; في غزة:.. عملية «سور واقي ٢».. حرب «بالتقسيط» ينفذها الاحتلال في صمت | مجلة المجتمع

العنوان في غزة:.. عملية «سور واقي ٢».. حرب «بالتقسيط» ينفذها الاحتلال في صمت

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر السبت 28-سبتمبر-2002

مشاهدات 61

نشر في العدد 1520

نشر في الصفحة 20

السبت 28-سبتمبر-2002

مذابح «إسكانية» تهدم عشرات المنازل وتشرد المئات من المدنيين

في العاشر من شهر مايو الماضي أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن إليعازر أن «حملة السور الواقي قد انتهت رسميًا». يومها اعتقد الكثيرون أن قوات الاحتلال ستحول الدفة إلى قطاع غزة مباشرة وتبدأ بهجوم مباشر وصاعق مثلما فعلت في الضفة، وقال الإرهابي إرئيل شارون «إن قواتنا لن تتورع عن الدخول إلى قطاع غزة لملاحقة الإرهابيين أينما كانوا»، لكن نقاشًا موسعًا وعميقًا جرى في دهاليز الأجهزة الأمنية والجيش أفضى إلى قناعة بعدم تكرار نفس التجربة في قطاع غزة بسبب عوامل كثيرة منها الاكتظاظ السكاني واستعدادات الفصائل الفلسطينية المسلحة.

وأوصى قادة الأجهزة الأمنية وقادة الجيش «بالعمل بالقطعة» في قطاع غزة بحيث تنفذ عمليات هجومية محدودة دون الحاجة إلى احتلال مناطق في القطاع صحيح أنه وقبل إنهاء حملة «السور الواقي» رسميًا كانت قوات الاحتلال قد فعلت الأفاعيل في قطاع غزة، ففي شهر يناير الماضي ارتكبت هذه القوات «مذبحة سكانية» في رفح هدمت خلالها أكثر من ستين منزلًا كما ارتكبت مجازر في خان يونس وجباليا راح ضحيتها العشرات من المواطنين الفلسطينيين.

اجتياح بالتقسيط

وقد بات واضحًا أنه ومنذ شهر مايو الماضي أخذت عمليات الاقتحام لمدن وقرى القطاع شكلًا آخر تميز بالهجوم الواسع ثم الانسحاب بحيث لا تستغرق عملية الاقتحام أو التوغل بضع ساعات، لكنها تكون مكثفة تشمل مئات الجنود وعشرات الدبابات.. إضافة إلى الطائرات الحربية التي تقوم بمهام «تنظيف» المنطقة من المسلحين، وتعتقد أجهزة الأمن أنه وبالرغم من أن معظم الخطر يأتي من الضفة الغربية بسبب القرب الجغرافي من المدن التجمعات الصهيونية وانطلاق معظم الاستشهاديين منها إلا أن القطاع يمثل لهم «وجع رأس» على حد تعبير رئيس هيئة الأركان السابق شاؤول موفاز؛ لذا فإن الهدف كان واضحًا: تدمير البنية التحتية للمنظمات الفلسطينية كما قال شارون الذي أكد أن «الجيش الإسرائيلي» سيعمل بحرية تامة دون اعتبار للتصنيفات التي أوجدتها اتفاقيات أوسلو، معتبرًا أن الجيش له الحق في الوصول إلى أي منطقة لملاحقة الإرهابيين، ومن هنا بدأت حرب جديدة ومن نوع آخر: «حرب بالتقسيط» فقطاع غزة يشهد يوميًا عمليات اجتياح وتدمير وهدم للبيوت. تارة يبدأون في رفح (جنوب) وفي اليوم الثاني في بيت لاهيا (شمال) ثم يلتفتون إلى المغازي (شرق) ثم تكون محطتهم التالية خان يونس (جنوب) ثم يهاجمون غزة نفسها أو دير البلح أو النصيرات.. وكل ذلك يتم بشكل هادئ بعيدًا عن الصخب والإثارة الإعلامية رغم أن كل عملية اجتياح تسفر عن سقوط شهداء وجرحى وهدم للمنازل والمنشآت واعتقال المئات وتجريف آلاف الدونمات الزراعية.

وقد اعتقد بعض الأوساط الفلسطينية أنه بمجرد الاتفاق على «تفاهمات غزة - بيت لحم»، فإن القطاع سيشهد حالة من الهدوء والاستقرار، لكن بحسب البيانات الصادرة عن مديرية الأمن العام في قطاع غزة فإن قوات الاحتلال اجتاحت معظم المدن والقرى الفلسطينية في القطاع، وقال اللواء عبد الرزاق المجايدة مدير الأمن العام في قطاع غزة إن (إسرائيل) حولت الاتفاق إلى حبر على ورق وأنها باشرت بخرق الاتفاق منذ اليوم الأول للتوصل إليه.

وتقول مصادر في أجهزة الأمن الفلسطينية إن قطاع غزة يتعرض يوميًا إلى عمليات هجوم تختلف في حجمها بين الحين والآخر غير أنها تهدف إلى شيء واحد وضع القطاع في حالة من التوتر الدائم ويشير الصحفي الصهيوني عاموس هرئيل في صحيفة «هآرتس» إلى استمرار عمليات جيش الاحتلال في قطاع غزة بقوله: «النشاطات العسكرية في القطاع غير نقية من الأخطاء ولكن الانطباع المتولد هو أن الجيش نجح في الشهرين الأخيرين في إدارة معركة مذهلة بخسائر قليلة له وللمواطنين الإسرائيليين.«

ويضيف هرئيل «والعمليات الأخيرة للجيش في قطاع غزة جاءت لاستئناف الضغط على خلايا الإرهاب الذي تم التخفيف منه في أعقاب الاتفاق، وجرت العمليات في كل مناطق القطاع من بيت حانون في الشمال وعبر مخيمات اللاجئين في الوسط ومدينة رفح في الجنوب والعمليات تتركز في مشاغل إنتاج الوسائل القتالية«.

اقتل واعتذر!

هذه هي السياسة الجديدة لجيش الاحتلال.. عمليات قتل عشوائي للمواطنين الفلسطينيين تتبعها أحيانًا اعتذارات خبيثة بأن المقصود كان إصابة مخربين. ففي أحد التقارير الصادرة عن المركز الفلسطيني الحقوق الإنسان في (شهر مايو) كانت الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال الأسبوع الأخير مسرحًا لجرائم وانتهاكات جسيمة اقترفتها قوات الاحتلال ضد المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم.

ففي ظل استهدافها للمدنيين الفلسطينيين وخصوصًا الأطفال منهم اقترفت قوات الاحتلال في 10/٥/2002م جريمتي قتل بدم بارد الأولى راح ضحيتها الطفل عز الدين طلال الحلو (14 عامًا) من مدينة غزة؛ حيث أطلقت عليه النار من مسافة قريبة وبدون أي مبرر أثناء لهوه مع ثلاثة مع أقرانه داخل أرض زراعية تقع إلى الغرب من الشريط الحدودي مع (إسرائيل) شرق مدينة غزة من قبل قوات الاحتلال التي توغلت في المنطقة وترك ينزف حتى الموت؛ حيث عثر على جثته في اليوم التالي، بعدما أطلقت النار على سيارة الإسعاف التي كانت تبحث عنه لإنقاذه، هذا وقد أصيب طفلان آخران منهم بجراح، وصفت جراح أحدهما بالخطرة وبررت قوات الاحتلال جريمتها بأن الأطفال الأربعة تقدموا باتجاهها لحظة التوغل فأطلقت النار عليهم خوفًا على حياة الجنود. 

وتفيد مصادر في جهاز الأمن العام الفلسطيني أنه ومنذ شهر مايو الماضي جرت أكثر من سبعين عملية اقتحام سقط خلالها أكثر من ستين فلسطينيًا فيما قتل نحو ٣٨ آخرين في عمليات قتل نفذها جنود الاحتلال أو المستوطنون.

اغتيالات

عمليات اغتيال نفذت بحق فلسطينيين منذ شهر مايو الماضي راح ضحيتها نحو أربعين فلسطينيًا وكان أبرز هذه الاغتيالات عملية اغتيال الشهيد صلاح شحادة، فبتاريخ 22/۷/2002م قصفت طائرات حربية إسرائيلية من نوع إف ١٦ منزلًا في حي الدرج بغزة راح ضحية القصف ١٤ مدنيًا فلسطينيًا، بينهم ثمانية أطفال عثر على ثلاثة منهم بعد يومين من الحادث تحت ركام المنازل، فيما أصيب أكثر من سبعين آخرين بجراح معظمهم من الأطفال والنساء أيضًا كما أصيبت خمسة منازل سكنية بأضرار جسيمة، بينها ثلاثة منازل دمرت بالكامل يشار إلى أن هذه هي المرة الثانية في غضون ثمانية أيام تستخدم فيها قوات الاحتلال طائرات إف ١٦ في قصف منازل سكنية وسط أحياء مكتظة بالسكان في قطاع غزة في محاولة لاغتيال نشطاء الانتفاضة، وهو ما يعد سابقة خطيرة وتصعيدًا نوعيًا في الوسائل المتبعة في اقتراف هذا النوع من الجرائم حيث قصفت طائرة حربية من طراز إف ١٦ بتاريخ 14/٧/2002م منزلًا سكنيًا في مدينة خان يونس، بهدف قتل أحد سكانه مطلوب لقوات الاحتلال وقد نجا المستهدفون بأعجوبة فيما دمر المنزل المكون من ثلاثة طوابق بالكامل وبتاريخ 19/۲/2002م اقترفت قوات الاحتلال الإسرائيلي جريمة اغتيال بحق اثنين من نشطاء حماس في مخيم جباليا عندما أطلقت طائرة مروحية إسرائيلية صاروخًا باتجاه مكتب العمل الإعلامي والجماهيري التابع للحركة الواقع في بناية سكنية، وسط مخيم جباليا، وقد أدى القصف إلى استشهاد المستهدفين وإصابة الطفلة إيناس إبراهيم عيسى صلاح (۹ أعوام) بجراح خطيرة، وقد استشهدت في 2/۲/2002م متأثرة بإصابتها، وفي شهر يونيو قصفت طائرة حربية سيارة في رفح أودت بحياة ركابها التسعة من بينهم ستة أشقاء كما اقترفت قوات الاحتلال الإسرائيلي في ساعات مساء يوم 4/٧/2002م، جريمة اغتيال سياسي جديدة راح ضحيتها جهاد إسماعيل العمارين (٤٦ عامًا) من سكان الزيتون في مدينة غزة، ويعمل ضابطاً في جهاز الأمن العام وقد ترأس كتائب شهداء الأقصى ووائل جواد النمرة (۳۳ عامًا) من سكان غزة، ويعمل ضابطًا في جهاز الأمن الوقائي، وهو ابن شقيقه الشهيد الأول، كما ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي يوم 28/۸/2000م جريمة جديدة راح ضحيتها أربعة مدنيين فلسطينيين من عائلة واحدة. وهكذا تتواصل الحرب على مراحل وفي شكل عمليات روتينية، مستهدفة الإجهاز على غزة.. لكن الفشل الذي واجهته في الضفة ستواجه أكبر منه في غزة بمشيئة الله.

الرابط المختصر :