; بعد مراقبة السواحل الصومالية.. الخطوة الأمريكية المقبلة.. عمليات خاطفة ومحدودة.. بدلًا من عمل عسكري موسع | مجلة المجتمع

العنوان بعد مراقبة السواحل الصومالية.. الخطوة الأمريكية المقبلة.. عمليات خاطفة ومحدودة.. بدلًا من عمل عسكري موسع

الكاتب مصطفى عبدالله

تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2002

مشاهدات 63

نشر في العدد 1495

نشر في الصفحة 28

السبت 06-أبريل-2002

  • مهمة البحث عن شريك صومالي لواشنطن- بما في ذلك الحكومة الانتقالية- لم تصل إلى نتيجة مرضية.

  • مينكهاوس: التدخل في الصومال قد يؤدي إلى كارثة لا تحمد عقباها.. واستيفن زونس يصف الحملة المتوقعة بـ «النكبة»

  • واشنطن ماضية في تجنيد مؤسسات صومالية بعيدًا عن الحكومة للقيام بمهام داخلية.. أطراف عديدة تسعى لتقديم خدمات!

ما زالت الصومال تتصدر الأجندة الأمريكية، بيد أن الخطوة المحتملة ضدها قد تكون هادئة وهادفة.. بدلًا من أن تكون عسكرية خاطفة.. ويتوقع عدد من المراقبين في المنطقة أن يكون التحرك الأمريكي الراهن في الأغلب خليطًا من دراسة ملف الصومال ومتابعة تطوراته عن كثب، وتغلغل في المؤسسات الشعبية والرسمية، وصياغة مستقبل الصومال سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا.. بعد فرض رقابة مشددة على سواحله وأجوائه. ولذا يقوم مسؤولون أمريكيون بزيارات ميدانية مكثفة بغية دراسة الوضع الصومالي الراهن عن كثب والغوص في أغواره بعد غياب طال منذ خروج الجيش الأمريكي قبل قرابة عقد من الزمان.

وقد بدأت السفن الألمانية تسيير دوريات لها على سواحل خليج عدن منذ مطلع فبراير المنصرم لتراقب الموانئ الصومالية واليمنية، وأجرت القوات الأمريكية مناورات عسكرية في كينيا، وتعتزم بريطانيا إرسال اثنتين من طائراتها التجسسية إلى الصومال.

ويمكن تفسير هذا الوجود العسكري المتزايد في القرن الإفريقي بأنه منافسة استراتيجية بين أمريكا وأوروبا على مياه المحيط الهندي والبحر الأحمر التي تطل على بترول الخليج، وباب المندب وقناة السويس كما أنه بمثابة رسالة تهديد لأي (مارق) يهدد أو يحاول أن يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة.

وقد تضاءل احتمال وقوع هجوم عسكري على الصومال ضمن الحملة الراهنة، إثر تزايد المعارضة ضد مثل هذا الهجوم المحتمل، وأعربت أطراف عديدة عن قلقها من النتائج الوخيمة التي ستترتب على مثل هذه الخطوة، بينما تشير أطراف أمريكية إلى عدم وجود مبررات كافية لتوجيه ضربة للصومال، قد تجر الولايات المتحدة إلى نكبة ثانية بعد نكبة عام 1993م.

عملیات خاطفة ومحدودة

تداخلت عوامل عديدة في تخفيف حدة الموقف الأمريكي حيال الصومال منها معارضة أوروبية شديدة تنكر وجود جماعات مسلحة ذات علاقة بأسامة بن لادن ومنها معارضة مسؤولي مكاتب منظمات الأمم المتحدة في كينيا وإضافة إلى ذلك فإن المعلومات التي جمعتها الولايات المتحدة عن الصومال أكدت- كما صرح بذلك مسؤولون أمريكيون- خلو الصومال من معسكرات من هذا النوع.

ويعتقد الدكتور كين مينكهاوس المتخصص في شؤون القرن الإفريقي بالخارجية الأمريكية أنه لا توجد مراكز أو معسكرات تدريب لتنظيم القاعدة في الصومال، بل إن الصومال ليست ملاذًا مفضلًا لهم إذ لا يمكن أن يختفي الأجانب في المجتمع الصومالي.. ويؤيد هذه الانتقادات مسؤولون في الخارجية الأمريكية.

ويقول السفير الأمريكي السابق في إثيوبيا ديفيد شين في كلمة ألقاها بجامعة جورج واشنطن أواخر يناير الماضي: «لا توجد أي معسكرات تدريب للإرهابيين ويضيف: «الخيار العسكري ليس مفضلًا وخاصة حيث لا توجد تهديدات مؤكدة».

ويقول مينكهاوس إن التدخل الأمريكي في الصومال قد يؤدي إلى كارثة لا تحمد عقباها فيما أطلق استيفن زونس، محلل الخارجية الأمريكية على الحملة الأمريكية المتوقعة ضد الصومال لفظ «النكبة القادمة».

وبدلًا من هجوم عسكري موسع يفضل بعضهم عمليات محدودة زمانًا ومكانًا، كأن تستخدم الولايات المتحدة أسلوب الهجوم المفاجئ والاختطاف السريع، بل إن هذا الأسلوب نفسه محفوف أيضًا بأخطار جمة! ويذكر ديفيد شين أن هذا الأسلوب نفسه لم يشفع للجنود الأمريكيين حين هاجموا فندق أولمبيك في مقديشو في شهر أكتوبر ۱۹۹۳م وحاولوا القبض على أهداف محددة ففشلت العملية وقتل أكثر من بضعة عشر جنديًا من قوات «الرينجرز» ذات الكفاءة ويقول شين: «لم ننجح بهذا الأسلوب على الرغم من وجود آلاف من جنودنا على أرض المعركة»! ويؤكد مينكهاوس أن هذا الأسلوب غير مجد داخل عشائر مسلحة.

وأعرب عدد من مسؤولي منظمات الأمم المتحدة في شرق إفريقيا عن قلقهم من وقوع هجوم أمريكي ضد الصومال يعرقل المساعدات الإنسانية للصومال في وقت هو في أمس الحاجة إليها؛ كما أن الهجوم يهدد السلام الهش في بلد أنهكته الحروب الأهلية.

وتقول كارولين ماكاسكي منسقة الإغاثة الطارئة بإحدى منظمات الأمم المتحدة: «نحن نؤمن بأن الصومال يخرج من ماضيه الأسود إلى مستقبل مشرق بصورة بطيئة ولكنها أكيدة المفعول».

ويقول راندولف كنت منسق أعمال الإغاثة في الصومال ووكيل البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة: «أعتقد أن مثل هذه الخطوة تؤثر على الاستقرار العام».

ومن جانب آخر تتزايد الأصوات الأوروبية التي تعارض التوسع الأمريكي لحملة مكافحة الإرهاب والانفراد الأمريكي بتفسير الإرهاب وشن هجوم ضد دول أخرى بعد أفغانستان دون استشارة الحلفاء الأوروبيين على الأقل. ويعتقد المراقبون هنا أن هذه الأسباب والعوامل أدت إلى تخفيف حدة الموقف الأمريكي إزاء الصومال. ولذلك لم يأخذ الشأن الصومالي حيزًا كبيرًا من خطاب الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأمريكي، واكتفى بالقول: وتقوم قواتنا البحرية بدوريات على امتداد الشاطئ الإفريقي لمنع نقل الأسلحة وإنشاء معسكرات إرهابية في الصومال.

ويتبادر إلى الذهن أن هذه الجملة الوحيدة في خطاب مطول ليست إلا مؤشرًا قويًا على انخفاض احتمال حدوث قصف أمريكي على الصومال، كما أنها بمثابة تصريح بعدم وجود معسكرات تدريب في الصومال لأي جماعة تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية. وعلى الرغم من ذلك فإن الولايات المتحدة لم تسقط الصومال من قائمة المستهدفين.

وإذا كان الأمر كذلك فما الخطوة القادمة المتوقعة بعد مراقبة سواحل

الصومال؟ وما البدائل المحتملة أمام الإدارة الأمريكية في تعاملها مع الملف الصومالي؟

سياسة الجزرة والعصا

يبدو أن التقرير الذي قدمه وولتر كانستينر مساعد وزير الخارجية للشؤون الإفريقية للجنة العلاقات الخارجية- فرع الشؤون الإفريقية- بمجلس الشيوخ في 6/2 حول الشأن الصومالي والكيفية التي تعتزم بها إدارة بوش أن تتعامل معه هو أهم التصريحات وأوضحها في الملامح العامة للخطة الأمريكية إزاء الصومال كما أنه يقدم إضاءات أولية للخطوة القادمة، وقد ألمح كانستينر في تقريره إلى بعض من مكونات التوجه الأمريكي الجديد، إذ أكد أن الولايات المتحدة تعتزم إيجاد مؤسسات صومالية (!!) صديقة مع الولايات المتحدة في مجال التجارة والتعليم والخدمات الاجتماعية، لتكون بديلًا عن المؤسسات الصومالية العاملة في الوقت الراهن؛ لأن جل هذه المؤسسات له صلة مع الأصولية الإسلامية أو أنها انبثقت منها حسب الاعتقاد الأمريكي. وذكر أن جماعات إسلامية هي التي ملأت الفراغ القائم في الصومال وهي التي توفر التعليم والخدمات الصحية للمجتمع، مما أوجد لها رصيدًا شعبيًا، ولذلك تسعى الإدارة الأمريكية إلى إيجاد بديل صومالي يقوم بتلك الخدمات.

ومن المتوقع أن تكون سياسة الولايات المتحدة إزاء الصومال في الوقت الراهن خليطًا من فرض رقابة مشددة ومتابعة التطورات عن كثب والتغلغل في المؤسسات الشعبية والرسمية وصياغة مستقبل الصومال سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا .... مع استخدام أسلوب الترغيب والترهيب أو «الجزرة والعصا» حسب التعبير الغربي كما أن جل الاهتمامات سينصب على المديين المتوسط والبعيد لا على التحرك العاجل.

ولفرض الرقابة الجوية والبحرية على الصومال بدأت الجيوش الغربية تسيير دوريات على السواحل الصومالية وتفتيش السفن المتحركة من وإلى الصومال. بدأت المهمة السفن الأمريكية منذ خمسة أشهر وانضمت إليها قوات ألمانية على السواحل الشرقية والشمالية منذ فبراير المنصرم. وأجرت القوات الأمريكية مناورات عسكرية مع كينيا التي تحد الصومال من الجنوب، استمرت ثلاثة أسابيع. وفي وقت سابق من نهاية العام المنصرم وصلت سفن حربية بريطانية كما أن بريطانيا سترسل اثنتين من طائرات التجسس إلى الصومال.

وعلى الصعيد الاستخباراتي ركزت الولايات المتحدة اهتمامها على الحصول على معلومات دقيقة حول ما يجري داخل الصومال، وقد أشار إلى أهمية هذه الخطوة مساعد وزير الخارجية كانستينر في وقت سابق من العام المنصرم إذ صرح بأن حكومته تهتم بدراسة القضية الصومالية ومعرفة منحنياتها. كما أكد السفير ديفيد شين أن حكومته بدأت تنشط عملياتها الاستخبارية في الصومال بالتعاون مع الدول المجاورة. وتقوم طائرات التجسس الأمريكية باستطلاعات مكثفة فوق الصومال منذ خمسة أشهر أو أكثر. وتفيد تقارير واردة من الجالية الصومالية في الولايات المتحدة أن الأجهزة الأمريكية المختلفة بدأت تجنيد الصوماليين وتدريبهم للقيام بمهام داخل الصومال لاحقًا!

وترتكز أهمية هذه الخطوة بالنسبة للولايات المتحدة على اعتقاد بأن الفشل الذي مني به الجنود الأمريكيون في الصومال 1992-1994م كان من أسبابه الرئيسية ضعف المعلومات الاستخباراتية آنذاك؛ كما بدأت الولايات المتحدة فتح قنوات مع «المجتمع الصومالي» بتقديم مساعدات إنسانية (!) عبر منظمات أمريكية، ويقوم وفد أمريكي موسع برئاسة جالين وورن المسؤول عن الملف الصومالي في السفارة الأمريكية في كينيا بزيارات شبه يومية إلى المدن الصومالية مدينة تلو أخرى، ويلتقي بالرموز الرسمية والشعبية في كل مدينة. وفي هذا الإطار تذكر التقارير الدبلوماسية الواردة من كينيا أن الولايات المتحدة تبحث عن أطراف صومالية تتعامل معها في المرحلة المقبلة، ليس فقط أطرافًا رسمية أو سياسية بل أيضًا أطراف شعبية أو أهلية وبالأخص المؤسسية منها. وفي هذا الإطار بدأت واشنطن إيجاد نفوذ لها في مؤسسات المجتمع المدني. ورشحت أغلبية المنظمات الصومالية نفسها لهذا الدور. فقد حاولت الحكومة الانتقالية جذب الحكومة الأمريكية وإقناعها بأن تتعامل معها كحكومة شرعية، وبذلك تحصل الحكومة على التأييد الدبلوماسي والمادي من العالم. وعقب أحداث سبتمبر شكلت الحكومة لجنة وطنية لمحاربة الإرهاب تتكون من وزراء مسؤولين في الشرطة والمخابرات. وأكد رئيس الوزراء السابق الدكتور علي خليف في كلمته أمام مجلس الأمن في شهر أكتوبر المنصرم أن غياب سلطة مركزية فعالة في الصومال قد يجعلها ملاذًا آمنا للإرهاب، ومن ثم لابد من دعم الحكومة الوطنية الانتقالية لرفع كفاءتها وبسط نفوذها في جميع المحافظات.

وعلى هذا المنوال رحب الرئيس الصومالي عبد القاسم صلاد بالخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي 29/1 والذي ذكر فيه أن السفن الأمريكية تراقب السواحل الصومالية، بل طالب الولايات المتحدة بأن تساهم سفنها في التصدي للصيد غير الشرعي ودفن النفايات السامة في المياه الصومالية.

ولكن من الواضح أن واشنطن غير راغبة في أن تلعب الحكومة الانتقالية في مقديشو هذا الدور، أو على الأقل أن تنفرد به كما لا تريد تقديم الاعتراف الدبلوماسي بها، وصرح جالين وورن المسؤول عن الملف الصومالي في السفارة الأمريكية بكينيا بأن الولايات المتحدة لم ولن تعترف بالحكومة الانتقالية!

ويشير عدد من المحللين إلى أن الولايات المتحدة تتحاشى التعامل مع الحكومة الانتقالية بصفة رسمية لأكثر من سبب:

  1. فهذه الخطوة قد تزعج إثيوبيا، أهم حليف لأمريكا في القرن الإفريقي والوكيل المفضل لدى الولايات المتحدة في المنطقة. وكان مسؤول أمريكي قد وصف رئيس الوزراء الإثيوبي منتصف عام 1996م بأنه صديق حميم لأمريكا وحليف استراتيجي لها يمكن الاعتماد عليه في مواجهة خطر الأصولية الإسلامية في القرن الإفريقي؛ إلا أن الحرب الإثيوبية الإريترية قوضت أو أضعفت هذا الدور. وبعد أحداث 11 سبتمبر الماضي تحاول إثيوبيا استغلال التوجه الأمريكي الجديد فبدأت تلعب على وتر محاربة الأصولية الإسلامية وتوظيف ذلك من أجل تحقيق خطتها الإقليمية وتصفية حساباتها السابقة مع الصومال!

  2. أن الولايات المتحدة غير راضية أو على الأقل لم تكن تتوقع النتائج التي تمخض عنها مؤتمر السلام والمصالحة الصومالي قبل عام ونصف عام. ويعتقد أنها كانت تفضل المنافس المهزوم في الانتخابات الرئاسية في ذلك المؤتمر بالإضافة إلى ذلك هناك مخاوف غربية- محورها الولايات المتحدة- من أن للإسلاميين نفوذًا قويًا في التشكيلة الجديدة؛ ومن ثم فلا يستساغ التعامل مع الحكومة الانتقالية في الصومال على الأقل في الحملة الأمريكية الراهنة ضد ما تسميه بـ«الإرهاب».

  3. أن تدني مستوى أداء الحكومة الانتقالية في مقديشو وقلة المناطق التي تسيطر عليها والتي لا تعدو أجزاء من العاصمة، بالإضافة إلى تدني مصداقيتها بسبب كيفية إدارتها للمعونات المالية والعينية التي حصلت عليها خلال عمرها الوجيز؛ والتآكل الداخلي الذي أصابها كل ذلك لا يرشحها لنيل الاعتراف الدبلوماسي والتعامل الرسمي من الولايات المتحدة.

ولتلك الأسباب وغيرها يبدو أن الحكومة الانتقالية في الصومال غير مرشحة لأن تكون الطرف الذي تتعامل معه الولايات المتحدة في تنفيذ برنامجها حيال الصومال في الوقت الراهن. ومع ذلك لا يستبعد أن تعتبر الإدارة الأمريكية هذه الحكومة الوليدة بمثابة فصيل من الفصائل الصومالية ومن ثم يجوز أن تكون ضمن أطراف صومالية عدة تتعامل معها الولايات المتحدة في الشأن الصومالي.

تسابق لتقديم الخدمة

ويلاحظ أن أطرافًا صومالية أخرى هيأت نفسها لأن تتشرف (!) بتقديم الخدمات «لسيدة العالم». وقدمت «مجموعة المجلس الصومالي للمصالحة وإعادة الإعمار»، تقارير عدة مفادها وجود معسكرات تدريب تابعة لجماعة الاتحاد الإسلامي في الصومال، وطالبت بتدميرها واستئصال عناصر تنظيم القاعدة كما عبرت عن استعدادها للمشاركة في هذه المهمة على غرار التحالف الشمالي في أفغانستان ووصفت الحكومة الانتقالية في مقديشيو بأنها طبعة صومالية من طالبان!! وجمعت هذه المجموعة قرابة خمسة آلاف من مليشيات عشائرية في مدينة بيدوة جنوب غربي مقديشيو ويقوم حاليًا ضباط إثيوبيون بتدريبهم عسكرياً.

ويضم المجلس الصومالي للمصالحة وإعادة البناء الفصائل المعارضة للحكومة الانتقالية وقد تم تأسيسه في إثيوبيا قبل عام وتوجد أبرز قياداته في إثيوبيا دومًا أو في أغلب الأوقات. وأصبح هذا المجلس بوقًا لإثيوبيا لبث دعاياتها الكاذبة وتنفيذ مخططاتها ضد مشروع السلام والمصالحة.

ولكن يبدو أن فرص هذه المجموعة المتحالفة مع إثيوبيا تتضاءل بشكل ملحوظ لعدة أسباب:

  1. عدم مصداقيتها في تقاريرها عن معسكرات التدريب في الصومال، وقد تأكدت واشنطن من ذلك من خلال استطلاعات طائراتها التجسسية ومن الزيارات الميدانية لمسؤوليها وكان آخرها زيارة جالين وورن أواخر يناير الماضي لمدينة عيل واق المتاخمة للحدود الكينية والتي زعم زعماء الفصائل أن فيها معسكرًا للتدريب تابعًا لتنظيم القاعدة. وعقب الزيارة صرح المسؤول الأمريكي بعدم وجود معسكر تدريب فيها، كما أكد أن الزعامات الجبهوية في بيدوة طلبت من الولايات المتحدة استخدام مليشياتها في إطار الحملة ضد الإرهاب وأضاف أن حكومته رفضت ذلك!!

  2. اشتهرت هذه الزعامات بفشلها المتكرر في تحقيق مشروع ما في الصومال خلال العقد الماضي الذي كانت تجول فيه وتصول، مما أورثها فقدان المصداقية على الصعيدين الداخلي والخارجي... كما اتضح أنها ليست إلا حصان طروادة للمخططات الإثيوبية، وقد تتحفظ الولايات المتحدة على التورط بذلك. لهذين السببين وغيرهما لا تستحق الفصائل الصومالية المتحالفة مع إثيوبيا أن تكون الطرف الصومالي الأمثل الذي تتعامل معه واشنطن، ومع ذلك لا يستبعد أن تكون ضمن أطراف صومالية عدة تتعامل معها.

الإدارات الإقليمية

ويبدو أن الإدارات الإقليمية في الصومال قد تكون من أبرز المرشحين في هذا الصدد. وهناك جمهورية أرض الصومال في الشمال التي أعلنت انفصالها من طرف واحد بيد أنها لم تحصل على اعتراف لا من الداخل ولا الخارج وتضم هذه الجمهورية خمسة من المحافظات الشمالية الغربية والتي كانت مستعمرة بريطانية قبل الاستقلال عام 1960م. ويترأس محمد حاج إبراهيم عقال في مدينة هرجيسا إدارة تسيطر على غالبية تلك المناطق. وهو شخصية معروفة لدى الغرب، كما أن علاقته مع إثيوبيا جيدة. أضف إلى ذلك أن السواحل الصومالية التي تطل على خليج عدن تابعة لإدارته، ومنها ميناء بربرة الاستراتيجي.

ولكن يشير بعض المحللين إلى أن أي تعامل أمريكي مع هذه الجمهورية التي أعلنت انفصالها من طرف واحد قد يجر الولايات المتحدة إلى مشكلات دبلوماسية هي في غنى عنها فقد تعتبر الدول الإفريقية أي خطوة من هذا القبيل تشجيعًا أمريكيًا للتيارات الانفصالية في قارة تقسمها حدود استعمارية مصطنعة وتكثر فيها الحركات والأصوات المطالبة بالانفصال؛ كما أن الدول العربية والإسلامية لا ترضى- أو على الأقل لا ترحب- بأي خطوة قد تمهد لتقسيم الصومال وتفتيتها إلى دويلات عشائرية. وفي الأغلب فإن مثل هذه الحساسية تقلل احتمال تعامل أمريكا مع جمهورية أرض الصومال وخاصة في ظرف تحتاج فيه واشنطن إلى دعم دبلوماسي لحملتها الدولية الراهنة.

بيد أن استخدام ميناء جيبوتي، بموجب اتفاق ألماني- جيبوتي أبرم في شهر يناير الماضي، قد يقلل الحاجة إلى مرافق مدينة بربرة أصلًا.. ومع ذلك فليس من المستبعد استخدام الولايات المتحدة لميناء بربرة، وطبعًا هذا يحتاج إلى موافقة إدارة محمد إبراهيم عقال.

الإدارة الإقليمية الثانية هي ولاية بونت لاند التي تضم المحافظات الشمالية الشرقية التي كانت مسرحًا لمواجهات عسكرية عنيفة في عام ۱۹۹۲م بين جماعة الاتحاد الإسلامي التي كانت تسيطر على مرافق مهمة آنذاك ومنها ميناء بوصاصو التجاري وبين الجبهة الديمقراطية للخلاص الصومالي بزعامة العقيد عبد الله يوسف أحمد أو بالأصح المليشيات العشائرية في المنطقة. وقد انتهت هذه المواجهة لصالح الطرف الثاني. وقد تكونت ولاية بونت لاند في عام ۱۹۹٨م إثر انهيار اتفاق القاهرة بين الفصائل الصومالية أواخر عام ۱۹۹۷م. وفي مؤتمر عشائري اختير العقيد عبد الله يوسف أول رئيس لولاية بونت لاند لمدة ثلاثة أعوام وبعد انتهاء فترة ولايته في منتصف العام الماضي عقدت العشائر القاطنة في الولاية مؤتمرًا عامًا واختارت العقيد جامع على جامع خلفًا له، لكن العقيد يوسف لم يعترف بالمسؤول الجديد، بل رفض انعقاد المؤتمر العام أصلًا!! فتوترت الأجواء، وتوسعت حدة الخلاف السياسي وتطورت إلى اشتباك مسلح بين أنصار الطرفين وأصاب الشلل الأجهزة الإدارية الهشة وليس من المستبعد أن تودي الأزمة الخانقة بولاية بونت لاند. وفي ظل هذه الأوضاع لا تبدو هناك صيغة تتعامل بها الولايات المتحدة مع ولاية بونت لاند.

وتذكر مصادر حسنة الاطلاع في إطار البحث الأمريكي عن طرف صومالي تتعامل معه، أن بعض الخبراء والاستشاريين الأمريكيين أبرزوا للسلطات الأمريكية أهمية التعامل والتنسيق مع أطراف صومالية شعبية غير رسمية وفي مقدمتها مؤسسات المجتمع المدني ورجال الأعمال والاتجاه الإسلامي المعتدل. وقد ذكر مساعد وزير الخارجية الأمريكي وولتر كانستينر أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ أن الإدارة الأمريكية تهتم بفتح قنوات مع مؤسسات المجتمع المدني، وذكر أن حكومته وظفت منظمات أمريكية ورصدت لها ميزانية لتحقيق هذا الهدف.

وقد أصبح رجال الأعمال قوة فاعلة خلال النصف الأخير من العقد الماضي، وقوي تأثيرهم على التوجهات العامة في البلاد، كما يتمتع الاتجاه الإسلامي- الذي يرفض العنف وينبذ التقاتل العشائري- بسمعة طيبة بين فئات المجتمع كما أصبح قوة منظمة وفعالة في البلاد، وقد أكد ذلك الدور البارز والفعال الذي لعبه هذا الاتجاه في مؤتمر المصالحة الصومالية عام ۲۰۰۰م في جيبوتي. وفي هذا الإطار كانت قيادات العمل الإسلامي في الصومال هي الشخصيات الشعبية الوحيدة الذي التقى معها المسؤول الأمريكي الذي زار الصومال مرتين في ديسمبر وفبراير الماضيين.

والخلاصة أن الولايات المتحدة تبلور في الوقت الراهن مكونات خطتها إزاء الصومال كما أنها تعتزم فتح قنوات(!) مع المجتمع الصومالي، وتبحث عن أطراف تتعامل معها لتنفيذ برامجها العملية، ما دامت لا توجد سلطة مركزية فعالة تسيطر على البلد كله أو حتى جل مناطقه، بيد أن جل اهتماماتها- كما يبدو- يتركز على المديين المتوسط والبعيد.

ومع هذا التوجه الأمريكي الملحوظ فإن تفاصيل المشروع الأمريكي حيال الصومال ما زالت في حوزة صناع القرار الأمريكي، وهي في الأغلب مازالت قيد الدراسة.

ويتوقع عدد من المراقبين الصوماليين أن تكون الضربة الأمريكية القادمة موجهة ضد التعليم الأهلي الذي أثبت جدارته وكفاءته خلال السنوات الماضية. وكانت جميع الأطراف الأمريكية الرسمية منها والصحفية- بلا استثناء- والتي زارت الصومال خلال الأشهر الماضية تبدي (قلقًا شديدًا) إزاء التعليم في الصومال، على الرغم من النسبة الضئيلة جدًا للمنتسبين للتعليم بينما الغالبية العظمى من الصوماليين يحصدها الجهل حصدًا!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8