العنوان عندما يكون الإعلام عبادة
الكاتب منال أبو الحسن
تاريخ النشر السبت 02-مارس-2013
مشاهدات 61
نشر في العدد 2042
نشر في الصفحة 26
السبت 02-مارس-2013
استعاذ بالله من أن يجهل أو يجهل عليه وتوكل على الله ونزل ليغطي تجمعًا بشريًا كبيرًا لم يخف من سرقة كاميرته ولا ضربه أو سحله على الأرض حتى يتجلط جلده أمام أعين الكاميرات والمصورين، ولأنه اعتبر عمله عبادة؛ فقد صلى صلاة ربما تكون آخر صلواته في الحياة، وتكتب له الشهادة في سبيل الله.. لم يضيع وقتًا: فجهز كاميرته وارتدى ثيابًا تعرف الناس أنه صحفي غير هاو.
اعتبر عمله وظيفة غير تقليدية، ولكنها رسالة قبل أن تكون موردا للرزق.. تذكر أن الأرض التي يسير عليها هي أرض وطنه الغالي الذي يريد له أن يتحرر من عبودية الإنسان لنفسه وشهواته وعبوديته لغيره من البشر وعبوديته للمال والشهرة والجاه.. لفت نظره طفل يمسك بيد والده لا يرى الموكب المهيب يسمع فقط الهتافات: «الشعب يريد .... أصبح الشعب في نفس الطفل طفلا مثله يريد أن يتحقق له شيء مثلما يريد هو من والده في عبارة: أنا عاوز .... ولكن ماذا يريد؟ لقد حرم الشعب من أنفس شيء خلق الإنسان عليه وهي الحرية، وحرم من أرقى قيمة خلقها الله للإنسان وهي الكرامة الإنسانية، وحرم من علة إرسال الله للرسل وهي إقامة العدل بين الناس. احتار المصور فإما يسير وراء الهتافات أو يتبع الطفل الصغير الذي عرف في هذا التجمع البشري: فعلًا ماذا ما يريد.
استأذن المصور والد الطفل أن يصوره وأن يصاحبهما في المسيرة، ولكن الوالد رفض إلا وقتا قليلا حتى لا يعيق حركتهما. فراودته نفسه أن يحقق ما يريد ويتبعهما. ولكن تذكر أن عمله عبادة فالتزم بقرار الرجل وتركهما لسبيلهما . وهو في الطريق طلبت منه إحدى الفتيات تعمل كمراسلة في إحدى القنوات التي لا تتحرى الصدق أو الموضوعية طلبت منه أن يعطي لها الفيلم وتشتريه منه بالسعر الذي يحدده، لكن الأمر ليس المال، فهو موظف ويعمل الصالح إحدى المؤسسات الإعلامية المحترمة، ولكن يمكنه تصوير وقائع أخرى يذهب بها إلى مؤسسته ويستفيد من مال القناة الأخرى.. العرض مغر كثيرا .. ولكنه تذكر أن الأمر أخلاقي بامتياز، وأن الرقيب هنا هو الله تعالى، وأن القدوة في التعامل مع الإعلاميين ربما تجني ثمارا طيبة فيما بعد، رغم أنها من الممكن أن تؤدي لكثير من المشكلات للإعلامي في الوقت نفسه، فاعتذر لها وقال: إن الأمر ليس بيده، وإنها مسؤولية عليه فطلبت منه أن ترافقه في يومه لتتعلم منه وليسهل عليها عمل اللقاءات الصحفية مع الإسلاميين الذين لا يرغبون في مقابلة الصحفيات المتبرجات، فوافق على أن يعرفها لهم قبل اللقاء الصحفي، فوجد أنها تبادر بتعريف نفسها بأنها جاءت مع الصحفي فلان بشكل يبدو للناس أنها على علاقة عمل معه أو من نفس المؤسسة الصحفية، ولكن الأمر أدى المشكلة تتعلق بالتدليس على الناس حتى طلب منها أن تتركه وشأنه فاستجابت ولكن بعد أن قذفته بسباب الإسلاميين ومؤيديهم.
عندما رجع لبيته وبدأ في عمل مونتاج للفيلم لعرضه للنشر، سمع بعض الألفاظ التي لا تليق للعرض على الناس ضمن لقطات الفيلم المصور ووجد صورا خلفية الهدف الذي التقطه لا تليق أخلاقيا للعرض أيضا فوضع معايير لنفسه ألزمها باتباعها رغم عدم وجود ميثاق أخلاقي لدى المؤسسة الإعلامية التي يراسلها، والتزم بعدم نشر ما يفضح الناس أو يشينهم، وما يؤذي السامع من ألفاظ، وراقب الله في عمله هذا، حتى وجد أن المساحة الزمنية للفيلم باتت دقائق معدودة، وهو يدرك أن المؤسسة الإعلامية التي سيرسل الفيلم لها ستحاسبه على زمن الفيلم بالثواني، فهل يترك الفيلم كما صوره بدون مونتاج، ويترك الأمر للمؤسسة ويتقاضي آلاف الجنيهات أم يرسله نظيفًا ولا يأخذ إلا القليل؟ فراودته نفسه أن المسؤولية ستكون على المؤسسة وليس هو، ولكن الأمر تغير فأبصر الحق.. فربما يكون سبب التزامه ومراقبته لله أن يصبح من أكثر الصحفيين مصداقية ومهنية، ويلقى استحسانا من مديريه، واحترامًا من زملائه، ورضا نفسيًا يدفعه لمزيد من العمل الصالح الذي بدأه بالتوكل على الله تعالى، قال تعالى: ﴿ ومن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق).