العنوان عندما يكون الوطن ضحية أبنائه
الكاتب د. عبد الله الأشعل
تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2013
مشاهدات 65
نشر في العدد 2060
نشر في الصفحة 66
السبت 06-يوليو-2013
أكتب هذه السطور وعيني على الخاسر الأكبر في كل هذه التطورات وهو الوطن الذي يئن الآن من أبنائه، ولذلك فإن في علم الجغرافيا السياسية يوازن الباحثون بين الأرض والموقع والثمرات والخيرات الطبيعية من ناحية، وبين السكان من ناحيةأخرى.
ومن المعادلات المدروسة أنه مرت على مصر عصور كان فيها الحكم مهيمناً على الشعب، ولو دون إرادته وعلى مقدرات الوطن ولكنه كان يعمل لمصلحة الشعب والوطن، فكان السكان أعلى قدرة على الاستفادة من المكان والموقع والموارد ؛ ولذلك ازدهرت مصر وعمها الرخاء، وسادت علاقات السلام بينها وبين جيرانها ... وفي عصور أخرى عانت مصر من الفراغ السياسي الذي يعني أن السكان لم ينتجوا حكماً قوياً قادراً على الهيمنة على كل الأرض وكل الموارد وبذلك حدث خلل كبير بين قدرات السكان وبين إمكانات الغرب، وفي هذه الحالة عانت مصر من الفراغ السياسي فسارع الأقدر على ملء الفراغ إلى الساحة، وصار أهل مصر خدما للقادمين لهذه المهمة، وهذا هو التفسير المنطقي لحقيقة تاريخية وهي أن مصر ظلت محتلة لأكثر من ألفي عام، ولم يتصدر السلطة فيها أي مواطن منها، بل لم يظهر في سجلات التاريخ إلا بعض الشخصيات التي سمح المؤرخون القريبون من السلطة أو الناقمون عليها بإظهارهم في جميع المجالات.
إذا طبقنا نظرية الفراغ على مصر الآن، فإن مصر تعاني من نوعين من الفراغ النوع الأول: هو فقدان التوازن بين قدرات مصر وبين قدرة أهلها على الاستفادة منها ؛ فأصبح المجتمع كبيراً والدولة صغيرة، وكأن العنق قد أصيب بالانسداد ؛ فلم يدفع إلى الرأس إلا بما سمح العنق بمروره من الدماء، وهي عادة العناصر الخفيفة، أما ثروات المجتمع البشرية فقد ظلت في الجسد تصيبه بالاكتناز كما تصاب هي نفسها بالعطب من اليأس من استخدامها.
يترتب على هذه النظرية أن يقف الجميع لحظة ليتدبروا واقع هذه الحالة لأن التاريخ والأجيال القادمة سوف تكون قاسية في الحكم عليهم، ولعلي بهذا التنبيه أبرئ ساحتي أمام التاريخ والأجيال، وليس سرا أن مصر بحاجة إلى بطل ينظم الشعب، ويستغل القدرات، ويخوض بها ومعها المستنقع الذي حدث بعد بركان الثورة، وأرجو أن يعي الجميع خطورة عمله فلم يصل الحاكم إلى السلطة لكي يستعين بغير الكفاءات حتى لو كانوا الأقرب إلى نفسه، وليس من حق السلطات الثلاث أن تتصارع كالصبية فتجني على مصر والمصريين، ولذلك فإن أزمة مصر الحقيقية هي الحاجة إلى الرجال في كل المواقع، ولعل القرآن الكريم قد لفتنا إلى هذه الحقيقة عندما أثنى على كل المؤمنين، ورسم لنا أوصافهم وأخلاقهم، ولكنه اختص منهم عدداً من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه حتى لو لقي ربه في سبيل هذا الوعد ، ولكنهم لم يبدلوا تبديلا.. فبمعيار الدين والوطنية والمنطق والرجولة، أناشد الجميع أن معركتهم لا علاقة لها بهذا الوطن النبيل، ولا علاقة لهذا الوطن بسلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية تتناحر، وقوى يأخذ بعضها بخناق بعض ونسوا أن المجتمع المصري هو أقدم مجتمع منظم في التاريخ فإذا كان الحكم يتجاهل الكفاءات، وهذا ما كنا نأخذه على نظام مبارك فهذا نذير خطير أن يستعان بأهل الطاعة ولا يستعان بأولي العزم، وهذا هو خط التمييز بين مصلحة الوطن وبين مصلحة الفئة أو الفرقة.
أما النوع الثاني من الفراغ، فهو الفراغ الإقليمي الذي تركته مصر في الإقليم بعدما أصيبت بالفراغ الداخلي، وكان من أهم نتائج الفراغ الداخلي هو اضمحلال مصر في الإقليم، وأصبحت دولة تابعة بحكم الحاجة والعجز عن استغلال الموارد، بل وعانت من ضعف استقلالها والتدخل في شؤونها، والأخطر هو فقدان مصر للاتجاه، والعجز عن معرفة بداية الطريق، فالقضية عندي ليست في اختيار الشعب للحكام، وإنما الأخطر هو كيف يختار الحكام الأقدر على حمل الأمانة، وعندما يتضافر الفراغ الإقليمي مع الفراغ الداخلي تصبح الدولة عرضة للهوان، ويطلب السكان حماية دول أخرى، بل يفر الناس من وطنهم ضيقاً ويأساً. إنني أناشد الوطنيين من المثقفين والمفكرين والرجال، أن يجتمعوا لمناقشة هذه الحالة المرضية التي تشابكت فيها خيوط المؤامرة مع العجز والجهل فأصيب الناس بالدوار، وإنني أطالبهم بأن يضعوا خارطة طريق لهذا الوطن، بل أطالبهم بأن يحددوا العلاج المشكلات المنطقة وأولها سورية، وأن يدرسوا بشكل معمق مشكلة السلطة والنظام السياسي، والفساد، والمؤامرة على الوطن واستعادة قيم المجتمع، وعودة الأمن خادما لشعب قام بثورة نادرة والضرب بيد من حديد على كل معتد في الداخل والخارج.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل