; عواطف المسلمين نحو بيت الله الحرام جياشة... ولكن | مجلة المجتمع

العنوان عواطف المسلمين نحو بيت الله الحرام جياشة... ولكن

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-2000

مشاهدات 58

نشر في العدد 1432

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 26-ديسمبر-2000

رؤية المسلمين حين تسيل بهم الأودية وتتدفق بهم الطائرات، وتفيض بهم العربات والطرقات في لهفة وشوق ووله وحب، وعاطفة وحنين إلى بيت الله الحرام، شيء يثلج الصدر، ويأخذ بالألباب، والنظر إلى العيون الدامعة والقلوب الوجلة، والعواطف المشبوبة والوجوه الخاشعة وهي في جوار البيت أمر يدهش المتأمل ويحرك الجماد لروعته وجمال بهائه وسمو روحانيته ونضرة مبتغاه.

كم هو مؤثر وعميق الدلالة أن ترى الشيخ الفاني الذي يتهادى بين اثنين لا تكاد تحمله قدماه يجالد الوهن ويجالده، ويصارع الهرم ويصارعه، مقبلاً على ربه وساعيًا إلى منسكه كأنه يزف إلى عروس أو يذهب إلى حبيب طال غيابه وعز لقاؤه.

وكم هو لافت ورائع أن ترى الرجل وزوجته يحملان الصغار في الطواف والسعي رغم الزحام والشدة والجلاد راضين مبتهجين داعين راجين من الله المغفرة والثواب والأجر والقبول، ثم ترى المريض الذي لا يستطيع بذل الجهد أو إتمام الطواف أو السعي يدفع من قوته وقوت أولاده الكثير ليحمل على الأعناق ويطاف به ويسعى حتى يؤدي المناسك، ويشارك هذا الجمع الكبير هذه العبادة الطيبة وينال تلك النفحات الكريمة، وقد تنظر إلى أحدهم يحمل كفنه في رحله علّه يرزق الموتة الكريمة، ويدفن في الأرض الطيبة والمكان الطاهر الذي جعله الله للناس مثابة وأمنًا.

ثم ترى أكف الضراعة مرفوعة وألسن الحمد مشروعة، وأصوات الدعاء مسموعة تنادي ربها في ولهٍ ظاهر وخوف قاهر تطلب منه تفريج الكروب ورحمة القلوب وهداية النفوس تريد أن تتزود من التقوى وتأخذ من يومها لغدها، ومن يسرها لعسرها ومن نفحاتها لكرباتها وصدق الله:   ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 197)  تريد أن تصل ركبها بركب المتقين والسابقين والقائمين والراكعين والمتصدقين، وأن تعيش ولو للحظات تلك البركات العظيمة والنفحات الجليلة في دعوة إبراهيم عليه السلام: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37) تريد أن تعيش الذكرى، وتحيي العبرة، وتحمل ألسنة تريد أن تعيش الذكرى عملاً، وتحياها فعلاً وتتمثلها كيانًا شاخصًا هذا شيء فصرح يمثل للمسلمين أملاً باسمًا وذخيرة مدخرة وقوة مستعدة، واحتياطيًّا هائلاً، وزخمًا ممدودًا لنهضة الأمة بإيمانها ورسالتها وعقيدتها، وهويتها التي ما زالت تعيش بها وترتبط بأهدابها وتتعلق بخيوطها، ولا شك أن هذا يحزن الأعداء ويذهب كيدهم؛ لأن أعداء الأمة راهنوا كثيرًا على مشاعر الشعوب المسلمة وغزو عقولها ولفت توجهها وترويض عواطفها فإذا بها تخفق تمامًا أمام الكعبة وأمام المشاعر الحرام وأمام تلك العقيدة الصلدة والروحانية الغامرة التي لا يقف أمامها شيء، والتي ما راهن عليها إنسان أو على خفوتها قوة إلا انتكست على أعقابها وردت على أدبارها وباءت بالخسران المبين.

غير أن هذه العواطف الجياشة، وهذا الحنين الغامر لا يُجدي بدون وعي وفهم وثقافة وعمل، هذه العواطف، تحتاج إلى سياج يضمها وطريق يهديها ويد تقودها وقيادة ترشدها حتى تؤتي أكلها وتعطي ثمرتها.

فليس بالحنين وحده تسود الأمم، ولا بالمشاعر وحدها تنهض الشعوب، وقد ترى مع هذا الحب وهذه العواطف وهذا الوله في المشاعر، عدم الفهم والتأخر، وفقدان النظام، وعدم القدرة على استيعاب الحكمة من الفريضة أو من الشعيرة، تجد هذا سمة عامة وصفة لازمة للجموع المباركة، تجد آداب الإسلام منسية، وآداب الأخوة ضائعة والأحاسيس منزوعة، فمثلاً الجهل بالشعائر وبالحكمة منها، وبآدابها ونظمها وما ينبغي أن تؤدى به سمة لازمة لمعظم الناس إلا من رحم ربك، وتجد الناس مقلدين كأنهم يؤدون طلاسم ويرددون تعاويذ لا تجد الاحتساب من المسلم لأخيه أو الخدمة اللازمة من المسلم للمسلم ولا الشعور بشعوره فضلاً عن إيثاره على النفس أو التعاون على الخير أو طلب الأجر بخدمته في هذه المواقف، كما لا تجد الحرص على النظافة التي حض عليها الإسلام، وجعل المسلم بها كالشامة البيضاء ولهذا يظهر كثير من الأمراض في هذه التجمعات رغم العناية الصحية والنظافة الدائمة والرعاية المتواصلة من المملكة، كما لا تحس بالرحمة أو الرأفة بالضعيف مع أن المسلمين كالجسد الواحد، بل تجد من يقول نفسي نفسي وفرحتي فرحتي، ولا يخفى على أحد كثرة الأعداد التي يلزمها التراحم ويعوزها التعاون على البر والتقوى، حتى يتم استيعاب هذه الأعداد، ولكنك قد تجد إنسانًا أو مجموعة من الناس الأقوياء يؤذون الضعفاء في طوافهم أو سعيهم غير عابدين ولا مكترثين ولا فاهمين أن هذا قد يذهب الثواب بالكلية، بل قد يجلب الآثام ويبطل الأعمال ويأتي بعكس المقصود تمامًا، فيرجع الإنسان رغم التعب والنصب دائما غير مأجور ولا مثاب، وقد تجد إنسانًا آخر يجلس في مكان للصلاة ولا يريد أن يفسح لأحد أو يسع إنسانًا بجانبه ليصلي قد يعمل على طرده من المكان وإيذائه باللسان أو الدفع باليد وغير ذلك.

هذه لا شك مسالب شائعة، ينبغي أن تدرس وتعرف أسبابها ومصادرها لأن هذه العادات والأعمال دخيلة على المجتمع الإسلامي، فينبغي استئصالها وحث المسلم على الالتزام بتعاليمه إن أراد أن يحصل الثواب ويأخذ الأجر، ويجب أن يكون هناك عمل جاد للعلماء والجمعيات الخيرية لتوعية الناس بدينهم وشعائرهم، ثم لا ينبغي أن تختصر رسالة الإسلام في تلك الشعائر، بل يعلم أن هذه الشعائر محضرات ومعينات للقيام بأعباء الرسالة من تجمع للمسلمين والعمل على وحدتهم كما وحدهم ربهم حول كتابهم وقبلتهم، وعلى التجرد والإخلاص لله سبحانه ولدينه ولكتابه، كما ينبغي تحت هذه الوحدة أن يكون جهاد لنيل الحقوق ورفعة الشأن وحماية الديار وأن يرجع للجسد المسلم عافيته وقوته، فهل نستطيع أن نستغل تلك العواطف وهذه المشاعر ونوظفها لخدمة الإسلام والمسلمين؟ نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :