العنوان عندما يقسو الأولاد
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 08-يونيو-2013
مشاهدات 264
نشر في العدد 2056
نشر في الصفحة 58
السبت 08-يونيو-2013
عندما يقسو الأبناء تتمزق المشاعر، وتتبعثر العواطف، وتغتال على أيدي عقوق الأبناء للوالدين!
عندما يقسو الأبناء على الوالدين تختنق العبرات، وتضيق الصدور، وتنتحب الذكريات، ويموت الوفاء!
عندما يقسو الأبناء على الآباء والأمهات؛ فلنكبر أربعا على روح الحب والرحمة والحنان في قلوب الأبناء التي قست؛ ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74].
ألا يسأل الأولاد أنفسهم عندما يقسون على أبيهم وأمهم من سيعطف على الأب والأم بعد أن قسى عليهم أولادهم؟!
عندما يقسو الأولاد على الآباء والأمهات تتباعد المسافات، وتتجرع حناجر الوالدين لوعات وآهات.
عندما يقسو الأولاد على الآباء والأمهات فأنى للحب أن يعيش ويثمر؟ وأنى للحنان أن يسري ويروى؟!
ألم يفكر الأولاد عندما يعقون آباءهم وأمهاتهم ويقسون عليهما أن الجزاء من جنس العمل؟!
عندما يقسو الأولاد على الآباء والأمهات؛ يكون الجرح عميقا غائرا، شديد النزف صعب الاندمال والشفاء!
عندما يقسو الأولاد على الآباء والأمهات؛ تسوء الأجواء، وتظلم الدنيا، فلا نسمة هواء رقيقة تنعش الوالدين اللذين طالما عانى كل منهما حرارة الجو من أجل ترطيب الأجواء للبنات والأبناء، ولا شمعة تضيء فتبدد ذلك الظلام الذي يعانيه الوالدان!
عندما يقسو الأولاد على الآباء والأمهات؛ تظلم الدروب، فلا ضياء، وتتحطم ذكريات الطفولة، وتضيع البسمة ويحل الكدر، ويزول الأمان، ويحل الخوف!
عندما يقسو الأولاد على الآباء والأمهات تتمزق الجوانح يمزقها العقوق، ويشعلها الجور والظلم، فبهذه القسوة يتحول الحب بين الابن ووالده إلى خصمين لدودين، أحدهما الظالم يتمادى في ظلمه وهو الابن، والطرف الثاني الوالدان وهما المجني عليهما، ومع ذلك يستغفران للابن، ويخفق قلباهما ويتمزق، خوفا على الأولاد من الهلاك في الدنيا والآخرة.
عندما يقسو الأولاد على الآباء والأمهات؛ تتشقق الأكباد حزنا يعتصرها الألم، ومن الصعب أن تجد للكبد حيئذ دواء!
إن واقع الحياة ينطق بمآس تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ويشيب لها الولدان، فكم من أب كان قويًا ثريًا، فلما ضعف وشاب تنكر له أولاده!
هؤلاء أبناء يضربون أمهم، طردوها خارج البيت خرجت تهيم في الشوارع والطرق ضربوها حتى كسرت ساقها، وتحكي حكايتها وقد حبسها أولادها في الحمام ثلاثة أيام دون طعام، وقد مات أبوهـم وهـو غضبان عليهم، ولم يقم واحد منهم بخدمته، توفي المسكين بالسرطان ورموها بالشارع، قال أحد أبنائها لها، وهي تطلب منه أن تبقى في البيت ولا تريد منهم شيئًا، فقال لها: قبلي رجلي كي أبقيك في البيت؟! هل تصدق أن يمد يده على أمه يضربها؟ هل تصدق أن ابنها يطردها خارج البيت؟!
إن برك لوالديك وصية ربك: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ (الأحقاف:١٥)، ولذلك لما سئل النبي ﷺ: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فأجاب السائل قائلاً: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟ قال: « ثم أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك» (رواه البخاري).
ما أحوج هؤلاء القساة على آبائهم وأمهاتهم إلى أن ينصتوا ويتدبروا كلام النبي ، فعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله الله يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه» (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه).
المراهقة وقسوة الأبناء
كثرت شكاوى الآباء والأمهات من البنين والبنات، ومن هنا يجب عرض السؤال التالي:
لماذا يقسو الأولاد على الوالدين قسوة قد تصل إلى السب والشتم؟
قد يكون الوالدان هما السبب الرئيس، فقد ينشغلان عن الأولاد في أعمال الدنيا ويهملان تربيتهم فيتركانهم دون توجيه ولا إرشاد ولا رعاية ولا تربية، وخاصة في مرحلتي الطفولة والشباب، فإذا ما وصل الابن إلى مرحلة المراهقة أساء معاملة والديه، وانحرف، وقد يصير مدخنًا، أو يتعاطى المخدرات ويدمن ويبتعد عن دينه وأخلاقه وقيمه ومن هنا تأتي قسوته على والديه، وذلك لأن المراهق يعيش مرحلة الاستقلال الفكري ورفض توجيه الآخرين له، فما أشبه المراهق بالحديد الذي أصابه البرود، فصعب هنالك أن يتشكل، وما أسهل تشكيله وهو ساخن!
أصلح العمل ينصلح حالُ أولادك
حينما تقصر في أداء النوافل.. تذكر أولادك ومصائب الدنيا، وبادر بالأخذ بها، إرضاء لربك أولاً، ثم بنية إصلاح أولادك، واصنع لهم مستقبلًا سعيدًا بعملك الصالح، وتذكر حينها قول الله تبارك وتعالى: ﴿وأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْن يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَاحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف:٨٢).
فالوالد القدوة الصالح غالباً ما يؤثر في أولاده، فقد حفظ الله الكنز للغلامين لصلاح جدهما السابع.
سأل أحد الدعاة المحدثين رجلًا صالحًا، وهو موظف حكومي مرموق، يعمل في العمل الخيري ويعطيه من ثمين وقته، فقال له: «لماذا تعمل عملا إضافيا في اللجان الخيرية أنك ذو منصب مرموق؟ فأجابه قائلاً: مع إن لدي أكثر من ستة أولاد وأكثرهم ذكور، وأخشى عليهم من الانحراف، وأنا مقصر في تربيتهم، ولقد رأيت بالتجربة زيادة صلاح العمل أبنائي مع زيادة الوقت الذي أنفقه في الخيري.
ولله در الشاعر راضي علي الطهطاوي في قصيدته «قسوة الأبناء، وإن كانت القصيدة من الشعر العامي، إلا أن رسالته
عظيمة، يقول الشاعر:
بعدما فات العمر وطار *** كبروا ولادي وسابوا الدار
راحوا سابونا نعيش وحدينا *** وحدة في كبر السن مرار
قالوا مصالحنا بجد كثير *** شغل وبيت وكمان مشوار
محدش فاضي فينا يراعي *** والكل بيهرب منا فرار
قالوا: هنجيب ليكم خدامة *** تشوف طلباتكم ليل نهار
محدش راضي يخدنا معاه *** وبعد دراسة شافوا قرار
جوا دار عـنــايــة ســابـونـا *** نسيونا محدش لينا زار
احنا قلوب محتاجة حنان *** مش محتاجة فلوس ودولار
نحس بطعم أمان في الدنيا *** جنب عيالنا وهما كبار
لما ابنك يقسو عليك *** كل الحلم معاك ينهار
واللي يقول: دا خلاص هيموتوا *** بس العمر دا ليه أسرار
واللي ناسينا حتى في عيد *** وعايز يقصف لينا أعمار
واللي يقول: الحمل تقيل *** والتاني واخدها ياسيدي هزار
ياخد مراته يروح يتفسح *** واحنا في سجن ملوش أسوار
واللي يقول: بعديهم نورث *** في البنك رصيد وعزبة عمار
وبنت تقول: جوزي وأولادي *** وقلوبهم قاسية علينا شرار
دا احنا لينا حقوقنا كثير *** رعاية زيارة واحنا كبار
ياما عطينا العمر بحاله *** ياما سهرنا وشيلنا صغار
ليه رافضين تردوا جميل؟ *** ليه رافضين تكونوا أبرار؟!
لما الأب وأم اتهـانـوا *** كل الدنيا هتبقى دمار
توصية خاصة
علم الله أن الإنسان عندما يصل إلى الأربعين من عمره يكون له ولد، وربما ينشغل بزوجته وأولاده في هذه السن عن والديه، لذا جاءت وصية ربانية خاصة للرجل في سن الأربعين وما بعدها إذ يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأحقاف:١٥).
إنه لم ينس والديه، بل ذكرهما في سياق الشكر، ثم دعا ربه أن يوفقه ليعمل صالحا؛ ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، شكر نعمة الله عليه وعلى والديه.. وذلك لأن العمل الصالح ينفع الذرية كما جاء في سورة الكهف، وكما أوضحت سلفاً، ثم دعا ربه أيضًا أن يجعل ذريته صالحة كي تنفعه وتدعو له، لذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
فهذا الصنف من الناس يتقبل الله أعمالهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، وهم من أهل الجنة كما بشر القرآن الكريم، إذ يقول رب العزة فيهم: ﴿أولئكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنّة وَعْدَ الصَّدْقَ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (الأحقاف:١٦).
وفي المقابل ليت هؤلاء الأبناء العاقين القساة على من ربوهم وتعبوا من أجل راحتهم ليتهم يدركون عاقبة قولهم ﴿أُفّ﴾.. إنها تجعلهم خاسرين، قال تعالى: ﴿والذي قَالَ لوَ الدَيْهِ أُفَ لَكُمَا أَتَعَدَانِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَت القُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنْ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * أَوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أَمَمَ قَدْ خَلَتْ من قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ (الأحقاف:١٨).
[1] أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل