العنوان عواقب الجزع .. ومعينات الصبر
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر الجمعة 10-فبراير-2012
مشاهدات 115
نشر في العدد 1988
نشر في الصفحة 59
الجمعة 10-فبراير-2012
يروى أن أحد الحكماء ابتلي بمصيبة فدخل عليه إخوانه يعزونه في المصاب،
فقال: إني عملت دواء من ستة أخلاط، قالوا: ما هي؟ قال الخلط الأول الثقة بالله،
والثاني علمي أن كل مقدور كائن والثالث الصبر خير ما استعمله الممتحنون والرابع إن
لم أصبر أنا فأي شيء أفعل؟ لم أكن لأعين على نفسي بالجزع ومن أقوال أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب أعجب ما في الإنسان قلبه، فإن سنح له الرخاء أذله الطمع، وإن هاجه
الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن سعد بالرضا نسي التحفظ، وإن
أتاه الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمن استلبته الغرة، وإن أصابته مصيبة فضحه
الجزع، وإن استفاد مالًا أطغاه الغش.
لذا فقد جاء نصح الشاعر سديدًا حين قال :
لا تجزعن الخطب ما به حيل *** تغني وإلا فلا تعجز عن الحيل
وقدر شكر الفتى لله نعمته *** كقدر صبر الفتى للحادث الجلل
وقد أنشد آخر:
دع الأيام تفعل ما تشاء *** وطب نفسًا إذا حكم القضاء
ولا تجزع الأحداث الليالي *** فما لحوادث الدنيا بقاء
وكن رجًلا على الأهوال جلدًا *** وشيمتك السماحة والفضاء
مفهوم الجزع
الجزع مضاد الصبر، ومعناه اليأس والقنوط وهو حالة نفسية تضطرب النفس
البشرية عندها، وذلك إذا أصيب صاحبها بنائبة أو شدة أو مصيبة كالمرض، أو فقدان
عزيز، أو خسارة في المال ونحو ذلك مما يؤلم الإنسان ويحزنه.
والجزع من أسوأ الصفات التي تصيب الإنسان وأخطرها، حيث تؤدي بالإنسان
إلى الإحباط والقعود عن العمل، وعدم بلوغ الأهداف، وتفقده ذاته وشخصيته وذاته في
المجتمع، وتفضي به إلى الشقاء والتعاسة في الدنيا والآخرة، فتصير حياته مليئة
بالمنغصات والأوجاع، فلا يرى للسعادة ولا للراحة وجهًا يقول أعشى باهلة:
فإذا جزعنا فإن الشر أجزعنا *** وإن صبرنا فإنا معشر الصبر
ولقد جاء الجزع في مناظرة الضعفاء والمستكبرين يوم القيامة كما أثبتها
القرآن الكريم، قال تعالى ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ
جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ
تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ
قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا
أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ (إبراهيم:21)
عواقب الجزع
فساد القلب: في سياق حديثه عن الكبائر ذكر ابن القيم القنوط من رحمة الله واليأس
من روح الله، وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريما من الزنا وشرب الخمر وغيرهما
من الكبائر الظاهرة، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها والتوبة منها، وإلا
فهو قلب فاسد، وإذا فسد القلب فسد البدن.
الحزن والهم وضياع السكينة: يقول عبد الله الجربوع اليأس من روح الله والقنوط من رحمته يؤدي إلى
ترك العمل وهذه طامة من الطوام وكبيرة من كبائر الذنوب تخرج القلب عن سكينته وأنسه
إلى انزعاجه وقلقه وهمه.
ويقول الشوكاني عن الإنسان إذا مسه الشر من مرض أو فقر كان يؤوسا شديد
اليأس من رحمة الله، وإن فاز بالمطلوب الدنيوي، وظفر بالمقصود نسي المعبود، وإن
فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف، وغلب عليه القنوط، وكلتا الخصلتين قبيحة
مذمومة.
الانهيار: فالصابرون ثابتون راضون مطمئنون، واليانسون مدمرون متهالكون منهارون،
وانظر إلى حال نبي الله يوسف عليه السلام وقد ثبت في محنه المتعددة المتنوعة محنة
كيد الإخوة، ومحنة الجب، ومحنة العبودية والرق، ومحنة كيد النساء، ومحنة السجن ظلمًا
وافتراء، فكان مع ذلك كله صابرًا راضيًا، فاستطاع بذلك أن يحول المحن إلى منح!
ثم انظر إلى تلك الأعداد الضخمة من البشر التي خوت قلوبها من الإيمان
والصبر فجزعوا وينسوا وقنطوا ولم يرضوا بقدر ربهم فانتحروا وأزهقوا أرواحهم، ومن
ثم ضيعوا دنياهم وآخرتهم وما أروع تشبيه رسولنا الكريم الذي يقول فيه «مثل المؤمن
كمثل الزرع من حيث أتتها الريح كفاتها، فإذا سكنت اعتدلت وكذلك المؤمن من يكفأ
بالبلاء، ومثل الفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء» (رواه
الشيخان).
ما أدق هذا التشبيه وأجمل به، إذ يصور المؤمن كالزرع الذي إذا ما اشتدت
عليه الريح بعواصفها فإنه يميل كي يتحمل
الصدمة، فإذا ما هدأت الريح أعتدل الزرع أما الفاجر فلا يطيق المصيبة، ولا
يتحملها، ولا يرضى بها، فيجزع فتكسره.
الاستمرار في المعصية
يقول أبو قلابة الرجل يصيب الذنب فيقول: قد هلكت ليس لي توبة، فييأس
من رحمة الله وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ
لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف:
87)
الفتور والكسل والحرمان من الذكر: قال ابن حجر الهيتمي: "القائط آيس من نفع الأعمال، ومن لازم ذلك
تركها "ويقول فخر الدين
الرازي في قوله تعالى ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ (الإسراء:
83) أي إذا مسه فقر أو مرض أو نازلة من النوازل كان يؤوسا شديد اليأس من رحمة
الله، إن فاز بالنعمة اغتر بها، فنسي ذكر الله، وإن بقي في الحرمان عن الدنيا
استولى عليه الأسف والحزن، ولم يتفرغ لذكر الله، فهذا هو المسكين محروم أبدا من
ذكر الله.
ضياع الإيمان: فمن
جزع من بلائه ولم يصبر فقد قلبه الإيمان، ودليل ذلك حديث رسول الله، حيث يقول:
«عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته ضراء
صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له» ( رواه مسلم).
فالصبر روح الإيمان، وكما أن الإنسان روح وجسد ولا يستطيع الجسد أن يعيش دون روح كذلك فإن الصبر روح الإيمان، فلا إيمان دون صبر يقول علي بن أبي طالب الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس مات الجسد (قوت القلوب).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل