الثلاثاء 22-أغسطس-1972
عندما يتم الخروج على قوانين الله
تتجمع عوامل الفناء..
ويغلق باب العودة.. ويتحقق الموت العادل
كانت الحالة سيئة للغاية، وعندما تصل حركة التاريخ إلى طريق مسدود، بعد أن يفسق أهل القرى ويخلعوا طاعة الله، في هذه الحال يكون لا أمل إلا في شيء واحد، هو الزوال، وهذه هي المعادلة الوحيدة الصحيحة في تفسير التاريخ، خروج على قوانين الله، إمهال نسبي من الله قد يغري الخارجين على القانون بالتمادي، تجمع العوامل الفناء، إغلاق لباب العودة، إبادة وموت في شكل مجموعة من الكوارث!!
وإلى الحالتين الأخيرة وما قبلها وصلت حال الأندلس في القرن السابع الهجري، ذلك القرن الذي شهد سقوط معظم القلاع والمدن الإسلامية الأندلسية، ولم تفلت منه -إلى حين- سوى مملكة غرناطة، التي لم تلبث -بعد قرنين- أن لقيت حتفها.
وعلى امتداد الأندلس -شرقيه وغربيه- بدأت حركة ما يسمى بالاسترداد الصليبي تسوق المسلمين المفككين المتناطحين بالألفاظ المقسمين في ولائهم بين ملوك النصارى، تسوقهم إلى حتفهم الأخير...
وبعد سقوط الموحدين في الأندلس، انفرط عقد هؤلاء، فلم يعد يجمعهم جامع من خلافة إسلامية جامعة، أو من استجابة لتحد خارجي، أو من عقيدة متفوقة تشتعل أعماقهم بها، ويبحثون عن رفعتها أكثر مما يبحثون عن رفعة أنفسهم، ولذا فقد تبع سقوط الموحدين التمهيد لسقوط كثير من مدن الأندلس كمُرسِيَة وبلنسية وقرطبة والشرق الأندلسي، ثم الغرب الأندلسي الذي كانت عاصمته أشبيلية!
لقد عرف أهل أشبيلية بعد سقوط الموحدين أنهم لا بد لهم من حماية خارجية بعد أن فشلوا في الاعتماد على الذات، وقد أرسلوا ببيعتهم إلى الأمير أبي زكريا الحفصي أمير الحفصيين في تونس الذين لمعوا بعد سقوط الموحدين، لكن الرجال الذين أرسلهم الأمير الحفصي إلى أشبيلية أساءوا معاملة الناس وأظهروا الفساد، فاضطر أهل أشبيلية لإخراجهم، وبدءوا في الاعتماد على أنفسهم، وألغوا معاهدة ذليلة كانت قد عقدت بينهم وبين ملك قشتالة النصراني فرناندو الثالث، وقتلوا «ابن الجد» صاحب مشروع المعاهدة المذكورة، ونصير السياسة المستذلة للنصارى.
وكان هذا نذيرًا ببداية النهاية الأشبيلية؛ إذ إنهم قد فقدوا العون الإسلامي الخارجي، وأعلنوا -بقطعهم المعاهدة- حربًا على القشتالة، لم تكن ظروفهم مهيأة لدخولها..
وقد شهدت سنة 644 هـ بداية التحرك النصراني ضد أشبيلية واستولى الصليبيون على حامية أشبيلية في هذا العام، وكان ذلك بمساعدة ابن الأحمر ملك غرناطة وفقًا لمعاهدته مع فرناندو..
وفي العام التالي تقدمت الجيوش النصرانية مرة أخرى إلى أشبيلية، وقد نجحت في الاستيلاء على عشرات المدن بفضل تدخل ابن الأحمر ومنعه هذه المدن من القتال بحجة أن القتال عبث...
وتم حصار أشبيلية وتطويقها من جميع الجهات بالكتائب النصرانية، وبالكتيبة التي يقودها ابن الأحمر المسلم، مشتركين جميعًا -باسم وحدة الطبقة العاملة فيما نظن- في تشريد أهلها وسحق دعوة الإسلام بها.. ولعل وجود راية إسلامية يلمحها المسلمون المحاصرون كان أشد ضربة تلقاها بعيون وقلوب باكية أهل أشبيلية المستبسلون!!
لقد وقف أهل أشبيلية المسلمون الشرفاء نحوًا من سنة يدافعون الحصار النصراني المدعوم من ابن الأحمر، وقد نجحوا في إيقاع النصارى في غير كمين، وأصابوهم بالهزيمة غير مرة....
وقد حاولوا -وهم في حصارهم- الاستنجاد بالمغرب دون جدوى، بينما توالت النجدات على النصارى، حتى نجحوا بسببها في منع المُؤن عن المسلمين المحاصرين في أشبيلية، فنفدت الأقوات، وبدأ شبح الجوع يدب في أوصال المدينة المجهدة...
وكان قضاء الله، وخرج المسلمون الأشبيليون من مدينتهم وفق شروط المعاهدة، خرجوا نازحين لاجئين إلى مدن إسلامية إسبانية أخرى لم تلبث أن سقطت!!
لو كان هؤلاء المسلمون في مئات المدن التي استسلمت دون قتال بواسطة ابن الأحمر أو خوفًا من الموت، لو كانوا قد اتحدوا وقاتلوا، أو لو أنهم قاتلوا تحت أي ظروف، أكانت النتيجة ستصبح شرًّا من هذا الحال الذي لقيه المسلمون في الأندلس...
لكنها سنة الله في حركة التاريخ.. فعندما يتم الخروج على قوانين الله، تتجمع عوامل الفناء فينغلق باب العودة، فتتحقق الإبادة، ويتحقق الموت في شكل مجموعة من الكوارث.
سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل