العنوان عمر التلمساني قائد الجماعة ومرشد الأمة
الكاتب زينب الغزالي الجبيلي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
مشاهدات 63
نشر في العدد 784
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
عرفته.. فقرأت في تقاسيم وجهه الحب لكل الناس، لا ييأس من أن يرى
العاصي يومًا تقيًّا نقيًّا قريبًا من الله، يغفر للحاكم المسيء، كما يغفر للفقير الذي
استغرقه الخطأ، ولكن لا يكف عن نصيحة الحاكم وتربية الفقير، لا يخشى إلا الله، ولكنه
يستحي أن يقول لإنسان: أنت مسيء، فقط يدعو له ويعظه في جموع المسيئين والمحسنين.. يحمل
الطهر في كل جوارحه لحقيقة جبل عليها.. عف اللسان مع من أساء، حيي كالعذراء البتول،
قوي في الحق الذي اعتقده، مُصرّ على نصرته.. أب لكل أتباعه ومريديه.. الشدة لا ترهبه..
غياهب السجون لم تزده إلا إصرارًا على الحق وتفانيًّا في نصرته.
كان أول لقاء لي به في دار الدعوة، أعد له الأخ العزيز الحبيب الشهيد
كمال السنانيري؛ قال لي: جئت يا سيدتي بعد انتظار طويل ولكن لا بأس.. كنا في شوق لهذا
اللقاء.. وبعد هذه التحية، ابتسم الأخ الشهيد كمال السنانيري وقال: هي مصرة على تجديد
البيعة، فقلت: نعم إني بايعت الإمام الشهيد حسن البنا، وجددت البيعة للإمام الكبير
حسن الهضيبي واعتقدتها تجديدًا وإنماء لبيعة البنا، واليوم أعتقدها تثبيتًا وفتحًا
لجهاد متجدد- إن شاء الله- لا ينقطع، حتى نلقى الله على الحق.
وكان حديثًا ليس بالكثير، ولكنها كلمات ربطت بين القلوب، وشدت الأرواح
المتراصة في الله إلى الشوق لله وللقائه على جهاد ماض في سبيله.. انتهت المقابلة الأولى
وتلتها لقاءات كانت لله وفي سبيل الله لا أنساها.
ولا أنسى ذلك اللقاء وكان في ألمانيا عندما سألته: المسلم إذا احتاجك
وليس من جماعتك وأنت قادر على مساعدته، ماذا تفعل يا سيدي؟ قال: أمنحه آخر درهم في
جيبي إن كانت حاجته إلى المال، وقس على ذلك.. وفهم الرجل العظيم والقائد الحكيم الرحيم
أنني أستأذنه في أمر، فقال: لك الإذن.
ومرت الأيام التي كانت تحمل، مع
كل لقاء للرجل العظيم، درسًا لا يظن كثير من الناس أنه من ذلك الرجل الكبير الهادئ،
في كلمته وفي نظرته وفي أمره وفي نهيه، فهو لا يعطى تعليماته في صيغة الأمر، ولكن في
صيغة الحب والمودة، وما أجمل الحب في الله، وما أجمل الأمر في طاعة الله، وما أجمل
النهي عما يغضب الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم. وجاءت شدة.. شدة المرض، ونام العزيز
الحبيب لكل أتباعه ومريديه ولكل من عرفه، ومن لم يعرفه أحبه عن سماع.. مرت فترة مرضه
عصيبة قاسية، كان كل من حول فراشه محبين يتمنون أن يفتدوه بكل ما يملكون وبالنفس إن
استطاعوا لو يملكونها، ومن آیات الله وإعجازه أنه مكن الإنسان من امتلاك الذرة، والصعود
إلى القمر، أما نفسه التي بين جنبيه فليس له عليها من سلطان إلا بالله يعينه عليها
فتهتدي إلى الصراط المستقيم، وكذلك الذين نظن أنهم يملكون شيئًا في جسد الإنسان.. الأطباء
هل يملكون؟ هل يعلمون؟ کلا، ولكن ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ﴾ (العلق:٦) وهو فقير
في قدرته.. فيما ملك وحصل من علوم..
وكانت وقفة الأطباء والأحباء والتلاميذ
والأتباع، ومرت ليال قاسية غير أن نورًا كان يغطي على المكان، بتلك السبحات والاستغراقات
من المتوسد فراش المرض الذي أقلق كل من حول سريره، ومن ازدحم بهم المكان، ولكن المريض
في عالم آخر غير عالم المرض في استغراقات حانية، بأنوار حانية على الجسم العاجز عن
الحركة واللسان المشغول عن الشكوى بقوله: يا الله.. يا الله.. يا الله. فيعطر المكان
بمسك لا ندري من أين جاء ولكن إذا دققنا الانتباه نجد المسك منطلقًا مع ارتفاع الصوت
الخافت بقوله لا إله إلا الله.. يا الله.. يا الله.. ومع أنفاس فجر الرابع عشر من شهر
رمضان ١٤٠٦هـ علت نبرات الصوت الخافت الضعيف، وكأن الصحة قد غمرت صاحبه فعلا صوته مرددًا
لا إله إلا الله، وأسرع الأحبة من حوله، لعله يريد شيئًا، ولكنه كان قد سافر.. كيف
ومازال الجسد في الفراش؟ سافر الجسد أيضًا في اليوم التالي ولكن روحه.. جوهره.. حقيقته
صعدت إلى السموات العلى.. إلى جنات عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، وهللت الملائكة
بالترحيب لقدومه ونودي: يا عبدالله تقدم في زمرة الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله
عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا.
وقام الأتقياء من أبنائه بتجهيز الجثمان الطاهر المطهر بطاعة الله،
والكل يدعو الله له بالعطاء بغير حساب، وفي يوم الجمعة ودعنا الفقيد، وقال أحد العلماء
من الحاضرين قبل الصلاة عليه في المسجد: إن الزحام قد اشتد وسدت الطرقات، ولم يعد في
المسجد وما حوله موضع لقدم، والضرورات تبيح المحظورات، فليسجد كل منكم على ظهر أخيه،
ونودي بالصلاة على جثمان الداعي الكبير الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام للإخوان
المسلمين وخرجت الحشود الضخمة لتشييع جنازة المربي الحبيب، وحددت الحكومة مسارات المشيعين
ووضعت حراسات، وكانت تلك الجموع الغفيرة التي صحبت الجثمان لا حصر لعددها.. إنه استفتاء
على حق من شعب مسلم قال للظالمين الذين يحظرون قيام جماعة الحق والهدى والنور جماعة
الإخوان المسلمين: الشعب كله إخوان مسلمون.. فإلى متى تحاربون الحق؟! فهل من توبة ترجعكم
إلى الله وتطهركم من أنفاس الشيطان التي تملي عليكم أن تحاربوا الإخوان المسلمين؟
اللهم إنا نسألك التوبة لنا وللمنتكسين عن الحق.
سلام عليك سيدي عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين، وإننا
لعلى الطريق حتى نثبت الراية.. راية لا إله إلا الله محمد رسول الله... نقود العالم
كله إلى الله.. إلى الحكم بما أنزل الله.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل