; عندما تفشل دولة في مواجهة التحدي المفروض عليها تسقط من قطار التاريخ! | مجلة المجتمع

العنوان عندما تفشل دولة في مواجهة التحدي المفروض عليها تسقط من قطار التاريخ!

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1972

مشاهدات 192

نشر في العدد 126

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 21-نوفمبر-1972

من «تغلب»- إحدى قبائل العرب الكبرى- انبثقت دولة بني حمدان جاعلة من الموصل- أول الأمر- عاصمة لها، وكان ذلك سنة ٣١٧هـ «929م» على يد زعيم الدولة حمدان بن حمدون. كان على هذه الدولة الناشئة أن تلعب دورًا حياتيًا في عدة جبهات: • في محاولة تضميد جروح الدولة العباسية من الطعنات المتتالية من الأتراك الذين استبدوا بها وحولوا خلفاءها إلى دمى للتسلية واللهو، وأيضًا من الطعنات الانفصالية التي تصيب الدولة من كل صوب. • في مقاومة الغارات البيزنطية التي يقودها الإمبراطور الروماني «شميشق» رغبة في الاستيلاء على بيت المقدس، وفي مقاومة الإمبراطور البيزنطي «نقفور فوقاس» الذي حاول بكل قوته السيطرة على حلب والثغور المتآخمة لحدود الدولة الرومانية. • في مقاومة الحركة الانفصالية التي تحكم مصر، الدولة الإخشيدية وتريد فرض سيطرة كاملة على مصر وبلاد الشام والحجاز تناوئ بالتالي أي حركة انفصالية أخرى تحاول بناء نفسها على حسابها..! • لقد نجح الحسن بن عبد الله الحمداني في أن يشل نفوذ الترك، وأن ينقذ الخليفة العباسي المتقي بالله من استبداد الأتراك به، وقـد رضي الخليفة العباسي عن صنيعه ومنحه لقب أمير الأمراء، ومنح أخاه المرافق له لقب «سيف الدولة».. لكنهما سرعان ما هزما أمام الترك وخرجوا من بغداد عائدين إلى عاصمتهم الموصل.. سنة ۳۳۱ هـ «٩٤٢م»... • ولما تولى سيف الدولة- وكان شجاعًا كريمًا- قام بعدة غارات لصد البيزنطيين، ونجح في أن يطردهم من المناطق التي تسللوا إليها، وواصل زحفه حتى دخل بلادهم واستولى على بعض حصونهم.. والمهم، زرع هيبته في نفوسهم، وجدد شباب الإرادة القتالية، ولم تستطـع بيزنطة أن تمد نفوذها إلــى بلاد الشام وفلسطين.. • وفي الجانب الإخشيدي.. استمر الحمدانيون في مقاتلتهم وتتبع نفوذهم، لكنهم أيام سيف الدولة خسروا أمامهم معركة في قنسرين، وانتهى الأمر بينهم بصلح وضع حدود الصراع المستمر بين جبهتيهما. • كانت هذه هي التحديات التي واجهتها دولة الحمدانيين.. وقد نجحت الدولة في بعضها، وأخفقت في أكثرها، ولقد بدا سيف الدولة الحمداني وكأنه الرجل الوحيد الممثل بهذه الدولة.. كان سيف الدولة بحق يملك أكبر رصيد من أمجاد الدولة... ولم يرفعه في سجل التاريخ ما قام به من حروب خارجية وحسب، بل كانت له في مجال الحضارة والعمران الداخلي مجالات برز فيها أكثر من بروزه في المجالات الخارجية، ولقد يبدو سيف الدولة في أعين كثير من المؤرخين وكأنه هارون الرشيد أو المأمون، وإنه ليعيد إلى الأذهان ذكرى تلك الساحة العملية والفكرية التي مثلتها بغداد.. في عصرها الذهبي، لكن الساحة كانت على عهده.. حلب الشهباء!! كان سيف الدولة الذي احتضن المتنبي وأبا الفرج الأصفهاني والفارابي وابن نباته، فضلًا عن أبي فراس الحمداني «شاعر الدولة».. كان هذا الرجل يمثل قوة الدولة وقمة ما وصلت إليه من رفعة... وظهرت الدولة بعده.. وكأنها بناء مائل للسقوط وقد توالى على الحكم بعد وفاة سيف الدولة ثلاثة خلفاء ضعاف حتى زالت في عهد أبي المعالي شريف سنة ٣٩٤هـ.. أي أنها لم تعش بعد سيف الدولة الذي مات سنة ٣٥٦ هـ أكثر من أربعين سنة !! لقد تمثلت قوة الدولة الحمدانية في شخص، وكعادة الدول التي ترتبط بأشخاص.. تسقط بسقوطهم وكان أكبر عامل حضاري زحزح الدولة الحمدانية عن مكانها في التاريخ؛ أنها فشلت في الاستجابة للتحدي الذي كان أقوى منها، ولم تنهج النهج السليم في مقاومته.. عن طريق إيجاد وحدة إسلامية تتجاوز الصراعات الجزئية لتواجه الخطر الحضاري الكبير.. وعندما تفشل دولة في الاستجابة للتحدي الذي يفرضه القدر عليها فإنها وإن قامت قليلًا فإنها لابد أن تسقط من قطار التاريخ.
الرابط المختصر :