العنوان عمر التلمساني في ذكرى رحيله
الكاتب شوقي محمود الأسطل
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1995
مشاهدات 66
نشر في العدد 1138
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 14-فبراير-1995
يقول الله تعالى في محكم التنزيل (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ
وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 23)
ويقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: "يحمل هذا العلم من كل خلف
عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" (رواه
البيهقي).
فالحمد لله الذي تكفل بحفظ دينه برجال وأي رجال، رجال إذا ذكرهم
التاريخ جثا على ركبتيه، لهم تهفو القلوب، ويذكرهم تنقشع غشاوتها، أحبهم الله
فحببهم إلى خلقه فكانوا من الصنف الذي أشار إليه حديث رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- "إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل: إن الله تعالى يحب فلانًا
فأحببه فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل
السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" "متفق عليه".
وإمامنا الذي نعيش معه عبر هذه السطور نحسبه كذلك ولا نزكي على الله
أحدًا من الذين كانوا لله فكان الله لهم إذ اصطفاهم لخدمة دينه وإعلاء رايته، وإنه
لشرف لا يعدله شرف وإنه لمقام لا يدانيه مقام، ونحن عبر هذه السطور سنقتطف ثمرات
قليلة من دوحة فضائله، ونعيش لحظات يسيرة على مائدته الزاخرة بالطيبات.
1- زهده في الدنيا
كأني به -رحمه الله- قد فقه وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعبد
الله بن عمر -رضي الله عنه- "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"
"البخاري" فلم يركن إلى الدنيا منذ أن التحق بركب الدعوة، لقد زهد فيها
الزهد الإيجابي الذي حمله على أن يجعلها في يده لا في قلبه "فكانت والتراب
سواء، إذ لم يتقاض أجرًا طيلة حياته على مقال كتبه، أو خطبة ألقاها، أو محاضرة
حاضرها، نشرت له صحيفة الشرق ما يزيد عن الثلاثين حلقة من مذكراته فلما جيء له
بالشيك قال: لن أتاجر أبدًا بتاريخ الإخوان ورفض قبوله.
ألقى عددًا من المحاضرات في موسم ثقافي في دولة الإمارات وبعد انتهائه
جاءوه بمظروف يحتوي على عشرين ألف درهم فتساءل مستغربًا لم هذا؟ ورفض بكل إباء،
وعندما دُعي لحضور ندوة تلفزيونية وأحضروا له بعدها مبلغًا قال: لو كنت أدري أنكم
تعطون على الدعوة أجرًا ما حضرت فقالوا له: لكن الكل يأخذ فقال: أنا لست من هذا
الكل، أنا رجل على باب الله".
قابل أحد الأثرياء في موسم من مواسم الحج فإذا به يعرض عليه -ويحسن
نيته- يساهم في تمويل مجلة الدعوة فغضب وقال: لقد جئتكم داعيًا ولم آتكم جابيًا
يحدث رفيق دربه الشيخ عبد البديع صقر فيقول: افترقنا عشرين سنة كاملة ثم زرته في
بيته بحي الظاهر بالقاهرة واستغرقت ساعة في البحث عن مكان لسيارتي لأن الشوارع
هناك لا تتسع لسيارتين متجاورتين وأدخلوني إلى غرفة هي المكتب ومكان الجلوس
والمكتبة وبها سرير صغير فقلت لهم هذا بيت عمر التلمساني؟
قالوا: نعم قلت له، ولكن كيف ترى الدنيا الآن فقال: "الدنيا على
كف الرحمن يصرفها كيف يشاء، والعاقل لا يطلب الدنيا التي تناسبه وإنما عليه هو أن
يتوافق مع دنياه" (1).
2- صبره واحتسابه
يقول صالح أبورقيق وقد سجن معه: "ولا أنساه في سجن الواحات والجو
قارّ قارس البرد شديد الحر مع العواصف الرملية الشديدة التي يدخل رملها في مسام
الجلد فتثير الأعصاب وتقلق الراحة، وتقض المضاجع، وتزعج النفوس، ظروف في غاية
الصعوبة لا يتحملها إلا أولو العزم، كان -رحمه الله- يقابلها بابتسامة الرضا
العذبة، وجلد المؤمن القوي الواثق كان هو البلسم الشافي لنا وكان يأبى أن يخدمه
أحد ويصر على غسل ثيابه وأشيائه بنفسه (2).
حضر لزيارته في سجنه أحد أقاربه في فترة كتابة التظلمات وطلبات العفو
فألمح أمامه إلى ذلك فإذا به يصرخ طالبًا إنهاء المقابلة ويعقب على هذه الحادثة
فيقول: "إن حياة الإنسان في منزله ذليلًا خاضعًا لمن أذله أسوأ وأقسى وأشقى
آلاف المرات من حياة السجن ومتاعبه" (3).
3- صدعه بكلمة الحق
نحسب أنه -رحمه الله- كان من الذين قال الله فيهم (الَّذِينَ
يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا
اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا) (الأحزاب: 39).
إن قصة مواجهته -رحمه الله- للطاغية السادات وتسفيهه له أمام الجموع
الحاشدة لمن القصص التي تعد مفخرة من مفاخره وذلك عندما وقف صارخًا غير وجل ولا
هياب ليقول له وبملء الفم "لو أن غيرك وجه إلى مثل هذه التهم لشكوته إليك،
وأما وأنت يا محمد يا أنور يا سادات صاحبها فإني أشكوك إلى أحكم الحاكمين وأعدل
العادلين، لقد آذيتني يا رجل وقد ألزمت الفراش أسابيع من وقع ما سمعت منك"
فإذا بالطاغية يرتجف ويطالبه بسحب الشكوى فيجيبه: لقد رفعتها إلى من لا أستطيع
استرداد ما وضعته بين يديه. (4)
لقد أثلج -رحمه الله- بوقفته البطولية هذه صدور الملايين من المسلمين،
وذكرهم بنهج السلف الصالح في مقارعة الظالمين ومواجهة المتكبرين.
كانت عقوبة من يرأس جماعة غير مرخصة أيام السادات تصل إلى خمسة وعشرين
عامًا والإخوان جماعة غير مرخصة فمن يجرؤ على أن يقول: أنا المرشد العام؟ لقد
قالها عمر لوجه الله محتسبًا ما سيترتب عليها وأعانه الله.
4- عفة لسانه
يقول المفكر الإسلامي أنور الجندي واصفًا إياه: "وقاد المسيرة
مترفقًا كريمًا يكشف للناس جميعًا جوهر الدعوة الإسلامية، ويدحض الشبهات ويقدم
بنفسه وتصرفاته وحكمته وعباداته المضيئة وحلوله السليمة الصورة المثلى للعدو
والصديق معًا، حتى كسب الجولة تمامًا، وأحبه الناس جميعًا، وينقل عنه قوله:
"أخذت على نفسي عهدًا بألا أسيء إلى إنسان بكلمة نابية حتى لو كنت معارضًا له
في سياسته وحتى لو أذاني ولذلك لم يحصل بيني وبين إنسان صدام لمسألة شخصية وإنما
القضايا العامة وعلى وجه الدقة الكاملة، وإن عملي في حقل الدعوة الإسلامية أثار
علي جمهرة الكثيرين وما كان هذا ليحزنني لأني كنت على ثقة بأن ما أُصاب به ليس
الإساءات بدرت مني ضد غيري ولكن عملي في سبيل الله هو الذي حمل البعض على الإساءة
إلي والنيل مني فكنت أكله إلى الله غير مبال بما يفعل ولا بما يترتب على تصرفاته
نحوي" ولا عجب فهذه أخلاق السلف تجسدت في أحد أتباعهم في زمن عز فيه الرجال.
5 - من أقواله -رحمه الله-
علمني الإمام حسن الهضيبي أن الظالم لا يحرقه إلا عدم اهتمام الناس
بقوته.
لقد دخل الإخوان سجون عبد الناصر وخلفوا وراءهم أبناءهم وزوجاتهم ومن
يعولونهم بلا عائل ولا معين من البشر وكان أولاد الكثيرين يتعثرون في دراستهم
تعثرًا مزعجًا فماذا كانت النتيجة عندما احتسبوا ذلك عند الله ولم يشغلوا به
أنفسهم في سجونهم ثقة منهم بربهم وتوكلًا عليه باعتباره جل وعلا نعم الخليفة في
الأهل والمال والولد فكانت العاقبة أن حفظ الله عليهم أزواجهم وفتح على أبنائهم
فلم يتعثروا حتى حصلوا على إجازاتهم الدراسية النهائية، واليوم نرى أن ما من أخ
صبر على المحنة واحتسب وحمد وشكر إلا وهو في بسطة من الرزق من العيش ونباهة في
الذكر وعلو في المنصب وذلك الفضل من الله.
إن الذي يسبح في بحار التوحيد الخالص لا يدع له ذكر الموت فرحًا وكفى
بالموت واعظًا، إن الذي يؤمن بأن الله في ماله حقًا تهون عليه كنوز الدنيا فلا
يقيم وزنًا لذهب منها ولا فضة.
ربي إن حلمك أطغى الظالمين فجاوزوا كل منطق أو معقول وأغواهم بالدعاة
فبطشوا ونكلوا في غير ما تحرج ولا تأثم وصالوا وجالوا فراعنة مستبدين، ولئن كان
حلمك هذا قد أعلى من قدر الدعاة عندك وضاعف لهم الأجر والثواب إلا أن الإنسان خلق
من عجل فأحب العاجل في الخير في لهفة وعلى اشتياق أنك تضحك من شغفهم وتعلم أن
فرجهم قريب فاغفر لهم استعجالهم النصر واربط على قلوبهم.
إننا لم ندع يومًا أننا خير من غيرنا هذا إلى جانب أننا لا نتهم أصحاب
الدعوات الأخرى إنهم كذا أو كذا، ولكننا نناقش هذه الدعوات نقاشًا موضوعيًا على
أساس من المعقول.
أما جنازته فقد
كانت تعبيرًا صادقًا عن مقولة الإمام أحمد: "بيننا وبين أهل البدع شهود
الجنائز" لقد كان يومًا مشهودًا في تاريخ القاهرة فقد احتشد في ذلك اليوم
أكثر من نصف مليون مسلم لتشييع المجاهد الراحل والإمام الكبير.
ـــــــــــــــــــ
الهوامش
1- عمر
التلمساني وداعًا، ص 144.
2- نفس المصدر،
ص 140.
3- ذكريات لا
مذكرات، ص 205.
4- أيام مع
السادات، ص 35.
5- عمر
التلمساني وداعًا، ص 110.