العنوان عندما تُظلم الزوجة الأولى
الكاتب سمير يونس
تاريخ النشر السبت 28-مارس-2009
مشاهدات 178
نشر في العدد 1845
نشر في الصفحة 58
السبت 28-مارس-2009
من الحياة
dr_samiryounos@hotmail.com
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسـلامية المساعد
نشأ شابًا متعبدًا، وتخرج في إحدى الكليات المرموقة، وصار ناجحًا في عمله، ولكن القلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء، فيثبت قلوب عباده المخلصين على الحق، فإن زاغت قلوبهم وشذت فطرتهم، وانحرفت سلوكياتهم.. وقعوا في الضلالة بعد الهدى، وفي ظلمات الظلم بعد نور العدل!!
تزوج هذا الشاب من ابنة شيخه الذي علمه أمور دينه، وحفظه كتاب ربه، ورزقه الله منها بأربعة أولاد بنتين وولدين، وسافرت الأسرة إلى المملكة العربية السعودية، وبهذه السفرة وسع الله أرزاقهم، فقد عمل الزوج مهندسًا في إحدى الشركات براتب مجز، وعملت الزوجة معلمة بوزارة التربية في هذا البلد، وعاشا معًا أيامًا جميلة.
ثم أتيحت فرصة عمل أفضل لذلك الرجل وكذلك لزوجته، وذلك في بلد خليجي مجاور آخر، فقررا الانتقال، وهناك أيضًا عاشت الأسرة في سلام ووئام واستمتعوا بجو أسري دافئ ونعم كثيرة متنوعة
فتاة الشات
لكن صفو الحياة الأسرية لم يدم، فقد جـد جـديـد فـي حـيــاة الــرجــل.. لقد تعرف على فتاة عن طريق المحادثة في إحدى غرف الشات على الإنترنت ومنذ البداية استلطف كل منهما الآخر، وتوالت اللقاءات والمحادثات بينهما تترًا، في كل مرة يصرح كل منهما للآخر بالحب، ويحلمان معا بحياة رومانسية حالمة، وحكى لها وشكى إليها -كذبًا وبطرًا- ما يعانيه من زوجته التي زعم أنها لا تهتم به، وأنها لا تشعر به، ولا تشبعه، وزعم أن حظها من الأنوثة قليل، وضعيف ولا يُذكر، ووعدته فتاة الشات بإعطائه ما حُرم منه، وتعويضه عن الأيام التي غَبَرَت، بل تظاهرت بالبكاء ألمًا على حاله، وسكبت دموع التماسيح، وتعجلت عقارب الساعة، وتمنت أن تمر سراعاً، كي تُسْعِد هذا الجاحد، الذي تنكر لفضل شيخه والد زوجته وكذب على ابنة الشيخ التي تفانت في إسعاده، وتناست كل عيوبه وخياناته، وسترت عليه نزواته وشطحاته، فقد كان يسهر الليالي مهملًا صلاة الفجر بسبب محادثته لتلك الفتاة التي أبعدته عن جادة الطريق، وأغوته عن صراط الله المستقيم، وعن عبادة رب العالمين... هذا كله يحدث وهي تعاتبه عتابًا رقيقاً دون أن تفشي له سرًا!!!
دعيتُ مع صديقين حكيمين للحكم بين الزوجين وإصلاح بينهما، وكان الرجل قد أخذ قرارًا حاسمًا لا رجعة فيه بأن يتزوج بالثانية.
في بداية الجلسة طلب صديقي الأكبر من كلا الزوجين أن يحكي شكواه، وظل الزوج مضطربًا، وبدا مُفلسًا، لأنه لم يجد ما يبرر بغضه ونفوره من زوجته، فحكى أمورًا تافهة فيما يزيد على ساعة من الزمن ونحن صابرون.
ثم حكت الزوجة مأساتها، وبدا عليها من أول وهلة عفة اللسان، وحسن الخلق، وظل صديقي الأكبر يحثها كثيرًا على أن تحكي كل ما يؤلمها بصراحة لعلنا نصل إلى الإصلاح بينهما، وخاصة أن المشكلة شهدت جلسات كثيرة من غيرنا على مدار سبع سنوات!!
حكت هذه السيدة مآسي تحار فيها العقول وتقشعر لها الأبدان أذكر منها أنها ذات مرة ذهبت - بإذن زوجها - وبصحبة ابنتها في المرحلة المتوسطة. لتلبية دعوة زميلتها في العمل على حفل عشاء في البيت، وبدأ الحفل متأخرًا نصف ساعة، وهذا أدى إلى تأخر الزوجة والابنة نصف ساعة عن رجوعهما إلى البيت، فما كان من الزوج إلا أن سب وشتم، وطرد الزوجة وابنته، فسألته الزوجة إلى أين نذهب؟ وأين نبيت؟ وطلبت منه أن تدخل ثم يحاسبها إن كانت قد أخطأت وخاصة أنها في بلد غير بلدها، ولا أهل هنا لها، ولا مبيت لها، لكنه لم يرحم رجاءها، فتوسلت إليه بابنته فلم يستجب فلم تجد أمامها إلا سيارتها دخلت هي وابنتها وأغلقت السيارة وأعلمته أنها موجودة وابنتها في السيارة بجوار البيت.. لكن قلبه القاسي لم يرق، وقد ذهبت الغيرة والنخوة والمروءة والشهامة.
مرت اللحظات بطيئة ثقيلة، والجو مخيف مرعب، فمع اقتراب الليل من المنتصف، إذا بشباب طائش مستهتر منحرف يدور حول المرأة وابنتها ويؤذيهما بكلمات جارحة، ويراودهما، فاتصلت بزوجها واستغاثته لعل النخوة تتحرك ولكن دون جدوى!!!
هذه صورة واحدة من صور كثيرة أخرى حكتها تلك المرأة الصابرة المحتسبة وهي صور تشيب لهولها الولدان، وتقشعر لها الجلود والأبدان من شدة تلك القسوة والفظاظة والغلظة التي ملأت قلب هذا الرجل، وسبحان مقلب القلوب!!
حوار مدهش
لقد دهشنا لرغبة هذه الزوجة في أن تعيش حياتها الأسرية وإن كانت على حساب ألمها، فمعلوم أن الأنثى تغار، ولا تقبل أن يتزوج عليها زوجها، بيد أن هذه الزوجة فاجأتنا بإلحاحها على زوجها أن يبقيها زوجته لتربي أولادها، وكان مما قالته وعلق بذهني من كلامها ورجائها قولها يا فلان لا تطلقني، واتركني زوجة لك أربي أولادي، وتزوج بمن شئت، حتى إذا تقدم أحد لابنتنا فساعتها عندما نكون متزوجين أفضل من أن يُقال إننا مطلقين أو منفصلين!!!
سألت هذا الزوج، ما الذي بهرك في الزوجة الثانية ورأيته فيها ولم تره في زوجتك الأولى؟
فأجابني: الثانية رومانسية، والأولى ليست كذلك.. كان ابنه طفلًا رضيعًا ينام في مهده قريبًا منا، فنظرت إليه نظرة عطف وإشفاق، ثم التفت إلى الرجل، وقلتُ له: انظر إلى قطعة اللحم هذه -أقصد ابنه- أعتقد أن أي أب عنده بقية من الرومانسية لا يقبل أبدًا أن يُضيع هذا الطفل الصغير إن زوجتك تتوسل إليك وتستحلفك بالله، وتستعطفك بأولادك وبناتك أن تتركها لتربيهم وتعيش زوجة أولى لك، فلماذا هذا الإصرار على تضييع أسرتك؟!! ولماذا تترك هذا الصغير إلى مصيره المجهول؟!! ولماذا تحرمه من حنانك وتحرم إخوته من رعايتك؟!!
بعد حوار طويل، أفصح الزوج عن السر فقال: إن الفتاة التي سأتزوجها وأهلها اشترطوا علي أن أطلق زوجتي الأولى حتى يتم الزواج!!
انتهت جلستنا هذه والزوج مصر إصرارًا على أن يُطلق الأولى ويتزوج بفتاة «الشات»، وما استطعنا أن نفعل شيئا، إلا أن حررنا وصل أمانة بحق هذه الزوجة، ثم انصرفنا.
الزوج يطلق زوجته الأولى ثم يعيدها
طلق هذا الرجل زوجته، وتزوج بفتاته التي فتنته واستقدمها من موطنها إلى البلد الذي يقيم به ويعمل فيه، وما هي إلا أيام قليلة مرت على الزواج إلا وشعرت الفتاة باضطراب حال الزوج ففكرت وأحسنت التفكير هذه المرة، لقد أيقنت أن سبب اضطرابه هو تركه لأسرته التي عاش فيها وأسس بنيانها، وحنينه إلى أولاده، فأشارت عليه بإعادة زوجته الأولى، وبالفعل أعادها مرة ثانية وبلغ من أصالة الزوجة الأولى أنه عندما تعثر في سداد إيجار شقة زوجته الثانية قامت الزوجة الأولى بسداد هذا الإيجار!!
ويطلق الزوجة الثانية
ومرة ثانية تشتعل نار الغيرة في قلب الزوجة الثانية لقد اعتادت أن يظل معها طوال الوقت، فالليل كله لها، والنهار أيضاً بعد عودته من العمل، أما الآن فقد صارت لها شريكة تقاسمها ذلك الوقت، ناهيك عن تأليب أهلها لها، وتحريضهم لها على زوجها بعد أن علموا أنه أعاد زوجته الأولى، وما هي إلا أيام وطلبت الزوجة الثانية الطلاق بإصرار!!!
