; عنف إندونيسيا.. أسبابه واتجاهاته | مجلة المجتمع

العنوان عنف إندونيسيا.. أسبابه واتجاهاته

الكاتب أحمد دمياطي بصاري

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-2000

مشاهدات 76

نشر في العدد 1407

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 04-يوليو-2000

▪ مخاوف مزدوجة من تفكك الجمهورية المتحدة أو أن يكون «الإنقاذ» في عودة الحكم العسكري

▪ لم يحقق الرئيس وحيد شرعية الحكم حتى اليوم.. كما لم ينجح في إنقاذ الروبية

التداعيات السياسية والاجتماعية للأزمات الاقتصادية في إندونيسيا لم تنته بل زادت الأوضاع السياسية والاجتماعية الداخلية سوءًا، ولم تبرز أي ملامح للتحسن في المستقبل القريب، وإذا سألنا أحدًا من عامة الشعب: أيهما أفضل الحياة في جو إندونيسيا الجديدة العبارة التي اصطلح على إطلاقها بعد سقوط سوهارتو- أم أيام سوهارتو؟ فلا نستغرب أن نجد الرد يا ليت تلك الأيام السالفة تعود مرة أخرى.

فإذا أمعنا النظر إلى حاضر إندونيسيا الآن نجد بينه وبين ماضيها فرقًا شاسعًا، إذ إن الشعب الذي كان يتسم بالكرم والتسامح والمحبة والعطف وما أشبه ذلك من أخلاق طيبة تجسدت فيه خلال العقود المنصرمة، سرعان ما تحول إلى حالة من الاضطراب والقلق حيث ذابت تلك القيم السامية وتلاشت المعايير الاجتماعية القيمة إزاء التغيرات الجذرية- اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا- التي طرأت مؤخرًا، فانتشر البغض والغيرة الاجتماعية وصار العنف وسيلة يحتكم إليها كل يوم سواء مع الحكومة أم بين الناس بعضهم البعض.

وجدير بنا أن نتساءل هل هذا التحول نتيجة خيبة أمل في المسيرة نحو المستقبل الموعود أم هو مجرد التحول رغبة في البحث عن هوية أخرى أم أن الشعب أصبح ضحية المسرحية الصراع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الجاري.

▪ أعمال العنف الأخيرة

1- العنف الجماعي الانفعالي «Reactionary Collective Violence»

على هذا الصعيد، ظهرت ظاهرة جديدة مؤداها أن حل أي قضية لا يكون إلا بالعنف والشدة الدامية ولا ينحصر الأمر بعامة الشعب فحسب، بل إن بعض طلبة الجامعة يلجؤون إلى استخدام العنف وهم طليعة في الشعب كما رأينا يوم الجمعة ٢٦ مايو الماضي، إذ قام طلبة الجامعة بقيادة هيئة الطلبة للديمقراطية الوطنية وهيئة شبكة المدينة «Jarkot»- حركات الشباب المسيحية الذين كانت لها نزعة يسارية- بإحراق خمس حافلات عسكرية ومكتب للشرطة في جاكرتا، وسبقتها بأسبوعين تقريبًا أعمال عنف مماثلة في المركز التجاري «جلودوك» في جاكرتا.

2- العنف الجماعي العصري «Modern Collective Violence» ثم لم تمض أيام حتى وقع حادث تفجير كنيسة ج ك ف... GKPI في مدينة ميدان في سومطرة الشمالية. ثم تلاه حادث تفجير سيارة مفخخة بمتفجرات في مدينة نجنجوك في جاوة الشرقية، فضلًا عن اندلاع موجة أعمال العنف الثانية بين المسلمين والنصارى في مدينة فوسو بولاية سولاويسي الوسطى في أبريل الماضي وكانت الموجة الأولى في ديسمبر «۱۹۹۹م». واستمرت إلى ٣١ يونيو الماضي راح ضحيتها حوالي ٣٦٥ قتيلًا وهرب بضعة آلاف إلى الغابات المجاورة، فضلًا عن استمرار أعمال العنف في جزر مالوكو حيث يتزايد سقوط الضحايا مع الأيام كما يتزايد عدد النازحين الفارين من العنف «حوالي ٤٤٩، ٢٨٦ شخصًا».

