العنوان في السودان: عندما يزعم زعيم الحزب الجمهوري أنَّ للإسلام رسالتين!
الكاتب محمد اليقظان
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1985
مشاهدات 306
نشر في العدد 701
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 22-يناير-1985
كان لإعدام "محمود محمد طه" زعيم الجمهوريين في السودان يوم الجمعة 17/١/١٩٨٥ ردود فعل متباينة وفي مقالنا هذا نسلِّط الضوء على الأسباب التي كانت وراء تنفيذ هذا الحكم.
•"محمود طه":
للإسلام رسالتان: رسالة صاحبها "محمد" تلائم عصره ورسالة تلائم العصر أنا صاحبها ونبيها!!
أحدثت المحاكمة التي جرت في السودان لشخص اسمه "محمود محمد طه" ضجَّة في مختلف الأوساط وبصرف النظر عن الهوية السياسية للمحاكمة وذيولها ومحاولات البعض الاستفادة منها سياسيًّا إلا أننا نحب أن نعرض هنا تعريفًا للفكر الذي يحمله "محمود" هذا..
من هو "محمود طه"؟
"محمود محمد طه" مهندس تخرج من كلية "غردون القديمة" قبل أن تصبح جامعة، وعمره الآن ٧٦ سنة.
بدأ حياته الدينية بقراءة الكتب الصُّوفية وجده كان كذلك، وجاء بأفكار مخالفة لشرع الله حيث تزوج بسبع نساء وكفر في أعماله واعتقاده.
أعلن "محمود" عن اعتقادات مخالفة للإسلام وبدأ بنشر هذا الاعتقاد وألَّف حزبًا سمَّاهُ "الحزب الجمهوري" وفي عام ١٩٥٩ أعلن على الملأ أنَّ فريضة الصلاة سقطت عنه ولذلك فهو لا يؤدي الصلاة وكذلك سائر العبادات.
يدعى "محمود" أن للإسلام رسالتين: رسالة أولى صاحبها محمد –صلى الله عليه وسلم- كانت تلائم عصره ورسالة ثانية تلائم العصر الحاضر- القرن العشرين- وهو صاحبها ونبيها، ولكي يشرح- الرسالة الثانية للإسلام نجده يفرق بين الآيات المكيَّة ويسميها آيات الأصول والآيات المدنيَّة ويسميها آيات الفروع ولذلك يطالب بتطوير الشريعة ونبذ التقليد- أي تقليد الرسول-صلى الله عليه وسلم- في العبادات والتشريعات، فكما قلنا فقد أسقط عن نفسه الصلاة المعروفة المفروضة على المسلمين وسمَّاها صلاة التقليد- باعتبار الجميع يقلدون الرسول صلى الله عليه وسلم- وبما أنه وصل مرحلة متقدمة فادَّعى أنه يقوم بصلاة أخرى وسمَّاها- صلاة الصلة، كما أنه ينتقد الزكاة ذات المقادير ويدعو إلى مشاعية المال.
يقول "محمود" في إحدى نشراته «خلاصة هذه الدعوة - أي دعوته - أنَّ للقرآن أصولًا وفروعًا قامت أصوله وهي القرآن المكي على الديمقراطية (فذكِّر إنما أنت مذكِّر لست عليهم بمسيطر) وعلى الاشتراكية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْو﴾ (البقرة:219) وعلى المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة:228).
هذا بينما قامت فروع القرآن على القرآن المدني وهي متعلقة بالشريعة المعروفة بالشريعة الإسلامية الموروثة على الوصاية أو الشورى في السياسة ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران:159) وعلى الرأسمالية المطلقة في المال ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ (التوبة:103)، وعلى قوامة الرجال على النساء ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ ( النساء: 34)
«وقد وقع النسخ على الأصول من الفروع فجاءت الشريعة الإسلامية الموروثة حكيمة وصالحة لوقتها إذ كان المجتمع البشري قاصرًا عن مستوى الحرية الفردية والحرية الفردية».
ويمضي "محمود" قائلًا «وبَعْثُ الإسلام بذلك يقتضي تطوير الشريعة من الفروع إلى الأصول وهو ما تعني بالمستوى العلمي من الإسلام حيث توفر أصول القرآن على الحقوق الأساسية اللإنسان».
و يرى "محمود" أنَّ الإسلام غائب ولن يعود بدعوة دعاة الإسلام لأنهم يدعون بتحكيم الشريعة الموروثة ويقول "محمود" «إنَّ الإسلام لن يعود بدعوة "الشيعة" ولا بدعوة "الوهابيَّة" ولا بدعوة "الإخوان المسلمين" ولا سائر "الدعوات السلفية" القائمة اليوم في العالم الإسلامي وهي تسعى جميعًا لتحكيم الشريعة الموروثة من غير فهم لروح الإسلام ولا لروح العصر وإنما يعود بالصورة العلمية التي تقدمها حيث يستطيع أن يجمع الإسلام بين الديمقراطية والاشتراكية في جهاز دولة واحد» انتهى.
وهكذا نرى أنَّ "محمود محمد طه" يدعو إلى التخلص من أحكام الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي محمد - صلى الله عليه وسلم، جملة واحدة، مما يعد هدمًا للإسلام وتخريبًا لعقائد المسلمين، لذلك أجمعت الأمة كلها في الماضي على كفره ومروقه وقد رفع محتسبون جزاهم الله خيرًا، دعوة ضده في عام ١٩٦٨ أمام المحكمة الشرعية بالخرطوم وبعد محاکمات استمرت عدة جلسات حكمت المحكمة بارتداده عن الإسلام لإنكاره ما هو معلوم بالضرورة عن الدين ولم ينفذ عليه حكم الرِّدة لأن السلطة التنفيذية الممثَّلة في الحكومة كانت نفسها حكومة علمانية.
ولأنه مرتد فهو محظور من دخول الأراضي السعودية منذ ذلك الحين، والغريب العجيب أنَّ "محمودًا" كان يؤيِّد مايو وحكومة الرئيس "نميري" منذ عام ١٩٦٩ إلى أن أعلنت القرارات الإسلامية فابتدأ يهاجم التطبيق بعنف مما عرضه للاعتقال لأول مرة.
ماذا قال "محمود محمد طه" أمام المحكمة؟
بعد أن قرأ ضابط الشرطة أقوال المتهمين أمام القاضي.. تقدم قانوني في نيابة "أم درمان" وقرأ أقوال المتهم الخامس «محمود محمد طه» الذي عرَّف نفسه بأنه يعمل مهندسًا، ويسكن الثورة الحارة الأولى، ويبلغ من العمر ٧٦ عامًا.. ثم أجاب على سؤال القاضي إن كان مذنبًا أم غير مذنب ثم ارتجل الحديث التالي: أعلنت رأيي مرارًا في قوانين سبتمبر ٨٣ من أنها مخالفة للشريعة الإسلامية وللإسلام أكثر من ذلك فإنها شوَّهت الإسلام.
ونفرَّت عنه يُضاف إلى ذلك أنها وضعت واستغلت لإرهاب الشعب وسوقه للاستكانة على طريق إذلاله.. ثم إنَّها هدَّدت وحدة البلاد، وهذا من حيث التنظير.
وأمَّا من حيث التطبيق فإنَّ القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها غير مؤهلين فنيًا وهنا انقطع الصمت داخل المحكمة بضحكة من الحضور وضعفوا أخلاقيًا عن أن يمتنعوا من أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب وتشويه الإسلام وإهانة الفكر والمفكرين وإذلال المعارضين السياسيين ومن أجل ذلك فإني غير مستعد للتعاون مع أي محكمة تنكَّرت لحرمة القضاء المستقل ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر والمفكرين والتنكيل بالمعارضين السياسيين ثم جلس.
بعدها مباشرة قام المحامي "غازي" سليمان أخو "بدر الدين سليمان"- ليبدأ دفاعه.. إلا أن- "محمود" قاطعه قائلًا أشكر الإخوة المحامين الذين تبرعوا بالدفاع عنَّا.. لكنَّا نتحمل الدفاع عن أنفسنا.. وبعدها رفع القاضي الجلسة.
الحكم بإعدام"محمود محمد طه" وآخرين
حكمت محكمة جنايات "أم درمان" رقم (٤) صباح أمس الثلاثاء 16/٤/١٤٠٥ هـ بالإعدام على المتهمين:
۱ - محمود محمد طه- ٧٦ سنة- مهندس، ورئيس الحزب الجمهوري بالسودان.
۲ - عبد اللطيف عمر ٥١ سنة- مسؤول الحزب بالعاصمة.
3 - عبد اللطيف محمد سالم - ٣٥ سنة، عضو الحزب وموظف بشركة الجزيرة للتجارة.
4- تاج الدين عبد الرازق- ٢٩ سنة- عضو الحزب، وعامل بمصنع النسيج السوداني.
5 - خالد بابكر حمزة- ٢٣ سنة- عضو الحزب وطالب بجامعة القاهرة الفرع.
كيف قبض على المتهمين الخمسة؟
قال ملازم الشرطة الذي تولَّى التحقيق في القضية أنَّه في الثاني من ربيع أول ١٤٠٥هـ أبلغه شرطي بأنَّه قبض على تاج الدين عبد الرزاق- ٢٩ سنة- عامل بمصنع النسيج السوداني نسبة لتوزيعه لمنشور يحرض على السلطة على الجماهير السوق "أم درمان" وفي نفس الوقت ألقى القبض على متهم آخر هو خالد بابكر حمزة- ٢٣ سنة- طالب بجامعة القاهرة- الفرع لنفس السبب، قال المتهم الأول: إنه استلم المنشورات من عبد اللطيف سالم بعشر ٣٥ سنة- موظف بشركة الجزيرة للتجارة والخدمات فقبض عليه وأجاب هو الآخر بأنه استلم المنشورات من عبد اللطيف عمر- ٥١ سنة- مصحح بصحيفة الصحافة.
وقال عبد اللطيف إنه وزَّع على الجمهوريين حوالي ألف منشور ليقوموا بتوزيعها على الشعب وهي تهاجم قوانين سبتمبر ۸۳.. وقال أيضًا: إنه مسئول الجمهوريين بالعاصمة وأنه يتحمل نتيجة تصرفهم داخلها ثم تطرَّق إلى زعامة الحزب فاعتقل "محمود محمد طه" بإذن من وزير الدولة للشؤون الجنائية وقال "محمود": بأنَّه زعيم الحزب الجمهوري ومسؤول عن مواقفه وتصرفاته وأن المنشور صدر بتوجيه منه لكنَّه قال: إنه لأسباب خاصةٍ به فإنه لن يذكر المكان الذي طُبِعَ فيه.