العنوان عملية «الاستسلام» في طريقها للانهيار
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1996
مشاهدات 82
نشر في العدد 1219
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-أكتوبر-1996
تحليل سياسي
- السلطة الفلسطينية عاجزة ولا تملك خيارات غير الاستمرار في تقديم التنازلات.
بعد مرور أربعة أشهر على الانتخابات الإسرائيلية التي أفرزت حكومة يمينية طرحت في برامجها الانتخابية مواقف أكثر تشددًا من حكومة حزب العمل، لا تزال العملية السلمية تراوح مكانها دون تحقيق أي تقدم على مختلف المسارات التفاوضية، وبات الانطباع الواضح لدى مختلف الأوساط السياسية المهتمة بالعملية السلمية في المنطقة، إن هذه العملية وصلت إلى طريق مسدود، وأنهـا تواجه مأزقًا قد لا يكون من السهل تجاوزه نظرًا لافتقادها لقوة الدفع الذاتي للتقدم وتجاوز العقبات.
وقد كان واضحًا منذ البداية أن فوز بنيامين نتنياهو وحلفائه في الأحزاب الدينية واليمينية سيشكل عائقًا صعبًا وتحديًا أمام استمرار العملية التفاوضية بنفس قوة الزخم السابقة، ولكن بعض الأوساط العربية والدولية راهنت على أن نتنياهو سيتبنى مواقف وبرامج أكثر واقعية ومرونة من تلك التي طرحها في برنامجه الانتخابي بعد أن يتولى مقاليد السلطة ويواجه استحقاقات وتبعات الاتفاقات التي تم التوصل إليها والرغبة الدولية الضاغطة لاستمرار العملية السلمية وتقدمها، وطالبت هذه الأوساط بإعطاء فرصة كافية لحصول هذا التحول في مواقف نتنياهو وحكومته اليمينية.
والآن وبعد نحو ثلاثة أشهر من تسلمه للسلطة فقد تأكد أن طروحات نتنياهو وبرامجه الانتخابية لا تختلف كثيرًا عن برامجه المطبقة ومواقفه العملية، وهو ما يشكك في صحة تلك التوقعات والمراهنات.
وقد أضحت مشاعر الإحباط واليأس من إمكانية تحقيق انطلاقة حقيقية في عملية المفاوضات عاملًا مشتركًا لدى كثير من الأطراف العربية والدولية التي تنظر بقلق بالغ لتعثر العملية السلمية وتخشى من الانعكاسات السلبية التي قد تنجم عن فشلها وانهيارها، وقد عبر وزير الخارجية الفرنسي ديشاريت عن هذه المخاوف وحذر من أن عملية السلام في الشرق الأوسط في خطر وأن البديل عنها هو التوترات التي قد تؤدي إلى مآس جديدة في المنطقة على حد قوله.
كما عبر وزير الخارجية المصري عمرو موسى في ختام اجتماع رباعي ضم وزراء خارجية مصر وسوريا ولبنان ورئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية عن تشاؤم الأطراف العربية بشأن عملية السلام في الشرق الأوسط التي قال إن العرب سيتقدمون فيها بمقدار ما تتقدم «إسرائيل».
وكانت أجواء الإحباط هي السائدة في اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عقد مؤخرًا في القاهرة لتنسيق مواقف الأطراف العربية في مواجهة المواقف الإسرائيلية المتصلبة، وعلى الرغم من عدم صدور قرار عن الاجتماع يطالب بوقف عملية التطبيع مع «إسرائيل» وربطها بتحقيق تقدم في المفاوضات كما طالبت بعض الأطراف العربية، إلا أن التصريحات التي صدرت عن الوزراء العرب عقب الاجتماع أظهرت حجم القلق الذي تشعر به الأطراف العربية التي راهنت على نجاح العملية السلمية واعتمدتها كخيار وحيد للتعامل مع الكيان الصهيوني.
المفاوضات متعثرة على المسار الفلسطيني:
وعلى الرغم من عقد بعض اللقاءات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين في السلطة الفلسطينية توجت باللقاء الذي طال انتظاره بين ياسر عرفات ونتنياهو، إلا أن المفاوضات لا تزال معطلة ولم يحدث تحقيق أي تقدم أو انفراج حول القضايا العالقة، وقد صرح عرفات بأن لقاءه مع نتنياهو لم يسفر عن أي نتيجة ملموسة وأن الحصيلة كانت صفرًا على صعيد النتائج العملية، واتهم الحكومة الإسرائيلية بأنها تعمل على تجميد الاتفاقات التي تم التوصل إليها مع السلطة وتكتفي باجتماع ذات أغراض مظهرية.
ومع أن السلطة الفلسطينية أظهرت خلال الفترة الماضية تجاوبًا كاملًا مع المطالب والشروط الإسرائيلية فواصلت حملاتها ضد فصائل المقاومة وأغلقت عددًا من المؤسسات الفلسطينية في القدس، فإن الحكومة الإسرائيلية ترفض الالتزام بالاتفاقات المبرمة فضلًا عن أن تقدم تنازلات إضافية.
فالحكومة الإسرائيلية ترفض إعادة انتشار جيشها في مدينة الخليل وتماطل في تنفيذ الاتفاق بخصوص ذلك متذرعة بحجج أمنية، وقبل أيام أعلن نتنياهو أنه سيجري تعديلات على الاتفاق لحماية المستوطنين اليهود في المدينة وتمكينهم من العيش بأمان أكبر على حد زعمه.
كما أعلن أنه لن يلتزم بمواعيد زمنية في عملية التفاوض مع الفلسطينيين وقال «لا أريد أن أضع حدًا زمنيًا للمفاوضات مع الفلسطينيين».
وتوقع أن تستغرق مفاوضات المرحلة النهائية عدة سنوات «ربما خمسة، ربما عشرة ربما أكثر، الله أعلم» حسب ما ورد في مقابلته مع صحيفة القدس الفلسطينية.
كما قررت الحكومة الإسرائيلية قبل أيام تأجيل إعادة انتشار جيشها في مناطق واسعة في الضفة الغربية كان قد اتفق على البدء بها في السابع من شهر أغسطس «آب» الحالي، ولم تحدد موعدًا جديدًا لذلك، ويصر نتنياهو على التأكيد باستمرار على أن «الأمن هو أساس جميع الاتفاقات وبانهيار الأمن تنهار الاتفاقات التي أبرمتها الحكومة السابقة».
ضعف السلطة الفلسطينية في مواجهة المواقف الإسرائيلية:
وقد صعدت الحكومة الإسرائيلية سياستها الاستيطانية خلال الأسابيع الماضية، وألغيت جميع القيود عن النشاط الاستيطاني في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وبدأت بتنفيذ عدة مشاريع استيطانية واسعة رغم الاحتجاجات الفلسطينية، والمعارضة الهزيلة للأطراف العربية والدولية التي تجاهلت قضية الاستيطان وأبدت ردود فعل ضعيفة إزاءها.
وظهرت السلطة ضعيفة في مواجهة المواقف الإسرائيلية المتشردة، ورغم تعالي صيحاتها الاحتجاجية فقد كانت تتراجع في كل مرة وتقدم تنازلات جديدة على أمل إقناع الحكومة الإسرائيلية بتليين مواقفها السياسية، وقد أشارت صحيفة معاريف الإسرائيلية إلى ضعف موقف السلطة التي ترفض مجرد التفكير في خيارات بديلة لعملية التفاوض، وقالت إنه في نهاية مسلسل من الصرخات والضرب على الطاولة سيسلم رئيس السلطة بمصيره، فبعد ثلاث سنوات من اتفاق أوسلو ليس له مجال للتراجع، إن اعترافه بفشل مسيرة أوسلو سيقوض مكانته الجماهيرية ويؤدي إلى إسقاطه وقد أشار وزير الخارجية المصري عمرو موسى إلى المأزق الذي يعاني منه عرفات وقال في مقابلة مع صحيفة معاريف «إنه يتوسل طيلة الوقت من أجل مساعدته، إنه مسكين ومركزه يضعف يومًا بعد يوم».
وعلى المسار السوري فإن المفاوضات لا تزال متوقفة منذ الغزو الإسرائيلي للبنان قبل بضعة أشهر، ولم تسفر جميع المحاولات التي بذلت عن تحقيق أي انفراج، وليست هناك مؤشرات منظوره عن إمكانية استئناف المفاوضات قبل انتهاء الانتخابات الأمريكية، وقد أكد السفير السوري في الولايات المتحدة وأحد المفاوضين الرئيسيين مع الجانب الإسرائيلي وليد المعلم أن الفجوة واسعة بين الموقفين السوري والإسرائيلي، وأعرب عن تشاؤم من احتمال استئناف المفاوضات بين الجانبين في وقت قريب.
وفي الوقت الذي تطالب فيه سورية باستئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها عدة أشهر وعلى أساس صيغة «الأرض مقابل السلام» يصر الجانب الإسرائيلي على أن استئناف المفاوضات ينبغي أن يتم دون شروط مسبقة، وتصدر عنه مؤشرات قوية على عدم استعداده للانسحاب من الجولان.
وفي مناورة تهدف إلى إحراج الموقف السوري واللبناني وإظهار استعداد «إسرائيل» لتقديم تنازلات معينة في سبيل تحقيق تقدم في العملية السلمية، طرحت الحكومة الإسرائيلية الانسحاب من جنوب لبنان وفق الصيغة التي عرفت بخيار «لبنان أولًا»، وقد أشار محللون سياسيون إلى أن الحكومة الإسرائيلية أرادت عبر طرح هذه المبادرة:
- إضافة إلى الهدفين السابقين– تجنب التورط في المستنقع اللبناني وحرمان سورية من اللعب بورقة المقاومة في الجنوب اللبناني ومحاولة إيجاد شرخ بين الموقفين السوري واللبناني في حال الموافقة على العرض الإسرائيلي، وقد ردت كل من سورية ولبنان ومصر، برفض الاقتراح الإسرائيلي مؤكدة على أن أحدًا لن يمنع «إسرائيل» من الانسحاب من جنوب لبنان من طرف واحد، أما التوصل إلى حل سياسي فأكدت الأطراف الثلاثة أنه يجب أن يتم في إطار حل سوري لبناني- إسرائيلي مشترك.
وفي ظل اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية وانشغال إدارة كلينتون بحمى الانتخابات تراجع الاهتمام الأمريكي بالعملية السلمية في المنطقة، خاصة وأن الإدارة الأمريكية تدرك ضعف تأثيرها في هذه الفترة على الأطراف المختلفة التي تشعر بأن الإدارة الأمريكية عاجزة عن لعب دور فعال في دفع العملية السلمية في المرحلة الحالية، رغم جولة المبعوث الأمريكي دينيس روس إلى المنطقة والتي لم يعول عليها أي من الأطراف.
ومع أن الكثيرين يراهنون على أن الوضع سيتغير بعد الانتخابات الأمريكية ويتوقعون أن تمارس الإدارة الأمريكية الجديدة ضغوطًا لاستئناف العملية التفاوضية وخاصة على الجانب الإسرائيلي، فإن نتنياهو أكد أنه لن يخضع لمثل هذه الضغوط، وقال في حديث للإذاعة الإسرائيلية: «إذا ظهر نظام في الولايات المتحدة وقال يجب أن ترضخوا فيما يتعلق بكل هذا في مقابل علاقات مع الولايات المتحدة فإنني لن أرضخ» وأضاف: «بغض النظر عن حقيقة أن علاقتنا بالولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى في أرصدتنا الاستراتيجية، فإنها ليست أعلى هذه الأرصدة، فالأصل الأول هو أمتنا وتلك الأشياء التي نقدسها، مثل القدس».
العرب.. خيارات محدودة:
وتبدو الخيارات العربية المطروحة على أجندة البحث محدودة في التعامل مع الصلف والتشدد الإسرائيلي بسبب إصرار الأطراف العربية على قصرها خياراتهم على ساحة الحلول السياسية واستبعاد أي خيارات قوية.
وحتى الآن فإن الخيارات التي لجأت إليها الأطراف العربية لممارسة الضغط على حكومة نتنياهو انحصرت فيها البدائل التالية:
أولًا: التهديد بوقف خطوات التطبيع مع الكيان الصهيوني، وقد صدرت إشارات بهذا الخصوص عن اجتماع وزراء الخارجية العرب.
ثانيًا: التهديد بوقف المشاركة العربية في المفاوضات متعددة الأطراف.
ثالثًا: التلميح بإمكانية تأجيل انعقاد القمة الاقتصادية في القاهرة التي كان من المقرر عقدها في شهر نوفمبر «تشرين ثان» القادم.
وصرح وزير الخارجية المصري بأنه «لا يمكن الحديث عن تعاون اقتصادي إقليمي دون احترام الاتفاقات».
رابعًا: التوجه لإعطاء دور أكبر للدول الأوروبية في قضايا المنطقة، بهدف الضغط على حكومة نتنياهو وعلى الإدارة الأمريكية التي تتفرد بإدارة العملية السلمية.
وقد أبدى نتنياهو وحكومته حتى الآن عدم اهتمام كبير بهذه الخيارات والتهديدات العربية فهل ستلجأ الأطراف العربية إلى خيارات أكثر فاعلية في حال فشل خياراتها السابقة وتدرس بجدية بدائل أكثر تأثيرًا وفاعلية؟