3- العنف الجماعي البدائي Violence Collective Primitive حيث يلجأ البعض إلى تنفيذ القصاص بنفسه فقد أحرق خمسة سارقين أمام الناس في جاكرتا، وكثير في مثل هذه التصرفات المخالفة للشرع والقانون تحدث الآن. فقد أصبح بعض أفراد الشعب قضاة بسبب ضياع نفوذ الحكم وهيبته.

إن أعمال العنف والجريمة الآن ليس لها مثيل في تاريخ إندونيسيا المعاصر إلا في فترة الستينيات عندما وقعت مجازر الشيوعيين لكنها الآن أشد من سابقتها، لأن العنف أصبح شائعًا بين كثير من الناس.

▪ العوامل المؤدية لانتشار العنف

يتفق الباحثون الاجتماعيون كأمثال ليفنسون Levinson «١٩٩٤م» وتريارديس Triardis ١٩٩٤م على أن كثيرًا من أعمال العنف الجماعي تنشأ بسبب غياب القناعة الاجتماعية، وغالبًا ما يكون لأسباب اقتصادية أو بسبب الخلافات بين القوى السياسية فماذا عن أسباب العنف الجماعي في إندونيسيا؟:

1- إذا لاحظنا منهج أعمال العنف والجرائم الحالية في إندونيسيا نجد أن ثمة تماثلًا منهجيًا بين حادثة وأخرى، ورأى روني نيتيباسكارا الأستاذ المتخصص في الجريمة في الجامعة الإندونيسية أن مثل هذه الجرائم يمكن أن نعتبره كنموذج الجريمة التقليدية Crime Imitation Model بالنظر إلى أساليب القيام بها من مكان إلى آخر.

هناك عوامل كثيرة لانتشار هذه الجرائم التقليدية، أهمها وسائل الإعلام التي تتناقل أخبار الحوادث وصورها، وقد أجرى دوريس جريبير استطلاعًا في هذا الشأن عام ۱۹۸۰م، بالولايات المتحدة وتبين أن ٩٤% ممن شملهم البحث ردوا بأن وسائل الإعلام هي المصدر الرئيس لنشر الجريمة ويذهب روني نيتيباسكارا والآخرون إلى القول إن وسائل الإعلام هي الوسيلة الأساسية التي تعطي الانطباع الأول والتأثير القوي عن الجريمة في أذهان الناس، حيث إنها تتسم بالدراماتيكية الزائدة «over-dramatization» وكلما كانت القضية أكثر عنفًا وغرابة كانت لها فرصة أكبر في الرواج، وفي العاصمة جاكرتا، نجد أن الجرائد المتخصصة في نقل مثل تلك الأخبار الرخيصة أكثر انتشارًا بين عامة الشعب.

2- التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الشاسع بين الأغنياء والفقراء والمدن والأرياف، وبين جزيرة جاوة وخارجها نحو ۷۰ إلى ۸۰٪ من الاستثمارات الداخلية والأجنبية كلها كانت تتمركز في جزيرة جاوة، تكون عاملًا مهمًا في إثارة الغيرة والغربة الاجتماعية بين الشعب.

3- الديانة والعرق والكتل الاجتماعية «social grouping» المتنوعة التي تحتضنها إندونيسيا. نحو ۳۷۰ عرقًا و٦٧ لغة أم، وهذه بدل أن تكون عاملًا في توطيد مكانة الدولة، كما هو الحال في الولايات المتحدة، نجدها تمثل عائقًا أمام وحدة إندونيسيا وأمنها وتقدمها واستقرارها.

