العنوان عوامل النجاح.. واحتمالات الفشل
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 28-مارس-2009
مشاهدات 66
نشر في العدد 1845
نشر في الصفحة 32
السبت 28-مارس-2009
المصالحة السياسية في الصومال.. هل يكتب لها النجاح؟ (2من ٢)
الصومال
تناولنا في الحلقة السابقة كيف نشأت المصالحة السياسية في الصومال وعملية اختيار شيخ شريف شيخ أحمد رئيسا للصومال عبر الانتخاب المباشر من البرلمان المنعقد في جيبوتي وحجج الرافضين للمصالحة ونستعرض في هذه الحلقة مواقف بقية الأطراف المحلية والإقليمية وحظوظ نجاح المصالحة.. وما إذا كان بإمكان المعارضة المسلحة أن تسقطها.
aezed8@hotmail.com
حركة الإصلاح وهي حركة لا يتردد اسمها كثيرًا في الإعلام لأنها ليست طرفًا في الحرب، وقد انخرطت في جهود المصالحة بدءًا من مصالحة القبائل حين كان النزاع قبليًا، ثم في مؤتمر «عرتا» في جيبوتي عام ۱۹۹۹م، ومؤتمر «المصالحة في نيروبي» بين عامي ٢٠٠٢- ٢٠٠٤م، غير أنها استبعدت منه من قبل إثيوبيا التي احتكرت المؤتمر حتى خرجت الحكومة الانتقالية من رحمها، ثم شاركت الحركة في المصالحة الأخيرة في جيبوتي، وتواصلت مع المجتمع المدني ومع طرفي النزاع وحكومة جيبوتي خاصة أن الحركة لم تكن يومًا طرفًا في أي نزاع مسلح ما مكنها من العمل مع الجميع.
وقد اتخذت الحركة في وقت مبكر قرارًا بتبني مشروع المصالحة بمستوياتها المختلفة كونها البديل الوحيد لمحاولة تحقيق الأهداف عن طريق البندقية.
وعليه فقد دعمت الحركة سياسيًا الحكومات الانتقالية التي شكلت منذ «مؤتمر عرتا رغم ما كان لها عليها من مآخذ ف حكومة ضعيفة خير من غيابها وحكومة سيئة تمهد لمرحلة استقرار سياسي وأمني واقتصادي أفضل من الفراغ السياسي» ومن هذا المنطلق تدعم حركة الإصلاح أيضًا حكومة «شريف».
وتهتم الحركة بشكل خاص بالتنمية والإغاثة الإنسانية عبر المؤسسات الخيرية والتنموية والمشاريع التعليمية والمستشفيات والقوافل الطبية، وحفر الآبار الارتوازية فضلًا عن مشاريع الإغاثة وأعمال الدعوة والإرشاد لنشر الأخوة الإسلامية وثقافة السلام وخاصة بين الجيل الناشئ الذي تربى في ظل الحرب الأهلية.
ولم تدخل الحركة طرفًا في النزاعات المسلحة لأنها لا تؤمن بحل الخلافات بين الأشقاء بفوهات المدافع، وترى أن التغيير المنشود يأتي بالتدرج في النضج والفهم الصحيح، كما لم تكن طرفًا مباشرًا في مفاوضات جيبوتي بل كانت ضمن الوسطاء، لذا لم تشارك في عملية تقاسم السلطة وتوزيع مقاعد البرلمان المخصصة للمعارضة التي أعطيت مكافأة لكل من حمل السلاح.
الحكومة المؤقتة
لم تجد الحكومة المؤقتة التي تشكلت في ٢٠٠٤م تأييدًا شعبيًا وواجهت أزمة الشرعية منذ نشأتها، فقد نظر إليها على أنها واجهة للمصالح الإثيوبية، وهي حريصة على إنجاح المصالحة التي تحقق لها هدف البقاء في السلطة ولو إلى حين.
تذرعت إثيوبيا بدعوى حماية أمنها القومي للتدخل في الصومال وزعمت أن المحاكم تحاول تهديد أمنها
المحاور الإقليمية والدولية
للمشكلة الصومالية امتداداتها الخارجية بسبب تقاطع المصالح الإقليمية والدولية في المنطقة، فقد ساهمت إثيوبيا وأمريكا بشكل كبير - في إفشال حكومة «عبد القاسم صلاد» التي تمخضت عن «مؤتمر عرتا» لأن إثيوبيا كانت ترى أنها حكومة ذات طابع إسلامي، كما لم يكن لديها دور في تشكيلها، على خلاف ما اتبعت في مصالحات كانت غالبيتها تعقد في إثيوبيا، وكانت أمريكا تشاطر إثيوبيا الرأي، ومن ثم فقد حالت دون تحقق الدعم الدولي لتلك الحكومة.
وقد تذرعت إثيوبيا بدعوى حماية أمنها القومي للتدخل في الصومال، وزعمت أن المحاكم تحاول تهديد أمنها بالتصريحات التي كانت تصدر عن بعض فصائل المحاكم وتبشر بالاستيلاء على إثيوبيا والوصول إلى أديس أبابا، ومع تدخل إثيوبيا كان لابد من تدخل غريمتها إريتريا لدعم المحاكم ضد إثيوبيا وهكذا انتقل النزاع بين إثيوبيا وإريتريا من حدود البلدين إلى الصومال.
كانت إريتريا تطمح في استنزاف النظام الإثيوبي عسكريًا واقتصاديًا من خلال تسليح المحاكم وخاصة الأجنحة المتشددة التي ترى توسيع نظامها الإسلامي خارج الحدود، وكانت إثيوبيا ترى أن أي وجود إريتري في الصومال عسكريًا أم سياسيًا يمثل تهديدًا حقيقيًا لمصالحها وهكذا دخلت القوات الإثيوبية إلى الصومال لحماية الحكومة المؤقتة من السقوط في يد المحاكم ولتصفية أي وجود إريتري في الصومال، أما الهدف غير المعلن فهو الوصول إلى قلب العاصمة «مقديشو» للانتقام من الصومال الذي سبق أن وصلت جيوشه إلى مشارف أديس أبابا في صيف ۱۹۷۷م، وقد سحبت إثيوبيا قواتها من الصومال بعد أن عانت من الخسائر المادية والبشرية وكادت أن تنزلق في مستنقع يستنزفها تمامًا، لكن نفوذها لم ينته، وهي حريصة على استغلال الفرصة التاريخية التي ضعف فيها الصومال لتحقيق وضعية إقليمية متقدمة، وقد رحبت إثيوبيا بانتخاب «شريف»؛ ربما لأنه على خلاف مع «أويس» الذي تدعمه إريتريا.
أما الأخيرة التي اشتهرت في القرن الأفريقي بأنها العضو المشاغب، فهي أبرز الرافضين للمصالحة، فهي ترغب في استمرار المعارضة المسلحة التي تناصب إثيوبيا العداء.
الأمن
بعد انسحاب القوات الإثيوبية تسابقت المليشيات للسيطرة على المناطق المحررة وظهرت بوادر حرب من نوع جديد؛ حيث استخدم كل طرف الجهاد شعارًا له ضد الطرف الآخر ومنها: «حركة الشباب» «حركة أهل السنة والجماعة»، «معسكر رأس كامبوني»، «معسكر عانولي»، «المحاكم جناح د. عمر إيمان» وغيرهم.
وقد وقعت اشتباكات عدة خلال يناير الماضي؛ منها اشتباكات بين «حركة الشباب» وسكان «جرعيل» الذين أطلقوا على أنفسهم اسم حركة أهل السنة والجماعة مما أودى بحياة ٥٠ شخصًا، وأخرى بين «الشباب» و«المحاكم» في «بلعد» محافظة الشبيلي الوسطى بعد تنازع الفريقين للسيطرة على المدينة، وفي «ودجر وطركينلي» بين المليشيات والقوات الحكومية، وفي «طوسو مريب» بين مليشيات الشباب وأهل السنة أسفرت عن سيطرة أهل السنة على المدينة، كما هاجمت حركة الشباب «بيدوا» «مقر البرلمان» بعد مغادرة القوات الإثيوبية المدينة وسيطرت عليها.
وقد انتشرت أعمال القتل المدبر والاغتيالات والسيارات المفخخة والعبوات الناسفة والألغام والتي طالت سياسيين ومنتمين للمليشيات وإعلاميين وموظفي إغاثة.
احتمالات المستقبل يمكن للحكومة الجديدة أن تنجح في مهمتها إذا بدأ «شريف» في الوفاء بتعهداته وحقق سريعًا قدرًا من الأمن واستطاع على المدى القصير تحييد الحركات المسلحة، وتوفير فرص عمل وتعليم للمقاتلين الشبان بضمهم لقوات الأمن الوطنية، يساعده في ذلك سجله كرئيس سابق لاتحاد المحاكم في مقديشو، إذ كان عدد كبير من المقاتلين جزءًا من المحاكم وتعاني حركة الشباب من خلافات داخلية وكثير من المقاتلين الشبان يمكن إقناعهم بتغيير ولاءاتهم لأنهم انضموا للمليشيات لمجرد ضمان وظيفة ومنعة في مجتمع مضطرب، لكن كسب ولاء المقاتلين يتطلب دفع أجور لهم مما يستوجب ضخ أموال من الخارج لتشكيل قوة شرطة، مع العمل على إعادة بناء الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية.
ويتطلب ذلك استثمارات ضخمة، وهنا فإن كسب تأييد الدول العربية الغنية ربما يكون ضروريًا، وقد أبدى بعضها استعدادًا لدعم الصومال في مؤتمر للمانحين يعقد قريبًا.
وعلى «شريف» أيضًا، أن يختار رئيس وزراء يحظى باحترام في البلاد، والعمل على استرضاء القبائل التي ترى أنها فقدت ما كانت تتوقع من مصالح خاصة، ويساعده على نجاح مهمته أن تتوافر له عوامل من
قبيل:
- دعم شعبي واسع.
- دعم دولي مادي وسياسي.
- النجاة من الخلافات الداخلية والانشقاقات، وهي الآفة التي أتت على الحكومات السابقة.
التنظيمات المتشددة ليست لها قواعد شعبية لكنها تمثل تحديًا رئيسًا لحكم شريف خاصة أن لديها خيارات عديدة مثل حرب العصابات وحرب المدن
أما الفشل في تحقيق الأمن والاستقرار فقد يكون مرده إلى أسباب داخل النظام الذي يتكون من فريقين سبق أن تقاتلا ودخلا في أحلاف إقليمية ويختلفان في التوجهات الفكرية، فغالب جناح شريف إسلامي التوجه، بينما غالبية الطرف الآخر أمراء حرب سابقون، ويقوى احتمال الفشل إذا حدثت انشقاقات مبكرة عند تشكيل الحكومة المرتقبة وشعور بعض القبائل أو أمراء الحرب بالتهميش.
ولكن هل بإمكان المعارضة إفشال مشروع المصالحة؟
هذا الاحتمال يبدو ضئيلًا إذا لم تساعده عوامل أخرى داخلية، لأن التنظيمات المتشددة ليست لها قواعد شعبية لكنها تمثل تحديًا رئيسًا، خاصة أن لديها خيارات عديدة في حربها ضد الحكومة، منها حرب العصابات وحرب المدن، وبعض الفصائل تمثل مجموعات عقائدية صارمة قد تلجأ لأشد أعمال العنف إذا فقدت السيطرة على الأرض.
ومن المهم الاعتماد على تثبيت الأمن على الصوماليين أنفسهم؛ لأن تشكيل قوة تابعة للأمم المتحدة يأتي بنتائج عكسية إذ يعتبر نوعًا من التدخل الغربي مما يشجع على استمرار القتال.
كما أن إقناع العشائر بالوقوف خلف الحكومة مهمة كبيرة، وتحد فشل زعماء سابقون في التصدي له.
لقد جرب الصومال العديد من مبادرات المصالحة، لكن هذه المبادرة الأخيرة تحمل بعض عوامل النجاح مما يحيي الآمال في أن تكلل هذه المرة بالنجاح.