العنوان عندما ينفي الصدق الكذب!
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1973
مشاهدات 85
نشر في العدد 178
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 04-ديسمبر-1973
الأدب
يقدمه: أحمد محمد عبد الله
عندما ينفي الصدق الكذب!
الظلام المكتوم:
تحت جنح الظلام تولد المؤامرات، حتى إذا انقشع الليل وبان نور الفجر تبدد ما حيك في دياجي الظلم، وبدت الحقيقة سافرة بزوال المعميات والأقنعة الكثيفة التي نسجت حول صورتها فلم تعد بارزة للعيان.. ولكن ما كل سر مؤتمن!!
وأدبنا العربي.. اسمًا.. المزيج ثقافة وفكرًا.. طالما أثارني باسمه وحملني على التفكر بصحة هذا النسب.. هذا إذا سلمت بأنه يحمل هذا الاسم.. دون أن ألصق الفكر الإسلامي به كمشاركة له.. حتى لا أظلم الفكر الإسلامي إذا ما ادعيت أنه هو نفسه الأدب العربي.. وأعني الفكر الإسلامي العربي.. ذلك التراث الضخم الذي لم نحسن استغلاله، وإنما رحل به أهل الغرب ليصنعوا منه مقومات حياة فتستجديه منهم بصورة مشوهة مغلوطة، ونفرح أيما فرح أننا قرأناه بلسان مخالف للساننا.. ونظن ظن الأغبياء أنه شيء جديد.
ومع بداية ظهور بصيص من نور لصحوة هذه الأمة كنا نأمل أن تحدث حركة إحياء شاملة تنفض عن هذا الجيل المتطلع ما تراكم عليه من حوادث الزمان، وما ليس من سرابيل الجمود حتى غدا كالح الوجه.. بليد الصورة.. خامل الضمير!!
ومع هذه البداية كنا نود أن يقوم على الأساس العظيم الذي جهد السلف في صفه حتى أصبح معلوم القسمات، واضح السمات.. ولم يبق إلا المشاركة الفعالة والهمة العالية والروح الدءوب، على أن تتكفل فيه لتصنع منه حياة جديدة لعصر جديد..
إنه عطاء ضخم.. وبنية شامخة.. وقمة سامقة؛ ولكن أین المنتفعون؟!
الشيء الجديد:
قام نفر من الذين ظنوا وسول لهم الشيطان أنهم القوة القادرة على نفخ الروح في الأمة.. فغادروا الأرض الإسلامية إلى مواطن التحصيل في بلاد غريبة.. ليلموا بثقافة الأمم الأخرى.. وتشبعت أفكارهم بأفكار الأعداء.. أعداء الفكر الإسلامي بعد أن ألقوا مخدر النوم في الأمة النائمة.. يوم أن نسيت أنها صاحبة رسالة لا تعرف الهدوء ولا تركن إلى الخنوع، وإنما هي رسالة رائدة.. تسعى دائمًا وإلى أن تقوم الساعة.. بالنظر إلى البشر نظرة المشفق على ضائع مشرد.. تتلقفه الطرق.. وتتقاذفه الأمواج أنى سار واتجه.. هؤلاء الأعداء الأذكياء عرفوا أن مقود الأمة ينطلق من درجة إیمانها بفكرها الصحيح؛ لأنه المنهاج الذي يؤدي إلى العمل.. وعلى أساسه يسن هؤلاء حياتهم عندما يستقيم فكرهم.. وينطلقون نحو الهدف الأسمى والغاية المنشودة.
هؤلاء الذين زرع الغرب في قلوبهم وعقولهم نتاج تفكيره وتخطيطه لتضيع هذه الأمة حسبما يريده ويبتغيه.. ليسهل قيادها وخضوعها.. فاختار من هؤلاء النفر من أحسنوا تلقي الدروس وآمنوا بالفكرة، ليعودوا إلى أوطانهم وفي جعبة كل منهم وثيقة عهد أن يعمل جاهدًا لا يصده صاد عن هدفه.. هدفه الأسمى.. التشكيك والخذلان في تاريخ الأمة وعقيدتها، وكل ما يتصل بكيانها من قريب أو بعيد.
وجاءوا كأحسن ما يأتي مسافر.. وضمتهم الصدور بشوق حار وبفرح شديد للقادمين المثقفين من الأصقاع البعيدة.. حملة المشعل الهادي ورواد الطريق الطويل لانتشال هذا الخلف الهامد، وإعلان الصرخة المدوية للصحوة الجديدة.
وسالت الأقلام بشتى الفكر.. وتلقف الناس الكلام المكتوب يقرءونه ويبتسمون تارة، ويقطب جبين بعضهم تارة أخرى.. وتمر الأيام فإذا الرجل غير الرجل.. إنه يسير في خط لا يعرفونه، ويتفوه بكلام لا يعقلونه.. ما سمعوه من أحد وما خطر ببالهم أن كاتب السطور يمكن له بهذه الجرأة والجسارة أن يدون هذا الذي يقرءونه.
لكنها الحقيقة.. وليس بعد ذلك من شيء.. فالمشاهد غير المسموع، وها هم يشاهدون ويتلون الكلمات الحارقة.. السم الزعاف الذي ينزف.. والأشياع يصفقون.. والصنائع الجديدة تلتجئ إلى أصحاب النفوذ والسلطان ليقوا حمم ثورة من تتوقع منه الثورة.
إغريقية وفرعونية:
الرعيل الأول.. تعلم أشياء لا بد من تطبيقها عمليًّا، وإلا فما نفع دراسة وإنفاق عمر في الخارج.. إذا لم يستتبع ذلك عمل جاد.. وتفان في سبيل نصرة المذهب الجديد..
وجاء -كعادته- كما في كل مرة يجيء.. حامل الرسالة الجامعية من بلاد أوربية.. طه حسين ليعلن على الملأ صيحته المنكرة.. ومن الغثاثة التي تنتاب الإنسان أن يعاود ذكر هذه الأشياء التي لم تعد تخفى على جاهل.. بله المثقف المطلع.. بصيحته المنكرة في كتابه عن الشعر الجاهلي.. وما تضمنه هذا الكتاب من فصول مهترئة.. تدل على أن كاتبها ليس من عقل يدين بما به ندین، ثم إنه ليس من
إنتاج هذا النحس.. بقدر ما هو شيء مأخوذ عن غيره صاغه باللغة العربية ليكون عربيًّا.. وكان هذا أول الغيث.. ولم يكن كما يقولون أول الغيث قطر ثم ينهمر... فقد كان في هذه المرة.. أول الغيث سيل..
وجاء المتشدقون.. أصحاب الدرب المتوافق.. والخط المستمر الدافق بكل أشياع الفتن وقوافل جدد الضلال.. وللإنسان أن يقرأ عنه أحد هؤلاء الذين عاصروا تلك، أو الذين جاءوا بعدهم.. أي من بداية هذا القرن.. وعلى وجه التحري.. في العشرة الثانية من هذا القرن، ليجد السلسلة الطويلة المشايقة لهذا الوافد الجديد.. ولست هنا بسبيل تحديد أسماء، فجل من ترى من أسماء الممجدين.. ينتمون إلى هذا الركب الضال.. ابتداء من سموهم.. بعميد الأدب العربي، وأستاذ الجيل، ولك أن تعدد من الألقاب ما تشاء.. فلست بخاسر ما دامت الألقاب مشاعًا لكل زامر وزافن!
وعلى مهل جاء توفيق الحكيم أيضًا.. ليباشر المهمة الجديدة الموكولة إليه.. وظهر الرجل بمظهر الراهب الخاشع العامل لمصلحة أمته.. وهو الداعية إلى أن يكون الفن تلك الصورة الجميلة التي تعطي النفس راحة وتسلية، والعقل متعة ولذة.. وليس وراء ذلك من شيء.
وعاث توفيق الحكيم باسم الفن المظلوم بكل مقدس ووضيع.. فلم يخدم شيئًا له قدسيته ومكانته.. وإنما تطوع أن يكون المجاهد الأكبر في البناء الفكري للأمة ما دام ليس هناك من يرد أو يتصدى.. أو ما دام الرد لن يؤثر شيئًا.. ما دامت القوة معه.. والسلطة قريبة منه.. تحميه وتدفع عنه.. فسرح في المرعى، طعن هذا.. ومزق ذاك.. ضحك ببجاحة، وملأ رئتيه بهواء فاسد فنفثه في أوراق حولتها المطبعة إلى كتب تتداولها الأيدي وتلتهما العيون، وإذا به الكاتب الكبير.. والأستاذ العظيم.. والباني الجديد في صرح الأمة العربية الخالدة!!
ويحها أمة يوجهها الرعاء!!
ويسلمها قابلة ترضى بهذا الهراء!!
ويلها عقول مقبوحة تسلم لهذا الدجل ولا تأباه!!
دخل توفيق الحكيم التاريخ من أبوابه الواسعة.. وضحك الأعداء ملء أشداقهم سخرية، وهزءوا من الأمة ومفكريها.. فما كانوا يحلمون أن التصفيق يكون بهذه الصورة.. لكلام هم بانوه بعد أن طاردتهم العصى والحجارة واللعنات أيام أن نزلوا هذه الأرض، وعرفهم الأباة فثاروا وأذاقوهم الويل.. وصبوا عليهم كل حميم وغساق!!
فاليوم يشربون ويسكرون بنشوة هذا النجاح.. العظيم!
الأعداء هذه المرة من أبناء الجلدة.. وصبغة الوطن.. وطلاقة اللسان المضلل المخادع.. وسجلوها في دفاترهم.. أن يا وصمة العار الخالدة.. لك الخلد ما لم يقم الأكفاء الأشداء من أصحاب الفكر السليم.. الذين ينهجون سبيل الجد والحق.. حملة المشاعل الكاشفة للزيف الأسود المدمر.
قالوا: إن الانطلاقة تبدأ من بداية تاريخ هذه الأرض.. من هذه التماثيل الضخمة.. من هذه الحجارة السوداء.. من فراعنة العصر القديم!!
وأثاروها جذعة شبت وزاد الغرب أوراها، وتدفقت أموالهم في سبيل الإنماء والإحياء.. وفي الخضم سقط أصحاب الضمائر الضعيفة.. فأنشأوا تاريخًا فرعونيًّا جديدًا في الأدب العربي.. وسموه أدبًا عربيًّا!!
والمفتونون الآخرون.. عكفوا على دراسة عصر الإغريق.. وأثارتهم آثينا.. وحمسهم أرسطو.. فعكفوا عليه بحثًا وتحليلًا.. وخاضوا في حديث طويل.. لم يقله أرسطو.. وربما لم يكن يعرف عنه شيئًا.. لكنها الحاجة إلى أن يقول الإنسان ما لم يقله!!
وأشاعوا هذا الفكر الميت من جديد.. كنفحة جديدة في روع هذه الأمة.. وإعلانًا إلى بداية ثانية عظيمة.. وروجوا ما شاء لهم الترويج، وأعلنوا فأسرفوا في الإعلان، وفي الخضم سقط أيضًا أصحاب الأخلاق الضعيفة.. وهووا كما لم يهو أحد من قبل، وجرفهم التيار!!
وأعلنوا أدبًا عربيًّا أساسه ذلك الفكر الإغريقي العظيم المملوء حكمة وعلمًا.. ولم يخجلوا أيضًا.. فقالوا: إنما ننشئ أدبًا عربيًّا عالميًّا!!
كل هذا.. وهم في صد عن تراثهم.. هذا التراث الذي يملا الخزائن ويحتاج إلى جهود الألوف من الرجال ذوي الجلد والصبر والتحمل.. يعطي لهذه الأمة ميزتها من جديد كما اكتسبتها في سابق الأوان يوم أن كان الرجال غير الرجال، وكانت العقول غير هذه العقول، وكانت النفوس أيضًا غير هذه النفوس!!
وامتدت الموجة ودخلت هذه الدراسات إلى الجامعات، وبإفراط لا حدود له.. وفي قسم اللغة العربية.. في كلية الآداب.. ولا أثر لدراسة عربية مفروض أن تكون عاملة مخلصة لإخراج جيل ينير الطريق أمام سالكيه.. ويوجه اهتمامه لأمته.. ينقذها من هذه الأحداث الفظيعة التي تتردى فيها.. حتى تكون على بينة من أمرها!
هذه الدراسات القائمة في أقسام الآداب بهذه الصورة هزيمة منكرة لفكر القائمين على التدريس، ولمن بيدهم أس هذا العمل أصلًا.. وما علينا إن كان المشرعون لهذه الدراسات أو الواضعون لهم أصحاب فكر متواطئ.. مريض.. مسكر..
ألا صيحة جديدة.. تلفت الأنظار إلى هذا التراث العظيم.. لعل وعسى أن تبني الأمة نفسها من جديد.. كعامل جديد في بناء الكيان العام لها.. متضافرة فيها الجهود لقيام الأمل الذي يراود أحلام الصغار والكبار.. صيحة جادة مخلصة.. لإفهام المخدوعين أن طريقهم قفر، وأن المرمى هباء!! وأن النور مجلو أمام أنظارهم؛ لكنهم يضربون في التيه على عمى.
ألا إنه يوم قريب.. وليس ببعيد إن شاء الله.
نصيحة أعرابي لسليمان بن عبد الملك
قال أعرابي لسليمان بن عبد الملك:
إني أكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله، فإن وراءه إن قبلته ما تحبه، قال: هاته يا أعرابي، فنحن نجود بسعة الاحتمال على من لا نأمن غيبته، ولا نرجو نصيحته، وأنت المأمون غيبًا، الناصح جيبًا، قال: فإني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن تأدية لحق الله تعالى؛ إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، وخافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعًا، والأمة كسفًا وخسفًا، وأنت مسئول عما اجترموا، وليسوا مسئولين عما اقترفت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس عند الله غبنًا من باع آخرته بدنيا غيره، فقال سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد سللت لسانك وهو سيفك، قال: أجل يا أمير المؤمنين! لك لا عليك.