; عودة الأحزاب في الأردن لماذا؟ | مجلة المجتمع

العنوان عودة الأحزاب في الأردن لماذا؟

الكاتب راشد السالم

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1985

مشاهدات 72

نشر في العدد 711

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 02-أبريل-1985

تفيد الأنباء الواردة من العاصمة الأردنية عمان في الأسابيع الأخيرة أن الأردن ومنذ إرهاصات عودة الحياة البرلمانية في نهاية عام ۱۹۸۳، شهد نشاطًا سياسيًّا شعبيًّا منظمًا إلى حد يشبه عمل الأحزاب السياسية. ففي ٢٥/٧/٨٣ رفع ما أسمى نفسه بالتجمع الوحدوي الديمقراطي مذكرة إلى الملك حسين بشأن تشجيع فكرة عودة الحياة البرلمانية وقَّعها رئيس التجمع الدكتور جمال الشاعر وأربعة آخرون.

ومن خلال الانتخابات التكميلية للبرلمان الأردني، برزت معظم الاتجاهات السياسية التي كانت تعمل في الأردن قبل حظر نشاط الأحزاب. وتفيد مصادر مطلعة إلى أن هناك «خمسة جهود منظمة على الأقل لتأسيس

أحزاب سياسية، وكل جهد منها يرى نفسه أنه نواة الأحزاب السياسية المقبلة».

ويتعزز هذا الاتجاه في ضوء الاستعداد لإجراء انتخابات عامة لاختيار ممثلي الضفة الشرقية الثلاثين في البرلمان في المستقبل القريب.

الضوء الأخضر

ومع أنه سبق لوزير الداخلية الأردني سلیمان عرار أن نفى فكرة عودة الأحزاب حيث قال عنها: «غير مطروحة والديمقراطية عبر البرلمان فقط» مجلة المجلة عدد ۲۲۰ تاريخ 4مايو ١٩٨٤

إلا أن مصادر عربية وأجنبية ذكرت حديثًا أن الأردن سائر في طريق السماح بتشكيل الأحزاب، ولكن بسرية تامة وبطء. وتقول صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية إن الحكومة الأردنية أعطت الضوء الأخضر للقيادات السياسية للتحرك في هذا المجال، وسمحت لهم بإجراء الاتصالات اللازمة لبناء الهياكل التنظيمية والأنظمة الأساسية وإصدار البيانات السياسية؛ تمهيدًا لإجراء مؤتمرات عامة لتأسيس الأحزاب في الوقت الذي تعلن الدولة رسميًّا السماح بذلك. وتسمي بعض المصادر الأشخاص المسؤولين أو النافذين في الأحزاب المرتقبة، بل وتحدد أرقامًا للكوادر التي تم تجنيدها حتى الوقت الحاضر.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يعني هذا التوجه الأردني مؤشرًا على المزيد من الحريات السياسية والمشاركة في اتخاذ القرار السياسي؟

خلفية سياسية

ومع أن الإجابة عن هذا التساؤل بشكل مباشر تُعد من قبيل الرجم بالغيب، إلا أن الأمور وخاصة في عالم السياسة بمقدماتها وظروفها وخلفياتها. وفي هذا المجال يمكن القول إن قرار السماح بتشكيل الأحزاب السياسية في الأردن -وإن لم يعلن رسميًّا حتى الآن- جاء في ظروف توجه السياسة الأردنية بشكل خاص نحو التسوية السياسية مع العدو الصهيوني، وبعد التنسيق الأردني- الفلسطيني الذي قام على قاعدة المسؤولية المشتركة عن القضية الفلسطينية.

ويقتضي هذا الدور الأردني- الفلسطيني المشترك أن تلتحم الجراحات التي ترتبت على سياسة التنافس السابقة، أي أن التوجه نحو إعطاء قدر معين من الحريات السياسية الذي تمثل في إحياء البرلمان أو إعطاء حرية تشكيل الأحزاب السياسية، يأتي في ظروف مطلب وجود قناعة شعبية عامة تدعم التوجه الرسمي نحو تسوية القضية الفلسطينية على مبدأ الأرض مقابل السلام، كما أعلن الأردن ذلك على لسان الملك حسين في المجلس الوطني الفلسطيني الذي انعقد في عمان في سبتمبر الماضي.

مؤشرات

ويترجح هذا الاستنتاج في ضوء المؤشرات التالية:

  • عندما نفى وزير الداخلية الأردني سليمان عرار أن تكون فكرة عودة الأحزاب مطروحة، ربط ذلك بارتباط الأحزاب التي كانت عاملة آنذاك بجهات خارجية، وبالظروف التي نشأت عن قيام دولة الكيان الصهيوني.
  • وفي مذكرة الدكتور جمال الشاعر المشار إليها آنفًا، بيَّن الموقعون أن من أهم أسباب مطالبتهم بعودة الحياة البرلمانية أنها «ستنهي مزاعم الفئات التي تلقى الدعم والتشجيع من الخارج، ولن يصبح سهلًا على أية فئة أو جهة ممارسة أيضغط على الأردن وحكومته». ولم تشأ المذكرة أن تغفل ذكر قانون الانتخابات الذي قالت إنه «سوف يحدد الدوائر الانتخابية بصورة تجعل التمثيل لمختلف فئات الشعب تمثيلًا متوازنًا».

أي أن المذكرة تبدد مخاوف الحكومة التي جعلتها تعلق نظام الأحزاب!

  • إن قرار السماح بتأسيس الأحزاب سيظل بعد إعلان ذلك رسميًّا رهنًا بموافقة الملك شخصيًّا كما قالت الفايننشال تايمز. ولأن الملك كما قالت الصحيفة «أوضح بأنه يريد رؤية تحولات سياسية، ولكنه لا يريد تكرار اضطرابات الخمسينيات مرة أخرى». فإنه يريد لهذه التحولات أن تظل تحت البصر وعلى قد الحساب. ولكن يقتضي الإنصاف منا أن نشير إلى أن الأردن يهدف من زيادة الحريات فيما يهدف إليه تجميع الصف الداخلي ضد الأطماع اليهودية في شرق الأردن، التي تشير الوثائق الصهيونية إلى أنها ستكون الهدف التالي. 

وثمة مؤشر مهم بهذا الصدد، وهو أن الشخصيات التي برزت مؤخرًا وأعلنت عن نيتها لإنشاء حزب سياسي تُعد من العناصر الموالية من جهة، والمرضي عنها من قبل نوادي الليونز والروتاري في عمان. كما أن بعض زعمائها ما زالوا يشاركون في سدة الحكم كوزير الداخلية سليمان عرار الذي يؤسس للحزب العربي الدستوري، ولهذه الحساسية فإنه يعمد للسرية في الحركة والاتصالات.

نصيحة غربية

على أية حال لا ينبغي لأي مراقب أن يغفل عن ذكر أنَّ توجه أنظمة الحكم العربية لإعطاء هامش محدد من الديمقراطية هي ظاهرة عامة بدأت ملامحها مع بداية الثمانينيات، وخاصة في الدول التي يتصف النظام فيها بالاستقرار النسبي، ويعمل بهمة ونشاط من أجل التوصل إلى تسوية القضية الفلسطينية كالنظام المصري. ويجدر بالمراقب كذلك أن يذكر أن الأخذ بهامش الديمقراطية في بعض الدول العربية كان نصيحة غربية بناء على معلومات معهد الدراسات الاستراتيجية بلندن. 

كما لا يغيب عن البال فكرة الرئيس الأمريكي ريغان وغيره من المسؤولين الأمريكان بأنهم يفضلون التعامل مع مسؤول عربي يتمتع بتأييد شعبي يجعل لقراره مصداقية في التنفيذ.

والسؤال الآن: إذا كان هذا هو التصور حول ديمقراطيات الثمانينيات، وإذا كان هذا هو هامش الحريات السياسية، فلماذا تصطرع القوى السياسية الشعبية من أجله ولماذا تشارك فيه الحركة الإسلامية؟

هنا لا بد من التذكير بالمواقف المبدئية للحركة الإسلامية التي تقوم على الحرية في الدعوة والنشاط الثقافي والتعبير عن الرأي والموقف، وبالتالي فإن هامش الحرية صغر أم كبر يُعد من المطالب الأساسية للحركة الإسلامية ولجميع الأحزاب، لأن هامش الحرية يثري الحياة السياسية ويعمل على نشر الوعي الجماهيري، كما يُعد لعبة سياسية تخدم من يجيدها.

رأي الحركة الإسلامية

فالبرلمان كما يقول يوسف العظم عضو البرلمان الأردني والعضو البارز في حركة الإخوان المسلمين «منبر تعلَن منه كلمة الدعوة وتُنشر الفكَر والقوانين والأنظمة الإسلامية والعمل على وضعها موضع التنفيذ». وعودة الأحزاب طالب بها عضو إسلامي آخر في البرلمان هو المهندس ليث شبيلات بقوله لصحيفة الأنباء الكويتية: «لقد آن الأوان لوجود معارضة بناءة مستمدة من الدستور وتعمل من خلاله، تكون متنفسًا شرعيًّا لآمال المواطنين الذين يريدون خدمة وطنهم من خلال الطرق الدستورية».

وكما قلنا في عدد سابق، فإن مرحلة الكبت والقهر التي ميزت عقود الستينيات والسبعينيات جعلت القوى السياسية المختلفة تتمسك بهامش الحرية المعطاة في الثمانينيات، لكن الأمر ليس وليد الظروف السياسية الآنية فحسب، بل هو وليد عناصر اجتماعية وثقافية واقتصادية متشابكة كذلك، وإن كان العامل السياسي هو أهمها على أية حال كما هو واقع الأمر في معظم الدول العربية ودول العالم الثالث. 

وبناء على ما تقدم، فإن الحركة الإسلامية الممثلة في الأردن بجماعة الإخوان المسلمين رحبت على لسان أكثر من واحد من المسؤولين فيها بالسماح بتشكيل الأحزاب، كما رحبت به القوى السياسية الأخرى.

ولا يسَع المراقب المنصف إلا أن يدعو لتشجيع ظاهرة تعميم الحياة النيابية وإطلاق الحريات السياسية؛ لأنها الضمانة الأكيدة لنمو الوعي والتطور في مختلف الميادين، كما تشكل الحرية أساس النهضة الشاملة والتوازن والاستقرار.

الرابط المختصر :