العنوان عندما يأتي نداء الجهاد من الشيوعية
الكاتب عبدالحليم أحمدي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1986
مشاهدات 63
نشر في العدد 787
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 14-أكتوبر-1986
•
ماذا عندما تعقد المؤتمرات عن نضال المسلمين من أجل السلام تحت العلم
الشيوعي وتحت الفأس والمنجل!
•
العقبة الكأداء في طريق السلام من وجهة نظر الإسلام الإلحاد والكفر.
الإسلام هو دين الله في أرضه وهو آخر الرسالات السماوية التي أكدت التوحيد والإيمان
بالرسل عليهم السلام والبعث بعد الموت، ووعد المنكرين والكفار، النار خالدين فيها أبدًا.
والشيوعية هي المادية التي تقول إن لا إله وإن الرسل جميعًا كذابون أفاقون، وإن الأديان
والشرائع السماوية كلها أفيون الشعوب.
كل ذلك مفهوم ومعروف عند الجميع، ولكن ما هو غير مفهوم هو أن يأتي نداء الجهاد
من الشيوعية! وما هو أغرب من ذلك أن نتحدث عن نضال المسلمين من أجل السلام تحت العلم
الشيوعي وشعار الفأس والمنجل!
أيعقد مؤتمر في الكيان الصهيوني عن نضال الشعب الفلسطيني أو منظمة التحرير الفلسطينية
لأجل السلام؟
إن روسيا احتلت من أراضي المسلمين أضعاف ما احتلته "إسرائيل" وإنها
قتلت من المسلمين عشرات أضعاف ما قتلتهم "إسرائيل".
وإن لم يكن الجهاد واجبًا ضد الإلحاد والصهيونية فضد من أوجب الله الجهاد؟
وإن لم يكن الإلحاد- وهو إنكار كل دين- هو العدو الأول للإسلام (وهو خلاصة الأديان
السماوية وجوهرها) فمن هم أعداء الإسلام الذين يجب علينا محاربتهم؟!
وإذا كان الإسلام يدعو إلى السلام ويأمر أتباعه بالجهاد لتحقيقه فإن العقبة الكأداء
في طريق السلام عند الإسلام هي الشيوعية والإلحاد والكفر بجميع أنواعه وأشكاله في كل
عصر ومصر، إذ لا يمكن أن يتحقق السلام عند الإسلام في الأرض والشيوعية تحكم الملايين
من المسلمين، وتحتل عدة جمهوريات إسلامية كانت مراكز كبرى للحضارة والثقافة الإسلامية..
وإزاء ذلك لا يمكن أن تسود الشيوعية في العالم كله.. كما هو أصل من أصولها إلا إذا
تقهقر الإسلام وتم القضاء عليه في ربوع الأرض.. وهي حقائق بديهية يدركها الروس، وندركها
نحن، ويدركها كل ذي بصر وبصيرة.
وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يدعو السوفيات إلى انعقاد هذه المؤتمرات؟
إن الاتحاد السوفياتي كما هو معروف، يحتل عدة جمهوريات إسلامية يقطنها أكثر من
50 مليونًا من المسلمين الذين سيزداد عددهم عند حلول عام 2000 فيصل إلى ثلث مجموع السكان،
إذ- كما تدل الإحصائيات- يزيد مواليد المسلمين عن الروس بنسبة مرتين ونصف. وعلى ذلك
ليس أمام الاتحاد السوفياتي إلا أن يقضي على الإسلام ولاسيما في تلك البلاد، أو يوجهه
لمصالحه الخاصة في صراعه مع الغرب، ولهذا سارت السياسة السوفياتية منذ الانقلاب الشيوعي
إزاء الإسلام في خطين متوازيين:
أولًا: طبع نشرات وكتب لتشويه الإسلام والأديان السماوية كلها وهناك مؤسسات علمية
سياسية متخصصة تقوم بذلك؛ منها قسم خاص في كلية الفلسفة بجامعة موسكو.
وكانت هذه النشرات هي التي تغذي، ولا تزال، على مدى ستين سنة الأحزاب الشيوعية
في المنطقة ولاسيما أحزاب: خلق وبرجم وشعلة جاويد في أفغانستان التي يحكمها الآن حزب
برجم بعد أن سقط حزب خلق تحت ضربات المجاهدين،
وحزب توده في إيران وهو بالمرصاد للأوضاع المتردية هناك حتى يقفز على السلطة فيصل بذلك
السوفيات إلى مياه الخليج مباشرة.
وقد قرأت كثيرًا من هذه النشرات المصدرة إلينا في أفغانستان وإيران وهي باللغات
المحلية التي يجيدها وينطق بها الشعوب في هذه البلاد. وتمنيت عند ذاك، وما زلت، أن
يكون مسؤولو الشؤون الإسلامية في البلاد الإسلامية على مستوى المسؤولية في هذا العصر
فيقوموا ببناء مراكز ومؤسسات إسلامية كبيرة للترجمة تترجم الكتب العربية الإسلامية
والتراث الإسلامي إلى اللغات المحلية التي تنطق بها الشعوب الإسلامية حتى نتصدى بهذا
الغزو، بل غزوات ثقافية شرسة تتعرض لها الشعوب والدول التي لا تملك الإمكانيات الكافية
لإقامة هذه المؤسسات.
أقول ذلك بعد أن أصبح نشر اللغة العربية وجعلها رسمية في كل البلاد الإسلامية
أمرًا بعيد المنال.
ثانيًا: هو انعقاد المؤتمرات باسم الإسلام والمسلمين، إذ إنها تخفف- كما ترجو-
من شدة التناقض الأيديولوجي بينها وبين الدول الإسلامية بما يحفظ مصالحها كدولة كبرى.
كما أن تلك المؤتمرات تحذر بعض المسلمين الذين يرون في الرياض والقاهرة والكويت...
إلخ مراكز إسلامية كبرى يقطنها إخوة أشقاء لهم بأن يعتقدوا أن روسيا مازالت على علاقة
بالإسلام، وأن ما يقال من التناقض بين الشيوعية والإسلام محض هراء.. وهي مقولة يرددها
السوفيات ولاسيما بعض المسلمين السذج لكل من يزور الاتحاد السوفياتي من المسلمين. على
أن الهدف الأساسي من انعقاد هذه المؤتمرات هو- كما قلنا- توجيه جهود المسلمين لما يخدم
أغراضهم ومصالحهم في صراعهم مع الغرب.
وإذا كان الروس- خدمة لتلك المصالح- قد ساروا في هذين الاتجاهين أو الخطين، على
ما بينهما من التناقض، فإنهم قد كثفوا نشاطهم في الخطين معًا في الفترة الأخيرة التي
أعقبت الانقلاب الشيوعي ثم التدخل السوفياتي في أفغانستان عام 1979.
والسبب في ذلك يرجع إلى عدة عوامل منها:
انتشار الإسلام السريع وبروزه كقوة عالمية، إذ ذكرت الإحصائيات أن الإسلام قد
انتشر في العالم بنسبة 230% إزاء النصرانية 64% واليهودية التي نقصت 4% وذلك خلال الخمسين
سنة الأخيرة التي لم يحرز فيها المسلمون إلا هزائم عسكرية مما يدحض فرية الأعداء القائلين
بانتشار الإسلام بقوة السيف في صدر الإسلام.
ومما يلفت النظر انتشار الإسلام بين المفكرين الغربيين الذين تحدثوا عما في الإسلام
من القدرة على حل مشاكل العالم وإنقاذه من البؤس والهلاك.
وإذا كان هناك كثير من العلماء يتنبأون بقرب انهيار الحضارة الغربية بشقيها:
الرأسمالية، والشيوعية، لعجزها عن حل مشاكل الإنسان، فإن منهم من ذهب -شبنجلر- إلى
أن الإسلام هو الذي سيحل محل هذه الحضارة ليقود البشرية نحو النجاة وبر الأمان مرة
أخرى.
ولعل أهم هذه العوامل هو الجهاد الأفغاني الذي ولد عملاقًا، سار عملاقًا ضد دولة
كبرى لم تقف إزاءها إلى الآن أمة إلا وجعلتها تدور في فلكها أو سحقتها.
وإذا كانت هذه الظاهرة قد حيرت المفكرين والعلماء في الغرب مما ساعد- بشكل أو
بآخر- على انتشار الإسلام، فإن آثارها على الصعيد الإسلامي عظيمة جدًّا، إذ يتطلع المسلمون
إليها في كل أنحاء العالم كشعاع من الأمل يبدد ظلام اليأس ويغرس الثقة في النفوس ويجمع
المسلمين حول هدف مشترك في العصر الحديث، على الرغم من أن الدول الإسلامية وحكوماتها
قد وقفت أمامها متفرجة لامبالية. إلا أن آثار الجهاد الأفغاني على الشعوب والمناطق
الإسلامية داخل روسيا كانت أعظم بكثير مما كان يتصور عند بدء الجهاد، إذ سمعت هذه الشعوب
من جنود عادوا من ميادين المعارك (الاتحاد السوفياتي يبدل قواته في أفغانستان بقوات
جديدة كل ستة أشهر) قصص بطولات المجاهدين فرأت فيها مستقبلها وملأتها تلك البطولات
فخرًا وعزة وثقة بالنفس أمام الشعب الروسي، مما أجبر الاتحاد السوفياتي على منع الجنود
العائدين من الحديث مع الناس ومضاعفة النشرات والكتيبات التي تتعرض لهذه الظاهرة.
ويرى كثير من المراقبين أنه لو استمر هذا الوضع، فإنه مع الزيادة السكانية للمسلمين
بالمقارنة مع الروس، سيشكل خطورة حقيقية تهدد على المدى البعيد هذه الإمبراطورية التي
تحكم عشرات الشعوب المختلفة الأجناس والأديان، وهو أمر يرعب القيادة السوفياتية من
مستقبل تنهار فيه كل أحلامها.
ولا شك أن المؤتمرات الإسلامية التي تنعقد هناك تهدف ضمن ما تهدف إلى تغطية الاحتلال
السوفياتي لأفغانستان من جهة والحيلولة دون الآثار التي يتركها جهاد الشعب الأفغاني
المسلم على المستويين: الإسلامي، والدولي من جهة أخرى.