العنوان وجهة نظر.. عندما نصافح الأيدي الملوثة بدماء المسلمين
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1978
مشاهدات 64
نشر في العدد 414
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 03-أكتوبر-1978
- واضح أن هناك اتفاقًا غير مكتوب بين الأنظمة الحاكمة في ديار المسلمين -اتفاق جنتلمان- كما يقال، مؤاده تبادل الحماية -غير المشروعة لنفسها بينها؛ فالنظام في بلاده يتكفل بحماية التي يمتلكها أو على الأقل يسيطر عليها أو له حق التصرف فيها.
هذا الاتفاق يطبق كقاعدة عامة، طالما الوفاق السياسي قائمًا بين النظام الحامي والأنظمة المحمية التي تشملها حمايته، أما إذا حدث ما يعكر صفو العلاقات بين هذه الأنظمة المتفقة على تبادل الحماية فإن هذه القاعدة تتهاون أساسها، ويحل محلها قاعدة أخرى من السباب وكشف العورات والأساليب التي تتعفف عنها أساليب الصبية في الأزقة والحارات.
- وبالطبع -مثل هذه الاتفاقية لا تقوم على مبدأ أخلاقي بين الأنظمة الحاكمة في ديار المسلمين، وإنما تقوم على مبدأ غير أخلاقي، أو سياسي يطلق عليه مبدأ المصالح المتبادلة، مصالح الأنظمة وليس مصالح الشعوب بحال من الأحوال؛ إذ يمكن لأي نظام داخل في الاتفاقية أن يطمئن إلى كل تصرف منه -مهما بلغ انحرافه، ومهما تفاقمت نتائجه، فالبنسبة لوسائل إعلامه، يكون من الطبيعي أن تهلل وتكبر، وتسبح بحمد النظام، وبالنسبة لوسائل الإعلام الخارجية، يكون من الطبيعي أيضًا -لوجود الاتفاقية- أن تلتزم الصمت -على الأقل- إن لم تجنح إلى الثناء والتجميد. أو بمعنى آخر إلى المداهنة والتهريج..
- لكن هذه الأنظمة -كما يبدو لنا تنسى دائمًا أنها تعيش في أوهامها، يخيل إليها أن العالم خال من وسائل الإعلام التي تذيع دقائق أسرارنا في عالمنا العربي أو الإسلامي، وفضائح ولاة أمورنا وأذنابهم في أوروبا وأمريكا، والشعوب العربية والإسلامية تحرص على متابعة إذاعات أوروبا وأمريكا التي لا سلطان لأحد عليها، لتعرف كل شيء، وتقف على كل شيء، حتى أصبح لدى أذهانها مخزون من المعلومات المهمة. وبالرغم من هذا، فإن هذه الأنظمة أحيانًا تعمد على إخفاء بعض ما يحدث في داخل ديارهم، متشبهة بالنعام حين تدفن رؤوسها في الرمال ثم يفاجأ الشعب بأخبار هذه الأحداث من وسائل الإعلام الأجنبية، ويضطر إلى تصديق هذه الأخبار برمتها..
- ولا بد من الاعتراف بأن دعوى حرية الرأي أو حرية الصحافة لا تقوم على أساس، بل هي والعدم سواء، وحتى نتحرى العدل، يجب أن نعترف بأن حرية الكتابة قد يطلق سراحها، لكن -فحسب- حين يراد منها أن تراهم في مواكب النفاق والتزلف إلى النظام المتربع على السلطة، ولكن مثل هذه الحرية، ليست حرية بالمفهوم الراسخ في الأذهان، وإنما نوع من الحرية التي لا يباشرها إلا العبيد، وحرية العبيد مقيدة بالولاء المطلق، والطاعة العمياء.
- لكن ما شأن حرية الرأي بالموضوع الذي نحن بصدده؟ ونقول: إن الحماية المتبادلة بين الأنظمة القائمة في ديار الغرب والمسلمين تعتمد أساسًا على خنق هذه الحرية. ويصبح مستساغًا لكل نظام أن يصنع ما شاء له أن يصنع، ومستساغًا لكل سفاح يداه ملوثتان بدماء المسلمين أن يتجول في العالمين العربي والإسلامي، فلا يجد غير الترحاب والتكريم على المستوى الرسمي، وعلى المستوى غير الرسمي الخاضع خضوع العبيد لاتجاهات المستوى الرسمي.
منذ عامين مثلًا أو أكثر قليلًا، انعقد مؤتمر عالمي للنقابات العمالية في لندن وكان على رأس الوفد الروسي أحد الجلادين في عصر ستالين، وما أن وصل هذا الجلاد السابق إلى لندن حتى فوجئ بالصحافة البريطانية تصرخ في وجهه. عد إلى بلادك، فإن لندن لن ترحب بك ..وكان أن بادر الرجل بالعودة إلى موسكو دون أن يشترك في المؤتمر..
هذا ما حدث في دولة أوروبية، ووسائل الإعلام في الغرب باستثناء الدول الدائرة في الفلك الماركسي -حرة من كل قيد، وتعالوا بنا إلى ما يجري عندنا، إن السفاحين الملوثة أيديهم بدماء المسلمين، يتجولون في ديارنا -نحن العرب والمسلمين- ولا يجدون إلا الترحيب والتكريم، فهل جرؤت صحيفة واحدة، أو هل في استطاعته أية وسيلة إعلامية إلا أن ترحب وتكرم؟
أسد يهوذا الذي هلك كم لوثت يداه بدماء المسلمين في الحبشة وفي أريتريا، ومع ذلك كان ينتقل في ديار المسلمين ما شاء له أن ينتقل، ويجد الترحيب الرسمي وغير الرسمي، بل عندما زار أسد يهوذا هذا الولايات المتحدة منذ بضعة عشر عامًا، صرّح بأن المسلمين قلة في بلاده دخلوا الإسلام على أيدي بعض التجار العرب، وقريبًا سيعودون إلى دين آبائهم وأجدادهم، فإننا لن نسمح بأن يقوم في بلادنا دينان.. ومن المدهش أن الإمبراطور مر في طريق عودته إلى بلاده بعدد من البلاد العربية الإسلامية، دون أن تجرؤ صحيفة واحدة حتى على مجرد ذكر قولة الإمبراطور المليئة بالحقد على الإسلام. وعلى المسلمين..
وهناك سفاح ثان هلك منذ ثلاثة أعوام، كان يدعى عبيد كرومي.
أصله من زنجبار، الدولة العربية المسلمة العريقة، كان لها موقف عجيب من "إسرائيل"، إذ لم تستطع "إسرائيل" أن تتسلل إليها كما تسللت إلى العديد من الدول الأفريقية المسلمة بل رفضت زنجبار أن تسمح لطائرة رئيس وزراء "إسرائيل" بالمرور في مجالها الجوي، وكان أن دبر انقلاب عسكري ضد زنجبار، وضمت عنوة إلى تنجانيقا وكونت تنزانيا، واشترك في المؤامرة نيرري الصليبي الذي عين رئيسًا للجمهورية الجديدة، لمؤازرة "إسرائيل" كما اشترك الخائن عبيد كرومي الزنجباري وكوفئ بتعيينه نائبًا لرئيس الجمهورية، وقتل يوم الانقلاب أكثر من خمسة عشر ألف مسلم زنجباري، وحدد ليوم الانقلاب يوم الأحد ودقت الكنائس في تنجانيقا أجراسها على التوالي ابتهاجًا بنجاح الانقلاب، واختفاء دولة مسلمة مائة في المائة من خريطة العالم الإسلامي الذي كان -ولا يزال- يغط في سبات عميق..
وزار الخائن عبيد كرومي قبل أن يلقى مصرعه دولة عربية تشرق بالإسلام ورحّبت به صحفها ووسائل إعلامها، ووصفته بالمناضل العظيم، وكان مضحكًا للغاية أن ذكرت الصحف حقيقة ماضيه، فقد تعلم في كُتّاب القرية ليس أكثر، ثم انضم إلى الحركة العمالية إلى أن وصل إلى منصب النائب لرئيس الجمهورية.
- هناك من سفك دماء علماء المسلمين ومثّل بجثثهم؛ لأنهم تصدوا للمحاولات التي أريد منها انتهاك شريعة الله، وهناك من سفك دماء أكثر من ثلاثين ألف مسلم -جزيرة بأكملها- حتى لا يتحدى أحد إرادته ولا يزال هؤلاء يتجولون في العالم العربي والعالم الإسلامي، فيستقبلون بالترحيب والتكريم سواء على المستوى الرسمي أو على غير المستوى الرسمي.
بل إن هناك زعيمًا لدولة أفريقية مسلمة يتجول أخيرًا في بعض البلاد العربية، وتكتب عنه الصحافة كمناضل وطني، أو كزعيم صادق الوطنية، ومثل هذه الزعامة سائر الزعمات التي صنعها الاستعمار على أعينه، ليجعل منها قطع شطرنج يحركها بإرادته، والعجيب أن ما نشرته الصحف العربية مغاير تمامًا للحقائق المُرة في دولة هذا الزعيم.
فلقد أذاعت إذاعة هولاندة أخيرًا أن عدد المعتقلين السياسيين زهاء خمسة آلاف، في عزلة تامة عن الحياة، وأن عدد المهاجرين من الدولة بسبب الضغط السياسي وسوء أحوال المعيشة الناتجة عن التطبيقات الاشتراكية، بلغ زهاء مليون مهاجر يمثلون 25% من عدد السكان...
- لا تزال العلاقات الطيبة قائمة بيننا نحن العرب والمسلمين – وبين الذين لا يزالون يباشرون حرب الإبادة على الأقليات المسلمة، في الفلبين وتايلاند وبورما وكمبوديا، وبلغت بأنظمتنا اللامبالاة بمشاعر المسلمين حدًّا لا يطاق؛ فزعماء هذه الأنظمة -المحسوبة على الإسلام زورًا- لا يمنعهم الحياء أن يبعثوا للاشتراك في احتفالات سفارات مثل هذه الدول بأعيادها القومية، بالإضافة إلى إرسال برقيات التهاني باسم الشعوب.. ولا نظن أن الشعوب المسلمة، التي يتحدث الزعماء باسمها تقبل على كرامتها أن تهنئ سفاحين بأعيادهم، سفاحين سفكوا -ولا يزالون يسفكون- دماء إخوة لهم في الدين؛ فإن شر ما أصيب به الإسلام المعاصر، هو الأنظمة التي تحكم دياره، هذه الأنظمة التي تضمر كل كيد للإسلام الصحيح، فهى تخشى إذا قامت له قائمة أن يقضي على مصالحها أو يهدد – على الأقل وجودها، وشر ما في هذه الأنظمة، هذه الحماية المتبادلة بينها، حتى لا يجرؤ كاتب على مجرد التنديد بنظام منها يسفك دماء المسلمين في بلاد، ثم يُستقبل زعماؤه في غير بلادهم استقبال الفاتحين، وتصافح بحرارة أيديهم الملوثة بدماء المسلمين.
وبعد مرة أخرى -فنحن نعتذر لأننا ما زلنا عاجزين عن أن نضع النقاط على الحروف.