العنوان عن سلطة الأمة والديمقراطية.. في قرغيزستان
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-2000
مشاهدات 53
نشر في العدد 1419
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 26-سبتمبر-2000
● المؤرخ ويلز: المحكمة المقدسة في رومَا لا يذكرها أحد من الغربيين إلا ويصيبه الاضطراب وتتفجر منه كلمات الرعب.
بدعوة من الدكتور عادل الفلاح- رئيس مجلس إدارة لجنة مسلمي آسيا. ومن وزير الأديان في جمهورية قرغيزستان شاركت في المؤتمر الدَّوْليّ الأول الذي عقد في العاصمة بشكيك في السابع من سبتمبر الجاري، تحت رعاية رئيس قرغيزستان الذي حضر المؤتمر. وكان عن حاضر الإسلام ومستقبله
وقد أصر المسؤولون عن أكاديمية العلوم هناك على أن ألقي محاضرة في الأكاديمية بعد انتهاء المؤتمر، وذلك عن الديمقراطية وسلطة الأمة في الإسلام، وقد عقب الأستاذ فهمي هويدي على المحاضرة وشارك معي في الإجابة عن الأسئلة، وقد استغرق ذلك أربع ساعات لهذا أسطر ملخصًا للمحاضرة:
اختارت أوروبا النظام الديمقراطي الذي يتمثل في إعطاء السيادة للأمة في اختيار الحاكم وفي إصدار القوانين.
هذا الاختيار الذي تأخر. فلم يكتمل إلا في العصر الحديث جاء به الإسلام فيمَا يتعلق باختيار الحكام ومحاسبتهم، وعزلهم واختيار القوانين التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية القطعية، وحتى تتضح المقارنة يجب الإشارة إلى أنه قد أنزل القرآن الكريم بهذه القواعد في القرن السابع الميلادي حيث كانت أوروبا في القرون المظلمة أو الوسطى، حيث كان البابوات يحكمون نيابة عن الله بزعمهم، وهو ما عرف هناك باسم الحكم الديني أو الحكومة الدينية، وفي ظل هذا الحكم زعم الباباوات أنهم مصدر المعرفة في كل شيء وليس في الدين فقط ولهذا صلبوا وسحقوا وحرقوا الآلاف ممن تجرؤوا على البحث في الطب أو الفلك أو غير ذلك من أمور الدنيا.
لقد خالف البابوات الإنجيل الذي زعموا أنهم يحكمون به ففيه من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الآخر ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ. ثوبك فاترك له الرداء أيضًا، «إنجيل متى ٤١/٥ و٤٢».
فالإنجيل الذي بين أيديهم لا يسمح لرجال الدين أن يحكموا ويأمر أتباعه أن يتنازلوا عن حقهم لكن البابوات أعطوا أنفسهم حقوقًا في مواجهة شعب الكنيسة، وفي مواجهة الحكام، مما أوجد الصراع بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية. هذا الصراع قد رجحت معه كِفّة رجال الدين حينًا من الزمن لتحصنهم بالسلطة الكهنوتية التي تخولهم صكوك الغفران والحرمان، كما خولتهم حق التحليل والتحريم، وبهذا أحلوا كثيرًا من المحرمات وحرموا كثيرًا من المباحات.
فمثلًا أحلوا عبادة التماثيل، وكانت من الوثنية والشرك بالله، كما أحلوا لحم الميتة وكانت محرمة، كما حرموا البحث في علوم الطب والهندسة والكيمياء والجغرافيا، واعتبروا ذلك من- السحر الأسود وعقوبته الإعدام. يذكر المؤرخ، «ويلز»، في كتابه «معالم تاريخ الإنسانية»، أن البابا «أتوسنت»، قد شن حربًا مقدسة ضد الكاثاريون، وهم الذين لم يتخلوا عن المسيحية، إنما طالبوا بحياة مسيحية حقيقية تستمد أصولها من الكتاب المقدس الذي ينكر على رجال الدين الغنى والثراء الفاحش والتحليل والتحريم، فمَا كان من البابا إلا أن صرح لكل نذل زنيم ومتشرد أثيم أن ينضم إلى الجيش ليحارب هؤلاء بالسيف والنار، وأذن لهذا الجيش أن يغتصب الحرائر من النساء، ويرتكب كلّما يتصوره العقل من المحرمات (۱) كما يذكر المؤرخ، «ويلز» أن «المحكمة المقدسة» في رومَا لا يذكرها أحد من الغربيين إلا ويصيبه الاضطراب، وتنفجر منه كلمات الرعب عن الضحايا الذين أزهقت أرواحهم، أو السجناء الذين أذاقتهم المحكمة ألوان التعذيب، حيث كان لهذه المحكمة الأم ولسائر المحاكم التي عرفت باسم محاكم التفتيش كان لها العديد من السجون المظلمة تحت الأرض بها غرف خاصة للتعذيب وآلات لتكسير العظام وسحق الأجسام وقد كان الشخص يعتقل بلا أي اتهام ويعذب لمعرفة مدى مخالفته لآراء رجال الدين ومن كان له خَصْم وأبلغ المحكمة عنه بتهمة إنكار شيء مما يقول به رجال الدين، فإن مصيره أن تقطع أشلاؤه ويقرض لحمه بالمقراض إذا ظل منكرًا لهذا الاتهام (۲)
محاكم التفتيش:
ولقد كان من ضحايا محاكم التفتيش كل أوروبي تأثر بالعلوم التي تسربت من الأندلس وكان المسلمون الأندلسيون هم الضحية، حيث أبيدوا إبادة تامة بأبشع ما عرفته البشرية من أنواع التعذيب والإبادة، ولهذا انتهت الثورة الفرنسية إلى عزل الدين المسيحي عن الدنيا بما عرف بجعل السيادة للأمة في اختيار الحاكم
وفي إصدار القوانين السيادة وسلطة الأمة في النظام الإسلامي: ينفرد النظام الإسلامي عن النظم البشرية والنظم الدينية في أوروبا بإرساء نظام الحكم أو الخلافة على قواعد تتلخص في الآتي:
أولًا: رئاسة الدولة تستمد من سلطة الأمة عن طريق الاختيار؛ حيث روى البخاري أن النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ قال للأنصار: «أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم» (۳).
هؤلاء النواب الذين اختارهم الشعب يختارون الحاكم ويحاسبونه ويعزلونه لقول النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان» (٤).
ثانيًا: يباشر الحاكم عمله ومهمته بمقتضى عقد بينه وبين الشعب، وذلك عن طريق عهد وعقد بين الحاكم وبين الأمة «البيعة»، وهي بيعة خاصة بينه وبين أهل الحل والعقد كنواب عن الشعب ثم بيعة عامة بينه وبين الناس جميعًا، والبيعة تؤكد أن الحاكم من الأمة وينوب عنها.
وأهل الحل والعقد ينوبون عن الأمة ويمثلون العلماء وحكام الأقاليم ورؤساء القبائل والمجموعات المهنية والعلمية.
ثالثًا: يرتكز هذا النظام على الشورى، وهي تختلف عن الديمقراطية في أمور وتتفق معها في أمور.
سلطة التشريع:
أ- النظام الديمقراطي يخول نواب الأمة سلطة التشريع من دون الله، ولا يجوز لأحد في الإسلام التشريع مع الله، لأن أهل الشورى كسائر الناس ليس لهم ولا للحكام عصمة تخولهم التحليل والتحريم، أما الأمور الاجتهادية وما لا نص فيه وهو كثير جدًا فلهم التشريع فيه فالسلطة التشريعية ليست مطلقة بل مقيدة بالشريعة الإسلامية، فلا يجوز التشريع إلا من خلال القرآن والسنة، ولا يجوز الاستبداد بالسلطة وإهدار الحقوق والحريات لمجرد أن أغلبية المجلس قد وافقت على ذلك، فهذه الحقوق ثابتة في القرآن والسنة فلا يملك أحد أن ينتقص منها (٥).
ب- وتتفق الشورى مع الديمقراطية في أمور أهمها أن الأمة هي التي تختار أهل الشورى وهي التي تختار الحاكم ولها عزل هؤلاء ومحاسبتهم، ففي بيعة العقبة الثانية حضر سبعون رجلًا من أهل المدينة، فقال لهم النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ «أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم» (٦)، والنقيب هو المعني بشؤون القوم (۷).
ولقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عبادة ابن الصامت أنه في بداية حكم النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ بالمدينة المنورة، تم اختيار هيئة من نقباء المهاجرين والأنصار- أي من النقباء الذين اختارهم المسلمون- فكان هذا المجلس يتكون من أربعة عشر شخصًا، نصفهم من نقباء المهاجرين ونصفهم من نقباء الأنصار (۸).
هؤلاء كانوا يختصون بإصدار القرارات أما الشورى فلم تكن قاصرة على هؤلاء، بل كانت تشمل الجميع، وقد استشار النبي الله زوجته أم سلمة في أمر الذين عارضوا صلح الحديبية (٩).
فالبيعة عقد يلزم الشعب بالطاعة والولاء للحاكم في غير معصية، قال تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل: ٩١) وعن عبادة بن الصامت قال: دعانا رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ فبايعناه، فكان فيمَا أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا وألا تنازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان (۱۰).
لهذا عرف ابن خلدون البيعة بأنها العهد على الطاعة، وهي تدل على أن الخليفة أو الأمير أو الحاكم نائب عن الأمة (المقدمة: ٥٤٩/٢).
وبيعة الطاعة هي البيعة العامة من الشعب وهي عقد بين الشعب والحاكم، وتجعل الطاعة للحاكم ما أطاع الله ورسوله، وفي صدر الإسلام جرى العرف أن تسبق بيعة الطاعة بيعة أخرى من أهل الشورى، وهم الذين يختارون الحاكم ويرشحونه للناس، وهذه بيعة الانعقاد (۱۱).
ويعزل الوالي إذا أخطأ، أو أهملَ أو خَانَ الأمانة الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٠ (۳۱).
لقد خرج عمر بن الخطاب يومًا إلى سوق المدينة، فجاء رجل يقول واعمراه، فلما سأله عن خبره، قال له «إن عاملًا من عماله أمر رجلًا أن ينزل في واد ينظر عمقه، فرفض الرجل، ولكن الوالي أرغمه على النزول إلى الوادي، مما كان سببًا في وفاته، فاستحضر عمر الوالي وقال له: «أما لولا أني أخاف الله أن تكون سنة من بعدي لضربت عنقك، ولكن لا تبرح حتى تؤدي دينه والله لا أوليك أبدًا».
وقد سار الخلفاء الراشدون على عزل الوالي المجرد الشبهة، ولم يثبت ضده فعل شائن فقد عزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعض ولاته. لأنهم قالوا شعرًا يضعهم موضع الشبهة.
يقول الإمام العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام إذا أراد الإمام عزل الحاكم، فإن أرابه منه شيء عزله لما في إبقاء المريب من المفسدة، وإن لم تكن ريبة فله أحوال:
الحالة الأولى: أن يعزله بمن هو دونه، فلا يجوز عزله، لما فيه من تفويت فضله على غيره وليس للإمام تقويت المصالح من غير معارض.
الحالة الثانية: أن يعزله بمن هو أفضل منه، فينفذ عزله، تقديمًا للأصلح، لما فيه من تحصيل المصلحة الراجحة للمسلمين.
الحالة الثالثة: أن يعزله بمن يساويه، فقد أجاز بعضهم ذلك لما له من التخيير عند تساوي المصالح، وكما يتخير بينهما في ابتداء الولاية وقال آخرون لا يجوز لما فيه من كسر العزل وعاره بخلاف ابتداء الولاية، فإن قيل ينبغي أن يجوز لما فيه من النفع للولي قلنا حفظ الموجود أولى من تحصيل المفقود، ودفع الضرر أولى من جلب المصلحة، وهذا معروف بالعادة، وقد قال صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا، ثم لم يجهد لهم وينصح لم يدخل الجنة معهم قواعد الأحكام لابن عبد السلام ۸۱۰۸۰.
التعددية والنظام الإسلامي:
لا يجهل باحث أن النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ في أول يوم الحكمة في المدينة المنورة قد أقام حكم الإسلام على أساس التعددية، واحترام الرأي الآخر والدستور الذي وضعه لذلك وعرف بالوثيقة هو أكبر دليل على ذلك ففيه أن اليهود أمة مع المؤمنين وأن لهم دينهم وللمسلمين دينهم ثم ظهر في عصر الصحابة وعصر التابعين جماعات وأحزاب معارضة مما يمكن أن يشكل نوعًا من التعددية تناسب ذلك العصر.
فعلى سبيل المثال:
۱- المعارضة ضد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه- ظهرت بعد عشر سنوات من خلافته على أيدي جماهير من أهل مصر والشام زحفوا إلى المدينة واتهموه بأمور، وأبي أن يرد عليهم إلا في المسجد أمام الجميع حتى يعلموا الحقائق، فزعموا أنه فتق أمعاء عمار بن ياسر، وكسر أضلاع ابن مسعود، وابتدع جمع القرآن، وأبطل سنة القصر في الصلوات في السفر، وعلا منبره على منبر النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ وتخلف عن بيعة الرضوان وغير ذلك من الأكاذيب، فنفى هذه الاتهامات، وأيده الصحابة- رضي الله عنهم وبينوا أن جمع المصحف حسنته الكبرى، وأما تركه القصر في الحج فقد تزوج بمِنى واعتبر نفسه مقيمًا، وتبين للجميع أن على منبره على منبر رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ مجرد فرية فهو يخطب على المنبر نفسه دون زيادة أو نقص ومع هذا فبعد انصراف الثوار إلى بلادهم عادوا وحاصروا بيته فرفض أن يتعرض لهم أحد بسوء وظل يحاورهم حتى قتلوه (۱۲).
٢- المعارضة ضد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب- رضي الله عنه. لمطالبته بسرعة محاكمة قتلة سلفه، وكان من أبرز المعارضين له الصحابة الأجلاء طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين- رضي الله عنهم جميعًا.
بل تخلف قوم عن بيعته بغير عذر شرعي كما يقول علامة أهل السنة الفقيه الأندلسي ابن حزم حيث يؤكد أنه لا شك في إمامته (۱۳).
ولم تكن هذه المعارضة سلمية وعن طريق الحوار، بل تطورت إلى حرب ضروس كموقعة الجمل، وموقعة صفين التي نتج عنها التحكيم بين الخليفة يناصره أهل الحجاز، وبين معاوية بن أبي سفيان يناصره أهل الشام.
إن تعدد الأحزاب والنقابات والهيئات والجماعات هو مثل المذاهب السياسية والفقهية في الماضي، فقد وجدت في العصر الإسلامي الأول فرق المعتزلة، وكذا الخوارج وهم نحو عشرين فِرْقَة، والشيعة وهم نحو ذلك، فضلًا عن مذاهب أهل السنة وهي كثيرة.
وقد سمح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بوجود حزب أو جماعة مخالفة لجماعة غالبية المسلمين التي تجاهد معه وتؤيده، وذلك على الرغم من أن الجماعة الخارجة على الخليفة والتي سميت بالخوارج، تنادي بكفره والخروج عليه وعزله، ولما طالب أنصاره بتكفيرهم بمثل ما كفروا الخليفة قال: «هم من الكفر فروا» (١٤).
ولما سئل كيف تحكم بإسلامهم وهم يحكمون بكفرك؟ قال: «إن لديهم شبهة أنني كافر، وليس عندي أي شبهة في كفرهم...».
ووضع الخليفة قواعد للتعامل مع الخوارج الذين يحملون السلاح ضد الدولة، وهذه القواعد هي (١٥):
١- لا نبدؤكم بقتال حتى تقاتلونا.
٢- لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله أي تقولون ما تعتقدون أنه الحق.
٣- لا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم في أيدينا، أي إن لهم نصيبًا في مخلفات الحرب مع الأعداء.
الخلافة والحكم المدني:
لقد كانت الخلافة الإسلامية حكمًا مدنيًا وليست حكمًا دينيًا بالمفهوم الأوروبي، فالحكم الديني عندهم أن يحكم رجال الدين وهم أيضًا يختصون بالتشريع وبالمعرفة في الدين والدنيا والنظام الإسلامي ليس إلا حكمًا مدنيًا وإن سمي بالخلافة.
