العنوان عودة مصر وفراقها وجهان لعملة واحدة
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
مشاهدات 70
نشر في العدد 738
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
من بين المواضيع
السياسية التي تطفو على سطح أحداث الشرق الأوسط هذه الأيام موضوع ما يسمى بعودة
مصر للحظيرة العربية والموضوع مطروح سياسيًا وإعلاميًا، ويتخذ صفة الجدية
والرسمية، خاصة بعد دعوة الجزائر لعقد قمة طارئة لبحث عودة مصر للحظيرة العربية.
وترتفع درجة
حرارة طرح هذه الدعوة من خلال موقف مصر الرسمي والشعبي ضد الغارة الإسرائيلية على
مقر قيادة منظمة التحرير الإعلامي، الذي تمثل بوقف المحادثات حول مشكلة طابا،
وإصدار بيان من الخارجية المصرية يدين الغارة، والسماح للقوى السياسية المختلفة
بتنظيم مظاهرات صاخبة طالبت بإلغاء اتفاقيات كامب ديفيد، وطرد السفير الإسرائيلي
من القاهرة.
وقد عبر عن
الحماس العربي الرسمي لهذا الموضوع رئيس وزراء في دولة عربية، عندما أعرب عن دهشته
ممن يهاجمون مصر التي سمحت بخروج مظاهرات تندد بالغارة الإسرائيلية، بينما هم لم
يسمحوا بذلك!
وتتكثف اللقاءات
العربية المصرية الرسمية، فيزور مسؤولون مدنيون وعسكريون أردنيون وعراقيون
القاهرة، ويلتقي مبارك ومستشار عرفات هاني الحسن الذي قال: جئنا لنشد على يد حسني
مبارك، كما يلتقي مستشار حسني مبارك دكتور أسامه الباز رئيس منظمة التحرير ياسر
عرفات.
وعودة مصر
للحظيرة العربية بعد عودة العلاقات الأردنية - المصرية رسميًا وتوثق العلاقات
المصرية - العراقية والمصرية - الجزائرية والمصرية - الفلسطينية، أصبحت مسألة وقت،
ويبدو أن المسرح العربي الآن بات مهيأ لهذه الخطوة.
والسؤال الأساسي
الذي يطرح نفسه هنا لماذا عودة مصر وفي هذا الوقت بالذات؟ ونعتقد أن أحد أهم أركان
الإجابة على هذا التساؤل تكمن في الإجابة على سؤال: ولماذا اتخذت قمة بغداد قرار
مقاطعة مصر عام ۱۹۷۸؟
الذين دعوا
لمقاطعة مصر عام ۱۹۷۸ هم أنفسهم الذين يدعون لعودتها عام ١٩٨٥، وهم
يقولون إن مقاطعة مصر تمت من أجل القضية الفلسطينية، وأنه ثبت لهم أن قرار
المقاطعة كان خاطئًا؛ لأنه جاء في مصلحة العدو الإسرائيلي؛ حيث كانت أهم أهداف
كامب ديفيد عزل مصر وتعطيل دورها السياسي والعسكري؛ لتستفرد إسرائيل بالجبهات
الأخرى. فقد استفردت بلبنان وهي تستعد الآن للاستفراد بالأردن.
وما يقوله دعاة
عودة مصر صحيح تمامًا؛ لأن عودة مصر ليست مطلوبة لإعداد كتائب الجهاد ورفع رايات
التحرير، فهذا ما أسقطته الأنظمة العربية قاطبة وبلا استثناء منذ عام ١٩٦٧. لكن
المطلوب هو تحقيق مطلب وحدة الموقف العربي إزاء مشاريع الحلول السياسية المطروحة
في الوقت الحاضر، والتي تلتقي في مشروع التحرك الأردني - الفلسطيني المشترك. وقد
سمع هذا المطلب من الرئيس الأمريكي رونالد ريغان كل الزعماء العرب الذين زاروا
واشنطن هذا العام، كما سمعوه على ألسنة مبعوثي ريغان والمبعوثين الأوروبيين الذين
زاروا المنطقة كذلك.
فالرئيس المصري
وفي قمة الانفعال بحادث الغارة الإسرائيلية وحادث اختطاف السفينة الإيطالية شاء أن
يركز في إجاباته على أسئلة الصحفيين أنه يريد السلام، وأنه لا يعمل إلا من أجل
السلام.
ومع ذلك يعمد
مسؤولون عرب وفلسطينيون بشكل خاص إلى الدعوة للشد على يد مبارك والدعوة لمؤتمر قمة
عربي، تحضره مصر، ولإزالة الحرج ينعقد المؤتمر في الجزائر التي طالبت بذلك. ويشيع
بعض المسؤولين العرب، وبعض وسائل الإعلام العربية أن مصر باتت قاب قوسين أو أدنى
من إلغاء اتفاقيات كامب ديفيد، والطرف الإسرائيلي من جهته لا ندري - بقصد أو بغير
قصد - بات يؤكد مثل هذا الانطباع بسبب تصعيده للعلاقات مع مصر باتجاه التوتر، بسبب
قرار مصر - وقف محادثات طابا، ومقتل السياح الإسرائيليين على يد جندي مصري.
والنظام المصري من طرفه بات يصعد العلاقة كذلك من خلال التهديد بإلغاء اتفاقيات
كامب ديفيد إن قامت إسرائيل بالهجوم على الأردن.
إن التساؤل الذي أثاره ممثل المنظمة في القاهرة
سعيد كمال صحيح تمامًا.
تساءل السيد كمال قائلًا: إذن ما الهدف من وراء
القطيعة العربية التي أخذت في قمة بغداد ضد مصر؟ أليست القضية الفلسطينية هي
الهدف؟
نعم أن القضية
الفلسطينية هي الهدف، ولكنه هدف ليس لصالحها، بل ضدها في الحالتين: ففي الحالة
الأولى أي المقاطعة كان الهدف هو فرض مشاريع التسوية الاستسلامية، ولم يكن ذلك
ممكنًا إلا بتوقيع اتفاقيات جزئية ومع أكبر دولة مواجهة عربية، وفي حالة العودة
كان الهدف هو إقرار هذه المشاريع وتعميمها على الساحة العربية، ولم يعد ذلك ممكنًا
إلا بوحدة الموقف العربي، وهذا لا يتأتى إلا بعودة مصر للحظيرة العربية!
وإذا كان هذا
الكلام غير صحيح، فليعلن القادة العرب ليس الحرب على إسرائيل إنما فقط مساندة
الفلسطينيين، ودعم كفاحهم المسلح في الداخل والخارج.
على أن هذه
الحقيقة لا تتعارض مع وجود دولة عربية أو اثنتين تعارض عودة مصر رسميًّا، فيما
تمارسها عمليًا؛ لأن المسرح يتطلب وجود المعارض ليمارس دور المخلص أمام الجماهير
المستغفلة أو اليائسة من كل شيء. وهذا ما لعبه النظام السوري بإتقان، وسيأتي يوم
ربما يكون قريبًا تعود فيها المياه إلى مجاريها، فتكون العلاقات السورية - المصرية
على أحسن ما يرام، وها هي البداية قد أخذت تظهر على جبهة العلاقات السورية -
الأردنية بفعل ماكينة دعاة التضامن العربي.
الشيء الذي يبعث
على الأسى في منطقتنا العربية أن المعاني السامية أصبحت تعني ضدها، ومن هذه
المعاني السامية عودة مصر والتضامن العربي، ويكاد يدعو كل عربي ومسلم مخلص في سره
ألا يجتمع الحكام على شيء؛ لأنهم وهذا خلاف لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، لا
يجتمعون هذه الأيام إلا على خدمة الأعداء والتنكيل بالجماهير.
فحسبنا الله
ونعم الوكيل.