العنوان المجتمع التربوي (العدد 1406)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-2000
مشاهدات 65
نشر في العدد 1406
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 27-يونيو-2000
عندما نترك الجهاد احتجاجًا بالضعف.. نزداد ضعفًا!
نحن أمة عريقة في حضارتها قوية بروح الإيمان وقيم الإسلام، دينها الاستشهاد واسترخاص الأرواح في سبيل الحق، والكرامة، وصيانة الشرف، ولدينا من الإمكانات والقدرات ما يؤهلنا لتحرير كل شبر محتل من بلاد المسلمين، ومن العار أن ندَّعي الضعف والخوَّر، ونركن إلى الذل والهوان، ومن الظلم أن نزين للجبناء والمتخاذلين ما هم عليه أو أن نقدم لهم المبررات لترك الجهاد أو الدعوة إلى المهادنة أو التنازل والتصالح مع المعتدين المتجبرين.
إن من أبلغ العجب أن نعد أنفسنا، أو أن نكون ضعفاء أمام من حكم الله تعالى عليهم بالذلة، والمسكنة، وهم فعلًا أهل ذلة ومسكنة وسخط من الله، وغضب وتشريد في الأرض، ونتساءل: أمام من إذن سنكون الشجعان الأشداء، رهبان الليل، فرسان النهار، كما كان سلفنا الكرام؟
ربما تُوجد بعض حكومات ضعيفة، لكن الشعوب غير ضعيفة، ولو كانت تلك الحكومات الضعيفة تركن إلى الشعوب وتستند إلى قاعدتها العريضة، وتؤثر مصالحها على مصالح غيرها لما كان بها هذا الضعف والوهن ولو فتحت لشعوبها باب الجهاد لما تراجعت ولا ضنت حتى تتحرر كل الأرض الإسلامية في جميع بقاع العالم.
لا ننكر أن بالأمة بعض ضعف وانحرافات وأخطاء، لكنا نعتقد أن سببها الرئيس هو ترك الجهاد في سبيل الله، فإن حياة الجهاد إذا فترت في الأمة أصابها شيء من الضعف والوهن بلاشك وطمع فيها الأعداء، وما ترك قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل والمسكنة والانحطاط، والجهاد يجدد شباب الأمة، ويضع لها مقصدًا ساميًا يحفظ تماسكها، ويحشد طاقاتها، وينشط قواها لمواجهة العدو الخارجي.
وفي ساحات الجهاد يتربى الشباب على القوة والخشونة وحياة الجندية مترفعين عن الرخاوة وسفاسف الأمور، كما تبرز روح الجماعة والرغبة في البذل والغداء والتضحية، وتظهر البطولات، والمهارات، والمعجزات، وتصاغ روح الأمة من النار والبارود صياغة العزة والإباء والكرامة، فلا استسلام، ولا خوف، ولا وهن، ولا ترك للحقوق تُنتهب من الأقزام المعتدين.
الاحتجاج بالضعف: وحتى إن يكن في الأمة ضعف فترك الجهاد يزيد في ضعفها وهنًا على وهن، وانحطاطًا على انحطاط فسبب الذلة والضعف هو ترك الجهاد، فإذا تركنا الجهاد احتجاجًا بالضعف، فقد قلبنا القضية، وجعلنا السبب نتيجة، والنبي ﷺ يبين في الحديث الذي رواه أبو داود: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم».
وهذا الحديث يوضح أن ترك الجهاد في سبيل الله هو ترك للدين، وسبب للمذلة والانحطاط، وأن الجهاد هو سبب العزة ومهابة الأمة في قلوب أعدائها، وما يؤدي إلى ترك الجهاد الكسل والدعة، والترف، والتنعم، والركون إلى متاع الدنيا الزائل، فإذا كان الأمر كذلك في أمة فإن تسلط الأعداء عليها محتوم، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة المجادلة، آية: ٢٠-٢١) روى الطبراني عن أبي بكر الصديق عن النبي ﷺ في حديثه: «ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بعذاب».
في الجهاد الأفغاني لم تستطع روسيا المتحدة حين كانت إمبراطوريتها عظمی أن تُخضع عزة المسلم الأفغاني برغم عددها وعتادها وسلاحها المتقدم، وقنابلها النووية والأسلحة المحرمة دوليًّا، وباءت بالهزيمة والخسران أمام جماعات مجاهدة لم تكن جيشًا نظاميًّا، ولم تتسلح بما يكفي، ولم تتدرب كما يتدرب الجنود الروس ولكنها إرادة الشهادة، وعظمة الجهاد الإسلامي حين تشتعل جذوته في الصدور.
والدليل الآخر الذي لا يقل بلاغة هو هزيمة العدو الصهيوني الكاملة في لبنان، وانسحابه من الجنوب بعد ضربات المقاومة القوية، حيث لم يحتمل الجيش الإسرائيلي قتل عدد من جنوده على حين قدمت المقاومة مددًا لا ينقطع من المقاتلين الذين كانوا يتدافعون في ساحات الوغى فكان الموت أحب إليهم من حياة يشربون فيها ماء الذل ويطعمون خبز الهوان.
ودليل قوتنا هو أن يجتمع كل هذا الكيد العالمي ضدنا من صهيونية عالمية رأسها العدو الصهيوني، وصليبية دولية رأسها الغرب وشركية وثنية رأسها الهند، فإن اختلفت هذه الدول في شيء فهي متفقة على حرب الإسلام والمسلمين، وبينها التخطيط الشامل لتعويق كل صحوة أو قوة تنبت في العالم الإسلامي، ولذلك فهم يقفون وراء مخططات ضرب الصحوة الإسلامية، ومحاولات وأدها في مهدها، وكتم أنفاسها، وتشويه صورتها، وتزييف أهدافها، ومحاولة عزلها عن الجماهير بالتضليل، والخداع، والمكر السيئ، وما أوجد الكيان الصهيوني أساسًا في قلب وطننا العربي إلا لزرع الشقاق والتعويق المستمر لكل نهضة.
إمكانات كثيرة
إننا لسنا فقراء، ولا ضعفاء، ولا جبناء، ولدينا من الإمكانات ما يمكن أن يجعل الغرب متفهمًا لكثير من حقوقنا، ومطالبنا، إذا كانت عندنا الإرادة في استثمار هذه الإمكانات التي مَنَّ الله علينا بها.
والمسلمون اليوم قنبلة سكانية تغيظ الغرب وتخيفه، فلديهم خصوبة عالية، وهم لا يلدون، ونحن نتحكم في مضايق العالم البحرية الرئيسة وطرق التجارة والموانئ والعالم كله يحتاج لموارد المسلمين، وصداقة المسلمين، ونحن نريد برغم ذلك ألا نستفيد من هذا لمصلحة قضيتنا!.
لا إسلام بدون جهاد يجدد شباب الأمة ويسترد حقوقها المغصوبة
وبرغم كل هذه الإمكانات والقدرات لم تنهض لإعادة بناء الذات، ولم نأخذ خطوات رسمية جادة للتقدم العلمي والاقتصادي، اللهم إلا في بلدين أو ثلاثة شذوا عن معادلة التخلف التي رسمناها على جباهنا وصدورنا كأنه قدر محتوم، ويبرز لنا أن العيب ليس فيما نملك، ولكن في كيفية إدارة ما نملك.
ما الذي يمنع هذه الأمة من التوحد، أو التعاون على الأقل للنهوض وإنقاذ المقدسات الإسلامية وإذا لم يسع الخائفون والطائفيون ودعاة القطرية للوحدة والتحرير، فليس واجبًا علينا أن نقر هذا الواقع المزري فضلًا عن أن نزينه، لكن دورنا هو أن ندعو إلى الوحدة التي تؤدي إلى تحرير المقدسات، لا أن ندَّعي أننا ضعفاء لا يجب علينا تحرير ولا جهاد.
إن من مزقوا الأمة شر ممزق، وحاربوا أنفسهم بدلًا من حرب العدو الصهيوني، واستنفدوا طاقات الأمة في غير قضية، يجب أن نقول لهم: «كفوا أيديكم عن حرب بعضكم بعضًا، وحاربوا هذا العدو واتركوا للأمة الخيار في أن تجاهد من أجل كرامتها، ولتدفع العدو المغتصب.
ماذا عندهم يجعلنا نخاف ونهتز؟
إن كان مالًا، فلدينا من المال أكثر.
وإن كان رجالًا، فلدينا من الرجال أكثر.
وإن كان سلاحًا وعتادًا، فلدينا منه الكثير الذي يكفي.
وإن كانت شجاعة، فلدينا شجاعة المجاهدين، الراغبين في الشهادة، الذين قال الله في شأنهم: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (سورة الأحزاب، آية: 23)، وعدونا العتيد قال الله فيه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (سورة البقرة، آية: 61).
كن ربانيًّا تبتسم لك الحياة
الربانية.. تجرد وخلق.. روحانية وعمل
ها هي شمسنا تسطع من جديد على الأخ الرباني الذي جعل حياته مسخرة لخدمة هذا الدين، وخدمة أهله، وقوته الفاضلة، الأخ الرباني الذي لا يتعجرف، ولا يتكبر، ولا يتطاول على غيره، بل ترى نفسه ترف كالعلم الشامخ على القلوب الظامئة المشتاقة للنهل من ينابيع المحبة
والخيرات.. فمن الأخ الرباني حقًّا؟
الأخ الرباني الذي لا يبتغي كلمة الشكر من الآخرين، ولا الأجر من البشر من وراء ما يقوم به من أعمال، إنما يبتغي الأجر من ربه عز وجل، الأجر الذي يجعل كفة حسناته تطغى على كفة سيئاته، ولكن في الوقت ذاته يحذر من بعض النفوس الضعيفة التي تسعى لنشر دعوة الله، ولكن من خلال بعض الأساليب غير المستساغة تلك النفوس التي لا همَّ لها إلا تطوير ذاتها من خلال الآخرين، أو من خلال العمل المتناغم مع أفكارها الطموحة التي تسعى من خلالها إلى كسب الشهرة أو تجميع الأموال دون الالتفات لمسوغات إخلاص النية والصدق مع الله.
إن الفرد الرباني هو الذي لا يهتم بصغائر الأمور، ولا يلتفت لدنايا النفوس، بل يهتم بالمعالي التي ترفع من إطار طموحاته الإيمانية فتزيده قربًا إلى الله تعالى، الرباني هو الذي يحرص على حضور حلقات العلم، والتزود من معين الإيمان، ويُقبل على الله تعالى بالفرائض التي افترضها عليه بالقدر الذي لا يشق على النفس حتى لا تسأم، فقليل دائم خير من كثير منقطع، فيقوم بالعمل بالفرائض بالقدر الذي لا يتسبب في التقصير بالحقوق المفروضة.
الأخ الرباني هو الذي لا تهمه الحياة الزائلة، لا رغد العيش، بل يعيش العيشة السوية الهنيئة التي يحيا في إطارها دون مديد الحاجة لأحد أيًّا كان، فلا يكون كمن يلهث وراء المال، وينسى دعوته دعوة الناس للخير فيبيت عقله يفكر في المال كصورة تجارية بعيدة عن مصداقية العمل الدعوي التطوعي في هذه الحياة التي تحتاج أنموذجًا يحتذى به في الحياة، وبعد الممات.
وسائل للربانية
أخي الكريم: كن مع الله في جميع أحوالك، اذكره في الغدو والآصال، لا تتساهل في الذكر فهو الباب الذي تلج من خلاله التوبة والاستغفار الدائم، فاذكر الله كثيرًا، وادخل في دائرة المئات بل الألوف بالذكر والاستغفار، وليكن قدوتنا في ذلك رسول الله ﷺ وصحابته الكرام، والسلف الصالح، فالذكر ميدان خصب لكسب الأجر، وتضاعفه فيميزان الحسنات، أما بيوت الله العامرة، فليكن لك منها أوفر الحظ والنصيب من خلال المكوث فيها، واستشعارأجر الاعتكاف الذي يسبغ عليك -بإذن الله تعالى- ثوب الراحة النفسية الإيمانية، ثم عليك بأذكار الصباح والمساء، وقراءة كتاب الله الكريم الذي لا يجب ألا يمر يوم دون أن تطيل النظر فيه فهي عبادة في حد ذاتها، وهو الذي تجيش منه المعاني المتألقة العلية التي تعطر بريحها كل أنف، وتتساقط الدموع من الأجفان عندما تقرأ آياته، فتغتسلالنفس من أدرانها وترق القلوب.
ثم احذر كل الحذر من أن تقبل على أي عمل دون أن تعرف حكم الله تعالى فيه، فربما كان موطن شبهة يجرك للويلات، والشبهات الآثمة، فكما قال الحبيب المصطفى ﷺ في الحديث الصحيح «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» وكن حكيمًا في التكلم عن العلماء، فتحدث عنهم بأدب، فإن لحوم العلماء مسمومة واللبيب من يعرف كيف يتأدب معهم حتى وإن اجتهدوا باجتهاد لا يتناسب مع رأي بعض العلماء الآخرين.
أخي الحبيب: تذكر أن الربانية ثقافة، وخلق، وروحانية، وعمل، فسلم نفسك للأقدار مع الأخذ بالأسباب، وراقب الله تعالى حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وأصبر على ما ابتلاك الله تعالى به، وتأدب مع الله في الدعاء، وعليك بالإلحاح فيه فهو الطريق لصفاء النفس وتحقيق رغباتها، وتذكر أن مرجع الأمور إلى الله تعالى، ولا يستطيع أي كائن أن يمنع عنك رزقك أو أن يسلبك حقك ولا تنس بأي حال أن تكون معلمًا، وخادمًا لإخوانك فتعمل على قضاء حوائجهم، ثم في نهاية المطاف تكون لك خلوات إيمانية مع الله تعالى تستذكر فيها ما قمت به طوال اليوم لترى نفسك عقب ذلك هل ارتقت إلى مرتبة الربانية؟ وهل أصبحت «ربانيًّا» بمعنى الكلمة؟
اللهم اجعلنا من الربانيين، الذين يعرفونك حق معرفتك، ويقومون بواجباتك.. يا من يرجع الأمر كله إليه.
بدر علي قمبر