العنوان عندما يساوي فنجان القهوة سنتين ونصف السنة سجنًا
الكاتب الطاهر إبراهيم
تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003
مشاهدات 102
نشر في العدد 1539
نشر في الصفحة 40
السبت 22-فبراير-2003
باسم الشعب السوري! جرمت محكمة أمن الدولة برئاسة فائز النوري، في يونيو/ حزيران الماضي، رياض الترك «72 عامًا» بجناية الاعتداء على الدستور، وجناية إثارة العصيان المسلح، وجناية وهن نفسية الأمة، وجنحة النيل من هيبة الدولة، وحكمت عليه بالسجن 15 عامًا ثم خففت الحكم إلى سنتين ونصف السنة مع حرمانه من الحقوق المدنية.
وقبل أن نستطرد في التعليق على الموضوع، نستعجل وتعلق على الأسباب الموجبة لهذا الحكم، ولو أن شخصًا ما ليس لديه أي خلفية عن المحكوم عليه الترك لبادر بالسؤال التالي: كم عدد الألوية المدرعة التي تدين بالولاء لهذا المتهم، وكم سربًا من أسراب الطائرات العسكرية، تأتمر بأمر هذا المتمرد؟
يكفي للرد على السؤال أن نذكر بأن هذا المتمرد رجل «سبعيني»، قضى ربع عمره في سجون النظام بدون محاكمة، وأخلي سبيله بعد أن قهرت جسمه مجموعة الأمراض المستعصية التي كانت بعض موروثات زنزانته العتيدة، ولقد ظن سجانوه أن الأمراض كفيلة بإخراس صوته بعد أن أوشكت أن تكتم أنفاسه، فرؤي أن من الحكمة أن يحمل إلى قبره من بيته بدلًا من سجنه. ولأن الأعمار بيد الله ولأن الجسم المنحول كان يستمد قوته من عناد النفس التي تسكنه، فقد أبى الترك، أن يجلس في بيته ينتظر قدره، الذي اعتقد سجانوه أنه بات قاب قوسين أو أدنى، وأبدى نشاطًا ملحوظًا من خلال منتديات المجتمع المدني، مما جعل النظام الحاكم يخشى أن تتحرك الأمواج الكامنة في نفوس الشعب وأن يحدث ما لا يحمد النظام عقباه.
ونود أن نسلط الضوء على بعض المسميات التي وردت في المقدمة أعلاه، ونضعها ضمن إطار واحد لتتضح الصورة.
الشعب: مجموعة من البشر تنتمي إلى الشعوب العربية المقهورة، ويعيش ضمن حدود سوريا كما رسمها المستعمر الفرنسي.
وقد اعتبر حزب البعث الحاكم أن هذا الشعب غير مؤهل لقيادة نفسه، فحصر هذه الأهلية بالبعثيين فقط، وقد جاء ذلك في المادة الثامنة من الدستور التي تنص على أن حزب البعث قائد للدولة والمجتمع.
ورغم غنى سوريا بثرواتها الزراعية والنفطية، فإن 80% من هذا الشعب يعيش تحت خط الفقر، فمتوسط راتب الموظف الذي يعيل أسرة قد يجاوز عدد أفرادها عشرة أشخاص، هو 6000 ليرة أي ما يعادل 120 دولارًا.
وقد ساهم في تدني دخل المواطن اتباع سياسات اقتصادية خاطئة طيلة أربعين عامًا ضمرت فيها الطبقة المتوسطة التي كانت تشكل دعامة الاقتصاد، وهربت الرأسمالية الوطنية المنتجة لتحل محلها طبقة متسلقة مستغلة نمت كما تنمو النباتات الطفيلية بعد أن تغلغلت في مفاصل الحكم.
أما سياسيًا فإن هذا الشعب لا يكاد يحس بوجوده إلا عند الاستفتاء على منصب رئيس الجمهورية، مع علمهم أن أجهزة الحاسوب في وزارة الداخلية مبرمجة لإظهار النسبة 99.99%، ولملء المساحة الفائضة من الوقت لدى هذا الشعب بسبب البطالة المتفاقمة، أوكل حزب البعث هذا الأمر إلى أجهزة الأمن المتوافرة بكثرة، فقامت بالمهمة بجدارة واقتدار واستحدثت الموافقات الأمنية التي ألزمت المواطن بالحصول عليها لأي نشاط يرغب به، فهناك موافقة أمنية للوظيفة غير المتوافرة أصلًا، وموافقات أمنية لوكالات البيع والشراء، أما وثائق السفر فحدث ولا حرج، فرغم صدور قرار وزير الداخلية الذي قضى بتسهيل منحها وحصرها بإدارة الهجرة فقط، فإن عدد الممنوعين من السفر أمنيًا يتجاوز عشرات الآلاف، وقد ألزمت أجهزة الأمن القنصليات السورية بالعودة إليها في كل شيء - أو هكذا يقول مندوبو تلك الأجهزة في القنصليات - حتى أن من يسعى لاستخراج قيد نفوس لبنت أخيه المغترب مثلًا سوف يجد أن موظف النفوس لا يستطيع منحه الوثيقة إلا بعد العودة إلى أجهزة الأمن التي ترسل من يقوم بالتحقيق في مسقط رأس الأب «لا رأس البنت الذي سقط في المهجر».
محكمة أمن الدولة: محكمة استثنائية أنشئت بموجب قانون الطوارئ الصادر عام 1963م بعد انقلاب آذار، وهذا القانون وتلك المحكمة فقدا شرعيتهما - إذا كان لهما أي شرعية - بعد الاستفتاء في عام 1973م على الدستور الحالي الذي فصله حزب البعث على مقاسه. والسؤال الذي يطرح نفسه: لم عدلت السلطات عن محكمة الجنايات المدنية - التي حوكم أمامها النائبان المستقلان في مجلس الشعب رياض سيف ومأمون الحمصي وحكم عليهما بالسجن خمس سنوات لكل الله منهما - إلى محكمة أمن الدولة الاستثنائية؟
الجواب واضح وبسيط فإن واحدًا من القضاة الثلاثة الذين أشرفوا على محاكمة النائبين خالف زميليه وسجل وجهة نظره في نص محضر الحكم واعتبر أن التهم الموجهة إلى النائبين لا تقع تحت قائمة الجرائم، لأن هذه التهم التي اعتبرها النائب العام جريمة يعاقب عليها القانون قد تكون في عهد آخر تمثل غاية في الوطنية وممارسة الحق الذي كفله الدستور، وخوفًا من أن يتكرر هذا الموقف أحيلت قضية الناشطين الثمانية ومنهم الترك إلى محكمة أمن الدولة المضمونة النتائج.
فائز النوري: صاحب تاريخ مشهود له بإصدار أحكام الإعدام على معارضي النظام، وقد أنعمت عليه القيادة فعينته في عام 1980م عضوًا في اللجنة المركزية لحزب البعث، وتم مؤخرًا نفض غبار الإهمال عنه بعد أن كان من الكوادر المنسية في الحزب.
وقد حاول «النوري» أن يبدي بعض الانفتاح أثناء محاكمات الترك وزملائه، فسمح للصحافة ورجال السلك الدبلوماسي بحضور المحاكمات، إلا أن قيادات حزبية نبهته أنه في سوريا وليس في بلد أوروبي، فأقفل باب المحكمة إلا أمام مندوب وكالة الأنباء السورية «سانا».
رياض الترك: الأمين العام للحزب الشيوعي السوري «المكتب السياسي»، وقف في وجه حزب البعث عام 1980م، وانتقد بصراحة الأسلوب الأمني الذي يتم به معالجة الأوضاع أثناء تصاعد الصدام بين بعض الإسلاميين وسرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد.
وأصر الترك في حينها، أنه لا بد من العودة بالبلاد إلى الديمقراطية المغيبة منذ عام 1963م إذا أريد تجنيب سوريا حمامات الدم التي كانت تخطط لها أجهزة أمن النظام، فأودع زنزانة الاعتقال ليبقى فيها مدة 17 عامًا بدون محاكمة وفي عام 1997م أطلق سراحه بعد أن أنهكه المرض.
أثار رياض الترك حفيظة البعثيين عندما كتب مقالة تحت عنوان «حتى لا تكون سوريا مملكة للصمت»، كما انتقد الطريقة التي تم بها تعديل الدستور غداة وفاة الرئيس السابق ليصبح السن القانوني للمرشح لمنصب رئيس الجمهورية 34 عامًا - عمر الرئيس بشار الأسد عند التعديل - بدلًا من 40 عامًا.
هوامش وتعليقات
1 - هل كان البعثيون يتوقعون أن يقف الترك في ساحة الأمويين في دمشق ويهتف - للرئيس السابق الذي سجنه 17 عامًا بدون محاكمة - «بالروح بالدم نفديك يا حافظ» وقد فعلها أقرباء وأصدقاء النائب مأمون الحمصي في الشارع المجاور للمحكمة التي كان يحاكم فيها الحمصي، فجلدوا ذواتهم وهتفوا: «بالروح بالدم نفديك يا بشار»، فلم يشفع لهم ذلك، ولم يمنع هذا الهتاف القاضي من إصدار حكم السجن 5 سنوات بحق الحمصي.
2- يقول واحد من أصحاب الدعابة إن الحكم الذي أصدره النوري بحق «الترك» يعتبر مخففا إذا قورن باعتقاله الأول الذي دام 17 عامًا من دون محاكمة.
3 - ذكر أحد أعضاء هيئة الدفاع أن الترك نقل لهم أجواءً إيجابية عن لقائه رئيس محكمة أمن الدولة «فائز النوري» الذي دعاه إلى فنجان قهوة بعد أن أصدر الحكم بحقه، ويا له من فنجان قهوة يساوي سنتين ونصف السنة سجنًا.
4 - وكأنما أراد «النوري» أن يضيف إلى فنجان القهوة بعض السكر - الذي يعاني الترك من تفاقمه - عندما أسر في أذنه بأن هناك عفوًا رئاسيًا عن الترك وزملائه سيصدر بعد الفراغ من صدور الأحكام عليهم جميعًا، «ولماذا هذه الشدة يا عبد الله؟» هلًا تم ذلك قبل المحاكم؟ة وكفى الله المعتقلين شر المحاكم، أم أن المكرمة الرئاسية تكون أحلى بعد إصدار الأحكام؟
عود على بدء
وقعت في سوريا - منذ استقلالها - انقلابات كثيرة نجح بعضها وفشل كثير منها، وما نجح منها كان بعضه انقلابًا أبيض تم فيه تغيير الحكم بدون إراقة دماء مثل انقلاب حسني الزعيم في آذار 1949م على الرئيس شكري القوتلي المنتخب دستوريًا، ومنها ما أعقبه إهراق دماء مثل انقلاب سامي الحناوي في أغسطس/ آب 1949م على حسني الزعيم، حيث تم إعدام الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي، وجميع الانقلابات كان الدافع الرئيس إليها حب السلطة، فالذي ينجح في انقلابه كان ينادى عليه بـ «البطل القومي ومخلص البلاد من جور الطغمة الفاسدة... إلخ»، أما قائد الانقلاب الفاشل فكان ينعت بالخيانة والعصيان المسلح والاعتداء على الدستور... إلخ.
وهذان القائدان الناجح منهما والفاشل وجهان لعملة واحدة، وليس من فرق بينهما إلا ما كان من نجاح هذا وفشل ذاك، بل نزيد أمرًا آخر وهو أن بعض قادة الانقلابات كثيرًا ما كانوا يدًا واحدة على المطاح به، فقد أطاح حسني الزعيم وسامي الحناوي بالقوتلي، ثم انقلب الحناوي على الزعيم وأعدمه رميًا بالرصاص، أما اللواءان صلاح جديد وحافظ الأسد فقد كانا شريكين في انقلاب 23 فبراير/ شباط 1966م ضد حكومة البعثيين القوميين التي كان يرأسها أمين الحافظ، وبعدها قام الأسد بحركته التصحيحية في عام 1970م وانقلب على رفيق دربه صلاح جديد وأودعه السجن الذي لم يخرج منه إلا إلى قبره بعد 25 سنة، فإذا كان الطريق قد وحد بين قادة الانقلابات ابتداءً، فقد فرق بينهم تنافر مصالحهم.
وإذن فلا معنى لوصف بعضهم بالوطنية والبعض الآخر بالخيانة، والفارق بينهما نجاح انقلاب أحدهما وفشل انقلاب الآخر. وإذا كان ذلك كذلك، فكيف نقبل إذن من النائب العام في محكمة أمن الدولة أن يتهم «الترك» الذي لم يشترك بأي انقلاب ناجح أو فاشل، بجناية الاعتداء على الدستور، وجناية إثارة العصيان المسلح، وجناية وهن نفسية الأمة، وجنحة النيل من هيبة الدولة؟ فأي عصيان مسلح من رجل أوهنه المرض، وأي اعتداء على الدستور ممن عبر عن احترامه للدستور، ورفض أن يتم تعديله بدون أسباب موجبة، أما جناية وهن نفسية الأمة، فالترك هو الذي أوهنت نفسه من كثرة الاعتقال.
وإذا من نتيجة واضحة فهي أن كل هذه التهم لا تعني إلا شيئًا واحدًا وهو: أن الذين ترسخوا في مفاصل صنع القرار خلال أكثر من ثلاثة عقود وعملوا على زرع الخوف في النفوس، قد أفزعهم ما ورد في خطاب القسم من وعد بإشاعة الجو الديمقراطي، وخافوا أن يوضع ذلك موضع التطبيق، فسعوا إلى إعاقة عجلة الإصلاح الذي نادی به الرئيس، وكأني بهم قد حسبوا ألف حساب عندما سمعوا الترك، وهو يقول: «إن المصالحة الوطنية لن تكون إلا على أساس رد المظالم إلى أهلها وإشاعة العدل»، فخافوا على أنفسهم سوء العاقبة وهم أعلم الناس بما فعلوا.
علمًا بأن دعوة الترك تعني المصالحة لا الانتقام، وأن تعاد لهذا الشعب حريته المسلوبة وحقه في أن يختار نظام الحكم الذي يرغب به من خلال صناديق الاقتراع، فهل يعي ذلك من بيدهم القرار قبل فوات الأوان.