عنوانها «الفن القصصي في القرآن» والذي كان عمدته في هذه الرسالة فتولى نقلها عن المستشرقين، وكان فيما نقل قصة أصحاب الكهف، وفيها يقول ما نصه حرفيًّا: «موقف القرآن من قصة أصحاب الكهف موقف من لا يحكى الحقيقة التاريخية، وإنما يحكى أقوال اليهود، التي قد تطابق الحقيقة أو لا تطابقها».. أليس هذا القول الذي أخذه الدكتور خلف الله عن المستشرقين هو نفس الترجمة البورقيبية لأقوال هؤلاء المستشرقين؟ إذ يقول: «ومن هذه الأساطير التي ظلت موضع إيمان في البلاد العربية دهرًا قصة أهل الكهف الذين لبثوا رقودًا لمئات السنين، ثم انبعثت فيهم الحياة!». إن بورقيبة ناقل لآراء المستشرقين وإذا قيل: إن ناقل الكفر ليس بكافر، فأنا أقول إن ناقل الكفر كافر إذا كان يقر ما نقله من كفر ويؤمن به. وإنه لكي لا يضلل أبناؤه ، ولا يستهويهم هذا الضلال الذي سمعوه من رئيس دولة مسلمة، تعتز بدينها وتغار على حرماته ومقدساته، نرى من الواجب علينا أن نفند هذه المقولات البورقيبية، وأن نكشف ما فيها من أباطيل ومفتريات، وأن نوجز القول فيها، حيث لا يتسع المقام للبسط والإطناب ، وإن كان الأمر يحتاج إلى مؤلف خاص يلم بهذه القضية الخطيرة من جميع أطرافها، ويتناولها من كل جوانبها البعيدة القريبة، وذلك ما نرجو أن يوفقنا الله تعالى للقيام به. يقول الرئيس بورقيبة: «ان في القرآن تناقضًا لم يعد يقبله العقل، بين:﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. (التوبة: ٥١). و:﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾. (الرعد: ١١). في القرآن تناقض لم يعد يقبل العقل! فأي قرآن هذا؟ وكيف يقبل المسلمون التعامل مع هذا القرآن الذي لم يعد صالحًا لأن يقع موقع الإقناع من العقل؟ هذا ما يريد بورقيبة أن يبشر به في المجتمع الإسلامي. وليدعو المسلمين إلى ترك هذا القرآن المحمل بالخرافات والأساطير التي لم يعد يحتملها العصر، و ليبحثوا لهم عن كتاب آخر، أو دین آخر إن أرادوا أن يكونوا بين العقلاء! لقد اكتشف بورقيبة بعد أربعة عشر قرنًا من نزول القرآن أن في القرآن تناقضًا لم يعد يقبله العقل! وأین هذا التناقض؟ يقول لك بورقيبة إنه بين آيتين في القرآن... آية تقول:﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ (التوبة: ٥١). والأخرى تقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. فالآية الأولى تقرر أنه لا يصيب الإنسان إلا ما كتبه الله له، وهذا يعني- حسب المفهوم البورقيبي- أنه ليس للإنسان مشيئة، وليس له كسب مما عملت يده، وهذا يعني حسب المفهوم البورقيبي أيضًا أنه دعوة إلى التواكل، وترك الأمور تجرى كما أراد الله، دون أن يتحرك الإنسان إلى أي عمل، أو يفكر في أي عمل، ما دام لن يصيبه إلا ما كتبه الله له. والآية الثانية تقرر أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وهذا يعني- حسب المفهوم البورقيبي- أن مشيئة الله رهن بمشيئة العباد، وأنهم إذا شاءوا شيئًا قضاه الله وأنفذه، وإذا لم يشاؤا لم يكن لله أن يفعل شيئًا.. ولا يريد الرجل أن يفهم أن لله- سبحانه وتعالى- مشيئة عامة غالبة، كما لا يريد أن يفهم أن تكون للعبد مشيئة محدودة، داخلة في مشيئة الله، بل الذي يفهمه ويؤمن به أن العبد إله لا تتقيد مشيئته، ولا ترتبط بمشيئة الله رب العالمين.. وفي هذا يقول بورقيبة: وهكذا منح الله الإنسان حق الاختيار، ووفَّى له إمكانية ذلك.. فالله مطلع على ما جرى وما سيجري، ولكن الإنسان سید مصيره يصنعه بنفسه، فهو مسئول عنه، ومصداق ذلك قوله تعالى:﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ (الزلزلة: ٧ - ٨). وهذا الذي يقوله بورقيبة هو حق وباطل، أما الحق فإن الله تعالى منح الإنسان حق الاختيار، ووفي له إمكانية ذلك.. وأما الباطل فإن الإنسان ليس سيد مصيره يصنعه بنفسه، وهذا لا ينفى مسئولية الإنسان عن أعماله، لأن مسئوليته تبع لما أودع الله تعالى فيه من عقل مدرك، وإرادة عامة، فإذا عطل عقله، وأبطل إرادته، وترك نفسه لهواها كان حسابه وجزاؤه، ولهذا فإن الله تعالى لا يحاسب غير العقلاء المكلفين، كما لا يحاسب من فعل فعلًا عن خطأ أو نسيان.. إن الفعل الذي يقع موقع الحساب والجزاء هو رهن بمشيئة وإرادة، فإذا لم تكن ثمة مشيئة وإرادة، فلا حساب ولا جزاء. وهذا هو الحق والعدل.. فالحق هو أن الله سبحانه مالك كل شيء، ومدبر كل شيء، وقد كرم الإنسان فأعطاه من فضله ملكًا من ملكه، وتدبيرًا من تدبيره، وأقامه بهذا خليفة على الأرض.. فكان من العدل أن يحاسب هذا الخليفة على هذا القدر الذي أعطاه الله تعالى من ملكه وتقديره. والمثل لهذا- من غير تشبيه أو تمثيل- أن الرئيس بورقيبة يصدر الأوامر، ويضع القوانين، ثم يقيم الوزراء والحكام لتنفيذ هذه القوانين- فهل لهؤلاء الوزراء والحكام مطلق الإرادة يفعلون ما يشاءون حسب ما يشاءون؟ أم هم مقيدون بتلك الأوامر وهذه القوانين؟ وهل إذا ضرب أحد هؤلاء الوزراء أو الحكام بقوانين بورقيبة وأوامره عرض الحائط مستخفًّا بها صارفًا وجهه عنها ألا يغضب بورقيبة لهذا؟ ألا يحاسب من استخف بقوانينه وخرج على أوامره؟ والله- سبحانه وتعالى- قد حد حدودًا، وشرع أحكامًا، وأجرى الوجود كله، ومنه الإنسان، على نواميس وسنن، وأمر الإنسان أن يلتزم هذه الحدود، ويستقيم على تلك الأحكام، حسب نواميس الكون وسننه. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة، تحدد مشيئة الإنسان بالنسبة لمشيئة الله المطلقة العامة الشاملة، فيقول سبحانه: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ، لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ (التكوير: ٢٧ - ٢٩). ويقول جل شأنه : ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ( الأنعام: ٣٩). ويقول تبارك اسمه ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ( الأنعام: ١٢٥). ويقول جل وعلا: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ (الكهف: ٢٩). فهذه الآيات تثبت المشيئة العامة المطلقة لله سبحانه، وتثبت للعبد مشيئة داخلة في مشيئة، ولا تناقض بين المشيئتين، وتثبت لله سبحانه إرادة مطلقة عامة، كما تثبت للعبد إرادة محدودة داخلة في إرادة الله، ولا تدافع بين المشيئتين. فهل يرى بورقيبة تناقضًا بين آیات القرآن الكريم هذه؟ إن منطقه الذي يُحكّمه في كتاب الله لا يرى إلا تناقضًا و تضاربًا.. والله سبحانه وتعالى يقول لنبيه الكريم:﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ ۖ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ﴾ (النمل: ٨١). ويقول سبحانه عن كتابه الكريم : ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾. (النساء: ٨٢). وقولة أخرى من المقولات البورقيبية يُتهم فيها المسلمون بأنهم ألّهوا محمدًا صلى الله عليه وسلم. وتسأل: كيف إله المسلمون محمدًا صلوات الله وسلامه عليه؟ فيجيبك بورقيبة بقوله نصًّا: «إن المسلمين وصلوا إلى تأليه الرسول محمد، فهم دائمًا يكررون: محمد صلى الله عليه وسلم.. الله يصلي على محمد، وهذا تأليه لمحمد!». ونقول في رثاء وحسرة لهذا المسلم المنتسب للإسلام، ألم تسمع يومًا قارئًا يتلو الآية الكريمة:﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (الأحزاب: ٥٦). فهذا أمر من الله تعالى لكل مسلم مؤمن بالله وبرسوله أن يصلى على محمد، بعد أن صلى الله تعالى وملائكته عليه فاللهم صلِّ على محمد، كما صليت عليه، وكما صلى عليه ملائكتك. إن صلاة الله سبحانه وتعالى- أيها المنتسب للإسلام- على محمد هي المغفرة والرحمة منه سبحانه، وهي من الملائكة استغفار، وهي من المؤمنين استغفار كذلك بطلب المغفرة من الله تعالى لرسوله الكريم، ليزداد رفعة فوق رفعة، ومقامًا فوق مقام. وأكثر من هذا- أيها المنتسب للإسلام- فإن الله تعالى يصلي هو وملائكته على المؤمنين، أي يغفر لهم ويرحمهم، والملائكة يدعون لهم بالرحمة والمغفرة... استمع إلى قوله تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾. (الأحزاب: ٤٣). فأنت أيها الرجل إن كنت مؤمنًا حقًّا، كنت من الذين يصلي الله تعالى عليهم، وممن تصلى عليهم الملائكة وتستغفر لهم.. يقول الله تعالى:﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ (غافر: ٧). فهل في رحمة الله ومغفرته لك بصلاته سبحانه وتعالى تأليه لك؟ فرفقًا بنفسك أيها الرجل، ولا توردها موارد التهلكة بهذا الخوض في بحر لا تحسن السباحة فيه؟ وشحطة بورقيبية أخرى يقول فيها: وهناك أمور أخرى مثل عصا موسى التي ألقى بها فإذا هي حية تسعى.. وقد كان الإيمان بأن الحياة يمكن أن تخرج من الجماد سائدًا في أوروبا أيضًا، ولكنه انقرض تمامًا بعد عهد باستور». وهنا ينكر الرجل المعجزات التي يؤيد الله تعالى بها رسله، والتي تأتي خارقة لمألوف الناس وما بلغوه من علم.. فهو ينكر ما جاء في القرآن الكريم من انقلاب العصا حية تسعى، بعد أن ألقاها موسى من يده، وحجته في هذا هو ما اكتشفه باستور من الجراثيم الناقلة للأمراض، وأنها تتولد من أجسام حية، وأنه ما دام باستور قال هذا وقرر، حسب النتائج العلمية التي توصل إليها، فليس لله تعالى أن يجاوز بقدرته تلك الحدود التي انتهى إليها باستور، وتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. ألم يخلق الله تعالى آدم من تراب هذه الأرض كما يقول تعالى:﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ﴾. (طه: ٥٥)؟ وكما يقول سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ (الحج: ٥). فهل في هذا الطين أو هذا التراب حياة خلق منها آدم؟ ثم من خالق هذه الحياة؟ إن الذي خلق الحياة من العدم هو الله سبحانه وتعالى، وخلق الحياة من جماد أهون- في تقديرنا نحن البشر- من خلقها من لا شيء! فهل تخضع قدرة الله سبحانه وتعالى لما قرره باستور؟ وأين باستور هذا الذي تحاج به قدرة الله؟ ألم يصبح ترابًا في التراب؟ ثم ألا يبعثه الله تعالى من هذا التراب؟ ولا نذهب مع الرئيس بورقيبة إلى أبعد من هذا، وما سقنا هذا الحديث إليه، وإنما سقناه إلى من استمعوا إلى خطابه، فغامت وجوه الحقائق في أعينهم بهذا الغبار الذي أثاره في وجه دين الله مع المبشرين والمستشرقين ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 213

89

الثلاثاء 13-أغسطس-1974

بريد المجتمع (213)

نشر في العدد 200

126

الثلاثاء 14-مايو-1974

العالم الحر. .  الذي فقدناه!!