العنوان عمل الإسلاميين بالسياسة.. حالة صحية أم مرضية؟
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر السبت 04-مايو-2002
مشاهدات 59
نشر في العدد 1499
نشر في الصفحة 66
السبت 04-مايو-2002
للإجابة عن هذا التساؤل كان لا بد من تعريف معنى السياسة اصطلاحًا وشرعًا، ليتأكد تلازم السياسة مع الإسلام، وبالتالي وجوب قيام الحركة الإسلامية بالعمل السياسي، وأنه لا انفصام بين السياسة والإسلام أو بين السياسة والدين، كما يزعم العلمانيون... ثم ليتضح كذلك مدى أهمية الوعي السياسي للمسلم، فضلًا عن الحركة الإسلامية وعموم العاملين على الساحة الإسلامية، إنقاذًا للقاعدة الشرعية التي تنص على أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
معنى السياسة اصطلاحًا: عرفها الأقدمون بأنها: «تدبير الشيء والقيام عليه بما يصلحه»، وأنها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال».
معنى السياسة الشرعية عند الفقهاء:
عرفها ابن نجيم الحنفي بأنها: «فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بهذا دليل جزئي، ومن الحنابلة عرفها ابن عقيل بقوله: السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول الله ولا نزل به الوحي.
ومن خلال هذا التعريف للسياسة نخلص إلى أن السياسة الشرعية نوعان اثنان:
أولًا: أحكام الوقائع التي لا يوجد لها دليل خاص صريح في القرآن ولا السنة، ولا الإجماع ولا يوجد لها دليل تقاس عليه.
ثانيًا: الأحكام التي من شأنها إلا تبقى على وجه واحد، وإنما تختلف باختلاف العصور والأحوال، وتتبدل بتبدل المصالح، وتتغير بتغير الظروف والمجتمعات... فالوقائع التي لا يوجد لها نظير تُقاس عليه فإن السياسة الشرعية كفيلة بالحكم فيها بما يوافق روح الشريعة الإسلامية ولا يصطدم بنص من النصوص، ولا يخالف إجماعًا ولا قياسًا.
وانظر مذكرة نظام الحكم للدكتور عبد العال عطوة، وكتاب أوليات الفاروق السياسية للدكتور غالب عبد الكافي القرشي.
ماذا تعني السياسة في الإسلام؟
إن السياسة تعني في مفهومنا الإسلامي: «رعاية شؤون الأمة».... وبهذا يكون للسياسة مفهوم رعائي يشمل كل نواحي الحياة ويتصل بكل جانب من جوانبها المختلفة.
فمن السياسة رعاية شؤون الأمة من الجانب التربوي والتعليمي وذلك من خلال رسم وتوجيه السياسات التربوية والتعليمية، ومن خلال تطوير وسائلها وأساليبها ومناهجها.
ومن السياسة رعاية شؤون الأمة من الجانب الإعلامي، من خلال رسم سياسات إعلامية تبني ولا تهدم وتصلح ولا تفسد وترتقي بالإنسان فكرًا ونفسًا وسلوكًا.
ومن السياسة رعاية شؤون الأمة من الجانب الاقتصادي والمعيشي، من خلال توفير حاجاتها الضرورية، والتي أشار إليها البيان النبوي بقوله: المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلأ «الطعام» والنار «الوقود»، رواه أبو داود بسند صحيح.
وكذلك من خلال توفير فرص متكافئة للعمل والإنتاج أمام كل المواطنين بما في ذلك دعم المشاريع الزراعية والصناعية والتجارية في القطاع الخاص.
ومن السياسة: رعاية شؤون الأمة من الجانب البيني والصحي من خلال وضع مشاريع قوانين المجانية التطبيب ومن خلال المحافظة على النظافة البيئية، والحيلولة دون تلوث الماء والتربة والهواء بالإضافة إلى إيجاد حلول لمشكلة النفايات الطارئة والدائمة، ووضع ضوابط وشروط الشركات استيراد وتكرير وتوزيع المحروقات المختلفة، والحد من استيراد السيارات والمولدات التي باتت وحدها. معضلة بيئية خطيرة.
قد يظن البعض أن السياسة تقتصر على شؤون الحكم وسلطاته التشريعية والتنفيذية والعلاقات الداخلية والخارجية، وأن لا علاقة للسياسة بالدين والأخلاق والتربية.
إن المفهوم الصحيح للسياسة يشمل كل جوانب الحياة التشريعية والتنفيذية والتربوية والتعليمية والإعلامية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والمالية والبيئية والعلمية والثقافية والفنية... إلخ.
إن مفهوم فصل الدين عن السياسة، أو فصل السياسة عن الدين، وأن الدين لله والوطن للجميع وأن ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، مفهوم «إكليري» كنسي، يمكن أن يكون متوافقًا مع الرسالة التي بعث بها سيدنا عيسى بن مريم – عليه السلام - والتي ركزت معالجتها على الأخلاق ومكارمها، وعلى الروح وتزكيتها، وعلى الهداية والإرشاد، بحسب قوله – عليه السلام: «إنما جئت لأهدي الخراف الضالة من بني إسرائيل».
أما القول: «بأن السياسة لا دين لها» فهو مفهوم من شأنه أن يجرد السياسة من القيم والأخلاق، ويجعلها سياسة كذب ونفاق وخداع، وكذا سياسة منافع ومصالح فردية وشخصية وفئوية، فضلًا عن كون هذا المفهوم يجعل الممارسة السياسية مماسة «ميكيافيلية» تعتمد الخداع والغش وكل ما يبرر الوسيلة من أجل الغاية.
إن هذا المفهوم للسياسة مرفوض في الإسلام كدين وكتشريع... فالإسلام يعتبر أن الدين لله والوطن لله ويعتبر أن ما لقيصر لله، وأن لا فصل في الإسلام بين الدين والدولة أو بين السياسة والدين... وأن السياسة يجب أن تبنى على الدين وبذلك تكون سياسة متدينة، أي سياسة مبنية على القيم والمثل والأخلاق..
إن الذين يعتبرون أن السياسة لا يمكن أن تخضع للمبادئ لأنها - في نظرهم - تجعل السياسي ضعيفًا غير قادر على ممارسة العمل السياسي بنجاح، إذ السياسة الناجحة في نظر هؤلاء هي التي تمارس بشطارة، أي بدون مبادي؟ إن هؤلاء مخطئون!
وفي مفهومنا أن الشطارة، يمكن أن تمارس باستقامة وذكاء ودهاء، إذ لا يعني التزامها بالمبادئ أن تمارس بغباء، كما يظن بعض هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم شطارًا، وأذكياء وهم في الحقيقة منحرفون وأغبياء».