لقد سميت رئاسة الدولة في النظام الإسلامي بالخلافة، وهي خلافة النبي الله في أمر الدين والدنيا معًا، وقد سمى المسلمون أبا بكر خليفة لأنه خلف النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ في الأمة، وهي تختلف عن الحكومة الدينية التي ظهرت في أوروبا في العصور الوسطى في أمور رئيسة أهمها:
أن رئيس الدولة ليس خليفة عن الله، ولهذا نهى أبوبكر، وهو الخليفة الأول- أن يقال عنه ذلك. وقال لكنى خليفة رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ (١٦).
2- أن خلافته للنبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ في أمر الدين لا تعني بحال أن له عصمة تخوله التحليل والتحريم. أي التشريع بالإلهام أو بأي وسيلة أو طريقة. بل يختص بحراسة الدين وتطبيق الأحكام الواردة في القرآن الكريم، وفيما ثبت من السنة النبوية.
لهذا عندما سئل علي بن أبي طالب هل خصكم رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ بشيء، قال: من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة فيها أسنان الإبل وشيء من الجراحات، فقد كذب (۱۷).
أن الخليفة أو رئيس الدولة وكذا سائر أعضاء مجلس الشورى، يختارهم المسلمون اختيارًا حرًّا بالوسائل المناسبة لكل عصر ومدينة، فقد أوكل النبي إلى الأنصار من أهل المدينة أن يختاروا من بينهم رؤساء لهم. فالأمة تختار الحاكم وتحاسبه وتعزله ولا يوجد في الإسلام رؤساء معينون من الله، كما هو شأن النصارى في دعواهم أن البابوات يعينهم الله تعالى ومن ثم فهم معصومون من الخطأ (۱۸).
وما يفتون به هو من عند الله، لقد نزل القرآن ليبطل هذه المزاعم، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣١).
الهوامش:
معالم تاريخ الإنسانية: ٩٠٥/٢.
حرية الفكر السلامة موسى ص ٦٢ ط بيروت ١٩٦١م .
فتح الباري لابن حجر ٢٠/١٧ ومسند أحمد ۳۲۲/۳ ٣١٤/٥، والسنن الكبرى للبيهقي ٩/٩ والمستدرك للحاكم ٦٢٤/٢، والسيرة لابن كثير: ۱۹۸/۲، وابن هشام ٦٤/٢ .
فتح الباري لابن حجر الفتن ١١٣/١٦، وسيرة ابن هشام ٤٢/٢.
أصول الفكر السياسي للدكتور ثروت بدوي ص ۱۲۸.
وإتمام الوفاء في سيرة الخلفاء للشيخ محمد الخضري ص ٢٣، والنظم السياسية للدكتور عبد الغني بسيوني من وانظر تفصيل ذلك في كتابي الإسلام لا العَلمانية.
سبق تخريجه.
المعجم الوسيط ص ٩٤٣.
مسند احمد: ٣١٤/٥، وانظر قواعد نظام الحكم للخالدي ص ١٨٤.
تاريخ الطبري ٦٣٧/٢ ومغازي الواقدي ٦١٢/٢ ١٠.
10- فتح الباري الفتن ١١٣/١٦
11- فتح الباري ۲۱۲/۱٠، وابن كثير ٤٦٧/١، وسنن أبي داود كتاب الخراج والإمارة باب ٣٣ الحديث ٣٠٥٢ وصحيح مسلم ١٤٨٣/٢ ومجمع الزوائد ٢٩/٦.
12- انظر العواصم من القواصم لابن العربي ص ٦٢ وتحقيق هذه المفتريات وغيرها في كتاب الخلافة والخلفاء الراشدون للمؤلف ص ٢٣٦- ٢٤٥، عن الزهراء للإعلام العربي بمصر.
13- جوامع السيرة لابن حزم ص ٣٥٥ دار المعارف بمصر.
14- إيثار الحق على الخلق للإمام محمد المرتضى ص ٤٣٧.
15- الفرق بين الفرق للبغدادي ص 11.
16- مقدمة ابن خلدون ص ٦٨٩ ط لجنة البيان العربي.
17- رواه الإمام مسلم عن الإمام علي رضي الله عنه.
18- الخلافة والخلفاء الراشدون للمؤلف ص ٧٠٥٥ الزهراء بمصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل