العنوان عمر المختار .. الذي حارب إمبراطورية وحده !!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2003
مشاهدات 81
نشر في العدد 1567
نشر في الصفحة 49
السبت 06-سبتمبر-2003
عمر المختار ليس صحابيًّا ولا تابعيًّا ولا من تابعي التابعين ولكنه من أفضل الأبطال وأعظم المجاهدين، رجل ثبت على الحق في زمن ابتعد الناس عنه، وعرف الطريق في فترة تاه فيها الكثيرون عن الدرب رجل تعملق في زمن الأقزام وجاهد في وقت تمرغت فيه هامات أمم وتلطخت فيه أعلام دول بالأوحال.
انبعث عمر المختار ليقاتل إمبراطورية وحده ومعه حفنة من الرجال رباهم على عينه، فكان دليل بطولة وآية فخار ولم يكن هذا في القرن الأول من الإسلام، ولكن في هذا العصر، أسندت إليه القيادة وفر المتنفذون والحكام في ظروف قائمة، فحملها وهو يبتسم ويعلم علم اليقين أنه يحارب الإمبراطورية الإيطالية في عنفوانها زمن الدوتشي الفاشستي «موسوليني» ومعه أعظم القواد والجيوش المحاربة والسلاح الثقيل والطائرات والمدافع، ويعلم كذلك أنه في ليبيا ليس عنده جيش ولا رجال مدربون، وأن العبء ثقيل، ولو أن جبلًا شاهقًا ألقي عليه ذلك الخطب لتفتت وتصدع، ولكن الرجل كان ذا قلب أقوى من الحديد، وأصلب من الشم الرواسي، وذلك شأن الأبطال الذين وهبهم الله روحًا من عنده.
وعمر هذا كان نبتة صالحة من والدين صالحين، توفي والده في أثناء سيره إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج بصحبة زوجه الحاجة عائشة والدة المختار، وكان عمر صغيرًا، فأوصى الوالد أحد رفاقه ولديه عمر ومحمد، وذاق عمر مرارة اليتم في صغره، ولكن تربيته الإسلامية جعلت منه بطلًا وداعية، يقتدي بالسلف الصالح، متشربًا ، الإسلام، معتزًا بدياره، خلوقًا، شهما، شجاعًا، يأبي الذلة والخنوع حارب عمر المختار المحتلين لأن دينه يأمره بذلك، وإسلامه لا يقر الذلة والهزيمة، وكان الرجل داهية حرب، وصاحب فطرة شجاعة لا يخشى معها الموت بل أمنيته أن يموت في سبيل الله وصاحب هذا مهارة عظيمة في تربية المجاهدين وتدريبهم، وهو مع ذلك يتمتع بشخصية قاهرة و أخاذة، كما أنه داعية للإسلام من الدرجة الأولى له منطقه وحجته، وله فهمه وعمقه رحيم ودود خلوق متواضع خادم للصغير والكبير رغم كبر سنه ومنزلته العلمية العظيمة.
كان أسدًا في الحرب في جلد إنسان، وجيشًا في عزيمة رجل يتقن أساليب الكر والفر، وطالما اشتبك مع الطليان في معارك دامية انهزم فيها الطليان شر هزيمة، تاركين ما لديهم من مؤن وذخائر، وكان على رأس المنهزمين قائدهم «جرازياني». هذا وبعد كل معركة تنتهي بالهزيمة، يحاول المستعمرون الاستعداد مرة أخرى لمعركة ثانية وثالثة، وما لبث أن أخرج الطليان قوة أخرى رهيبة تقصد فزان مباشرة، فعلم عمر المختار بأمرها بعد خروجها بثلاثة أيام فتربص لها هو ومن معه حتى إذا وصل الجيش الجديد إلى مكان يقع بين جبلين يعرفان بالجبال السود، انقض عمر المختار والمجاهدون على الطليان وأرغموهم على التقهقر فعمدت قوات الحملة إلى الفرار بسياراتهم، تاركين وراءهم الجيش الذي وقع في قبضة المجاهدين فاستأصله عن آخره وغنموا من ورائه الكثير من العتاد والذخيرة، ثم ظل عمر المختار يشن الغارة بعد الغارة، لا يكل ولا يمل واشتبك معهم في معركة شديدة استمرت يومين كان النصر فيها حليفه، وفر الطليان تاركين عددًا من السيارات والمدافع الجبلية وصناديق الذخيرة، عدا الجمال ودواب النقل.
هذا هو عمر المختار الذي كان يزأر كالأسد وينقض على فريسته كالصاروخ في يد بحفنة من الرجال، جيوش الإمبراطورية الإيطالية، ويجعلها تفر تاركة عتادها وقتلاها في المعركة، مع أنه كان يعرف أن كل ما حوله ينذر بالهزيمة ويقيم الدليل على أن المعركة غير متكافئة، ولكن للأبطال منطق آخر، وطلاب الشهادة مواقف مغايرة لأن لهم من الله عهدًا، ولأن العزة والبطولة والدفاع عن الحرمات وعدًا لا يتخلف، لأنهم لا يقبلون بالمونة الخسيسة، ولا بالمواقف الجبانة، ولا بنذالة العمالة. ولقد كان عمر المختار يخوض بحارًا من الصعاب والأهوال والظروف الصعبة المستعصية:
أولها: ضعف الشعوب ووهنها وعدم استعدادها وفقرها وانشغالها بأنفسهم.
ثانيها: فساد كثير من الحكام وانحلالهم وتضييعها لمقدرات الأمة، وتخليهم عن حمايتها واستعدادها، فلا جيش ولا عتاد ولا تدريب ولا قادة، ولا خطط ولا إصلاح، ولا رخاء، أو أمن.
ثالثها: استشراء العمالة في الأمة للمستعمر يدفع إلى ذلك خراب الذمم وقلة التربية، وعدم القدوة الصالحة خاصة من ولاة الأمر - مع الفقر والحاجة.
رابعها: قلة السلاح والعتاد وعدم التدريب الجيد في مواجهة قوة عالمية مدججة بالسلاح والعتاد ومزودة بالدبابات الرواجم والطائرات ومدربة ومنظمة بقيادة متمرسة.
خامسها: عدم النصير من الأمة، فلا الأمة العربية قادرة على المساندة أو الإمداد، ولا الحكومة الليبية موجودة ومؤازرة، ولا رأي إسلاميًا أو عالميًا. ولا إعلام يظهر المآسي، اللهم إلا من حماس الشعوب وتبرعاته السخية في الأزمات وجهدها المحدود في الكوارث، وهذه غلالات لا تسد الرمق ورغم هذا منعت هذه المعونات بضعف الحكومات أمام المستعمر، بإحكام إيطاليا للسيطرة على الحدود المصرية التي كانت تسرب تلك المعونات.
سادسها: خديعة الهدنة والمفاوضات التي كان العدو يلعب بها حتى يستعد ويعد سلاحه وجنده ويطلب الإمدادات ويحكم السيطرة على منافذ ليبيا حتى لا تأتي إلى المجاهدين، المعونات من هنا أو هناك. كل هذا وما تضعضع البطل، وما وهن وما استكان لحظة واحدة، ولكن الذي نال من البطل هي العمالة والخيانة وقد كان من عادة المختار أن ينتقل بين مراكز المجاهدين والمقاومة، وكان إذا ذهب لهذا الغرض يستعد للطوارئ ويأخذ معه قوة كافية لتوقع المفاجآت، ولكن إرادة الله غالبة، فخرج في هذه المرة في قوة صغيرة تعد على الأصابع، ورغبة العملاء والجواسيس فأخبروا العدو فما شعر المختار إلا وهو محاصر بجيش جرار، فحارب الرجل وخسر العدو واستطاع الإفلات من الطوق الأول، فإذا به يفاجأ بالطوق الثاني الذي هو أشد، فحارب الرجل في معركة قتل فيها جميع من كان معه، وقتل حصانه، ووقع عليه، فتمكن المختار من التخلص من تحته، وظل يقاتل حتى نفدت ذخيرته عن آخرها وجرح في يده، وتكاثرت عليه الأعداء، وأخذوه أسيرًا، وحوكم محاكمة هزلية من قبل الفئران المذعورة منه حتى وهو أسير، واعتلى المشنقة ثابت الخطو، مكبرًا، يقرأ القرآن وينطق بالشهادتين إلى أن نفذ الجلادون فيه حكم الإعدام، ولكن المختار لم يمت فأعادوا الشنق مرة أخرى، فكانت عظمة في الحياة، وعظمة في المعاد، ألا فلا نامت أعين الجبناء