كان الزوج قد ذاق الأمرين من الزوجة الثانية، كانت تأخذ ولا تعطي شديدة الإهمال جزعة غير صبورة، جالبة للنكد والهم والغم حتى أصبح لا يطيق حياته معها، وظل يقارن بين زوجته الأولى الصالحة وبين تلك الفتاة التي أغرته وفتنته وهو الآن يبغضها أشد البغض!!
استجاب الزوج وطلق زوجته الثانية وعاد إلى بيته القديم وزوجته الأصيلة، ولكن بعد أن ضيع كل ما جمع من ثروة طوال حياته، فقد أنفق على الزواج الثاني ما يزيد على 100 ألف جنيه، ناهيك عما دفعه بسبب طلاقه للزوجة الثانية!!
«عادت ريمة لعادتها القديمة»
كنا نظن أن الرجل تعلم الدرس، فسوف يعود إلى بيته بقلب غير الذي خرج به، لكن كما يقول المثل: عادت ريمة لعادتها القديمة.
كنت أظن أنه سيفيق من إغماءته، ويشعر بالدمار النفسي الذي ألحقه بزوجته وأولاده ويعود معتذرًا عما بدر منه، وعن طيشه الذي بدد كل ما كان يملك، ويرى تلك الدرة التي تزوج بها وحفظته في ماله وعرضه، بعد أن عانى توترًا نفسيًا بسبب علاقات زوجته الثانية التي اكتشفها من خلال الإنترنت ومن خلال هاتفها النقال، لكنه لم يتعلم الدرس!!
كنت أتصور أن مشاعره ستستيقظ، وأن يدرك أن الزوجة ليست سلعة يزهدها ويبحث عن أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، كنت أتوقع أنه سيقدر حنان زوجته الأولى وطيبتها وهدوءها وعطفها واهتمامها به وبأولادها.. كان المنطقي أن يقدر كلماتها ومواقفها معه حتى بعد أن تزوج
عليها الثانية ثم ترتقي فوق غيرتها وتدفع إيجار الشقة التي تسكن فيها ضرتها، ولكن هيهات!!... هيهات!! فبدلًا من أن يجزي بالإحسان إحسانًا صدع في وجهها كثيرًا بالبغضاء، فقال لها: لا أحبك، تقول هذه السيدة الفاضلة: «لقد مزقني باعترافاته المتكررة لي بأنه لا يحبني، وأنني لو كنت زوجة حقيقية ما كان له أن يتزوج بالثانية وما كان له أن يبحث عن تعارف على غرف «الشات» وتستطرد هذه السيدة فتقول: «لم أشعر به كزوج ولكني رضيت بقدر الله تعالى، وصبرت على مصيبتي، حتى أولاده لم يشعروا بأبوته كان يحملني كل شيء حتى ما يرتكبه من حرمات كان سليط اللسان، تطيش يده فيضربني ضربًا مبرحًا كثيرًا ما كان يترك آثارًا مخيفة، ولم أفكر في يوم أن أحرر بذلك محضرًا، كنت دائمًا أقول: إنه زوجي وأبو أولادي.. ماذا يقول أولادي عني إذا تسببت في حبسه؟ وكنت دائمًا أحتسب ذلك عند الله تعالى!!
لم تستقم الحياة بعد ذلك.. والكلام للزوجة.. فكنت أهرب بنفسي.. من جحيم معاملاته وسلاطة لسانه، وبطش يده إلى تربية أولادي وإلى تلاوة كتاب ربي، وقراءة قصص الصبر وعبادة الله رب العالمين، والدعاء، وحزمت أمري واتخذت قراري بأن أصبر من أجل أولادي، ومن أجل الفوز بثواب الصبر والجنة».
عاقبة الظالم
لم يتب هذا الزوج، بل عاد فمارس هواياته، ورغب في البحث عن زوجة أخرى بالطريقة إياها، وطلق زوجته، وترك لها أولاده لتربيهم، وقد نسي طوال هذا الطريق أن الله عز وجل يمهل الظالم ولا يهمله، حتى إذا أخذه لم يفلته كما أخبر بذلك رب العزة سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (إبراهيم:42).
وعن أبي موسى الأشعري صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» «متفق عليه»، ثم قرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾
(هود:102).
لقد التقيت منذ أيام بأحد جيران هذا الرجل، فسألته عنه، فقال لي: إنه في الشهور الأخيرة عانى ضائقة مالية شديدة، بعد أن استغنت عنه الشركة التي كان يعمل بها، وظل يبحث عن عمل، فوجد فرصة عمل، ولكنه لم يستقر بها، وبحث فوجد فرصة أخرى، ولم يستقر فيها، ثم أغلقت الأبواب في وجهه، ولم يجد بدًا من السفر، فعاد إلى بلده مثقلًا بالهم والحزن والعجز والكسل وغلبة الدين وقهر الرجال!!