4- ما جاء به الرئيس وحيد من برنامج لتحقيق شرعية الحكم لم يتحقق في الواقع نظرًا لإحجامه عن حل بعض القضايا الأخيرة قضائيًا لتحقيق شرعية الحكم، كما في قضية خلافه الأخير مع رئيس البنك الإندونيسي المركزي شهريل صابرين الذي عرض عليه أمرين: إما التقاعد وإما تعرضه لتهمة بأن له شأنًا في فساد قضية «بنك بالي» بينما يفترض أن أي مخالفة للقانون تحل عبر القضاء ولا مجال للمساومة السياسية.

5- قامت جريدة ميديا إندونيسيا في يونيو الماضي باستفتاء نحو ٦٥٠ شخصًا من أعمار تتراوح ما بين ١٧ إلى ٥٥ سنة وسألتهم فأعربوا عن اعتقادهم بأن ٤٦.٩١٪ من السياسيين يفضلون مصالحهم الحزبية والطائفية الخاصة وأن ٣٢٠٠٦ يتسابقون للحصول على القوة والحكم، و ١٨ ١٦ يعملون لمصالحهم الشخصية بينما ٤.٨٥ يكافحون فعلًا من أجل الشعب.

ودليل ذلك أن الصراع السياسي متواصل إلى هذه الساعة، بغض النظر عن كل صيحات الجائعين والمضطهدين.

6- ولقضايا انتهاك حقوق الإنسان التي تواجه بعض رجال الشرطة والجيش دور مهم في بث العنف الجماعي في البلد، وهنا يمكننا أن نلمس الفرق بين عهد سوهارتو، الذي تمكن فيه الجيش من توفير الأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي عبر المزج بين القوة والضغط والبناء فقد كان للجيش دور رئيس في كل جوانب الحياة، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وهو اليوم مهدد بسحب هذا الدور المزدوج وضياع التسهيلات التي كان رجاله يتمتعون بها طوال العقود الماضية، ولعل ذلك سبب في نشأة هذا النوع من الشغب الغاضب والمنفعل.

▪ هل يمكن لوحيد إنقاذ إندونيسيا؟

لا يمكن لوحيد أن يستمر في سياسة عدم المبالاة بما يعانيها الشعب من القلاقل الاجتماعية والعنف الجماعي المستمر، فإن دوام الأمر على ذلك يؤدي إلى زوال ثقة الشعب بشرعية حكومته، ويدرك وحيد تمام الإدراك أن المشكلات الجارية في إندونيسيا مردها إلى الأزمة المالية والاقتصادية التي لم تتمكن حكومته من علاجها، وقد هبطت قيمة الروبية حتى أصبح الدولار الواحد يساوي أكثر من ٨.٥٠٠ روبية.

ويقول بعض المراقبين إنه مع عدم قدرة وحيد- على إنقاذ الروبية، فليس من المستبعد أن تنتهي- القضية بأزمة مالية ثانية تتولد عنها تداعيات اجتماعية قاسية، وإذا كان الأمر كذلك فسيصبح- العنف الجماعي مثل كرة الثلج، بحيث يهدد كافة أرجاء إندونيسيا، إن شبح أزمة ١٤ مايو ۱۹۹۸م وما صاحبها من أعمال العنف والسلب والاغتصاب- والقتل والحرق التي كانت سببًا لسقوط الرئيس الأسبق سوهارتو، تهدد راحة وحيد في قصره الرئاسي أيضًا، وإن صح الأمر فإن فشل وحيد- سيعطي صورة سيئة بأن الحكم المدني لم يقدر على واجبات الحكم؟ فهل هذا سيناريو «مصطنع» من أجل استعادة الحكم العسكري؟

إن استمرار الحال على ما هو عليه الآن قد- يحول الوضع إلى الأسوأ الذي قد تصعب معالجته- فبالإضافة إلى اكتشاف محاولات لتهريب كميات كبيرة من الأسلحة المتطورة إلى المنطقة... فإن مسيرة إندونيسيا يمكن كما يتوقع الكثير من الباحثين أن تسير نحو تفكك الجمهورية الإندونيسية المتحدة في هذه المسرحية السياسية المحزنة، أو أن يكون الرجاء في عودة الحكم العسكري من جديد؟

والعياذ بالله!

الرابط المختصر :