; على هامش مؤتمر القمة العربي في تونس | مجلة المجتمع

العنوان على هامش مؤتمر القمة العربي في تونس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1979

مشاهدات 86

نشر في العدد 460

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 27-نوفمبر-1979

في الوقت الذي حفلت به العاصمة التونسية التي عبر منها ذات يوم موسى بن نصير وقائد جيشه الذي فتح الأندلس طارق بن زياد، في الوقت الذي حفلت به هذه العاصمة بنشاط سياسي عربي مكتظ عبر كواليس القمة العربية العاشرة، والتي عقدت من أجل الجنوب اللبناني، كانت القذائف اليهودية تمطر سكان جنوب لبنان بوابل من حميمها، وكان التحرك النصراني الانعزالي في لبنان على أشده، وفي الوقت نفسه كثر القيل والقال داخل أروقة الاجتماعات التي ضمت الأقطاب العرب لبحث المشكلات الرئيسية لهذه الأمة.

ونحن قبل أن نستعرض مع قارئنا ما يمكن أن يقوله المراقب المسلم على هامش مؤتمر القمة العربي، لا بد من الإشارة إلى العنصرين الأساسيين اللذين عُقد المؤتمر العربي من أجلهما، وهما:

  1. مشكلة الجنوب اللبناني، ووضع لبنان كآية بين كلاليب الردع في الشمال وقنابل اليهود والنصارى في الجنوب، والتحرك الدولي المتصارع على الساحة اللبنانية كاملة.
  2. مشكلة الشرق الأوسط، وهي المشكلة التي وُجدت مشكلة لبنان على الساحة العربية أصلاً من أجل حلها حلاً يعطي نصيب الأسد من الغنيمة لليهود. 

وإذا خلطنا على الطريقة الكيميائية بين العنصرين السابقين في تحليل طبيعي يهدف إلى رد عناصر المشكلة إلى أصولها، وجدنا أن المشكلة التي تعيش الأمة معتركها ترجع إلى أصول ثلاثة، هي:

الأصل الأول: وجود العدو اليهودي في قلب العالم الإسلامي كقاعدة أريد لها أن توقع العالم المسلم في مشكلات لا أول لها ولا آخر.

الأصل الثاني: الوجود الصليبي الموجود بكثافة في شتى أنحاء العالم الإسلامي، والذي أريد له فيما مضى أن يتخذ من لبنان المسلمة قاعدة له، منطلقًا لتوزيع فتنه ومشاكله عبر أعوانه وعملائه في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

الأصل الثالث: علمانية الحكومات والدساتير، ولعل المصيبة تكمن في هذا الأصل. فلقد جرت العلمانية إلى الساحة الإسلامية جميع المشكلات وطرحتها وهي تعلم أن ما تطرحه سيرهق الأمة أفرادًا وجماعات وأنظمة، ويجدر بالذكر أن الدساتير العلمانية التي تبنتها حكومات علمانية بالدرجة الأولى منذ بداية هذا القرن هي التي أفسحت المجال لليهودية الدولية لصنع دولة إسرائيل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كما أن العلمانية ورجالها ودساتيرها هي التي أوجدت للصليبية النصرانية وجودها وكياناتها في صفوف هذه الأمة المغلوبة على أمرها.

وإذا انتقلنا الآن إلى مؤتمر القمة الذي عُقد لبحث المشكلة اليهودية وما ترتب عنها على أرض دولتنا من مشكلات لا حصر لها، فإنه لا بد من الإشارة إلى القضية من خلال ما يحيط بها، فالأمة التي تعيش في قضاياها في هذه القدرة محوطة بما يلي:

أولًا: لعبة التوازنات الدولية: وهي اللعبة التي أوجدت في الأصل الكيان اليهودي في قلب العالم الإسلامي، وذلك بهدف جعل العنصر اليهودي فيما بعد هو الضابط لمصالح اللعبة الأهمية الاستراتيجية في المنطقة. ولما جعلت هذه اللعبة أشواطًا متقدمة لمراحلها، وُجدت مشكلة لبنان لتلعب وقتها كل أطراف القوى الدولية، المتنازعة على زخم الوجود الدولي في الوقت الذي تتشابك فيه القضية اللبنانية كلما تحركت أطراف العالم المتنازعة لبحث مشكلة العرب مع اليهود. وإذا كانت القوى الدولية لا ترضى بحل للمشكل اليهودي في المنطقة إلا إذا تمكنت من الحصول على نصيب من القسمة، فإن المشكل السلبي بين النصراني في لبنان سينمو يومًا بعد يوم إلى أن يستكمل اللاعبون خرائط القسمة المصلحية على الأرض العربية «إستراتيجيًّا- وعسكريًّا- واقتصاديًّا»، وستظل لعبة التوازنات الدولية بحد ذاتها تعيق أي جهد لحل ما يخيل لهم أنهم يسعون لحله طالما أن العرب ما زال بعضهم يعتبرون ملاحق لأطراف اللعبة في المنطقة.

ثانيًا: المشكلات العربية على الجبهات الداخلية: 

وهي مشكلات لا حصر لها، منها إقليمي المنزع، عنصري الوجود كالذي حدث في المغرب العربي من أجل الصحراء المغربية.

ومنها طائفي باطني محض كالذي حدث في سوريا من اضطهاد للعناصر المسلمة الشريفة التي تنال أقسى أنواع التعذيب الوحشي على يد النصيرية المتسترة ببراقع الحزبية التافهة.

ومنها ما هو سياسي يعود في أصله إلى عمالة استعمارية جلية واضحة كالذي حصل ويحصل بين الحكومة المصرية والعدو اليهودي، حيث أن استراتيجية العمل الاستسلامي للسادات تختلف في النوع عن الإستراتيجيات الأخرى في عقد صلح وسلام دائم وشامل يمنح العدو اليهودي بموجبه فلسطين وبعض الأراضي العربية المحتلة حقًّا شرعيًّا معترفًا به عربيًّا ودوليًّا.

ومنها ما هو أيديولوجي، كالمشكلات التي تنتج عن الطرائق الدستورية للحكم بين البلدان العربية التي تستقي من أيديولوجيات مختلفة، وهذا أمر يجعل من الدول العربية كيانات متفرقة لا يمكن أن تلتقي على وحدة أبدًا، فالمنازع الاشتراكية والاتجاهات الشعارية والحزبية والثورية تختلف في أيديولوجياتها السياسية عن الاتجاهات المعتدلة الأخرى كلية، الأمر الذي يباعد بين بعض الأقطار العربية بعد ما بين المشرقين.

والآن ترى هل ذهب الأقطاب العرب إلى مؤتمرهم وهم يعون هذه المشكلات؟ وهل أعدت العدة للخلاص أولًا من مشكلات الجبهة العربية الداخلية؟

إن حل المشكل «اليهودي- الصليبي» المؤرق لا يأتي إلا بعد أن تعي الأمة أولًا أين تضع أقدامها من هذا العالم، والآن، فإن للنوائب غرة، والعدو يعد لنا ما لا تحمد عقباه.

وفيما إذا أرادت الأمة أن تتخلص من المشكل الأساسي، لا بد من وضع الملاحظات التالية في إطارها الصحيح من القضية:

1-الاستعداد الكامل لمعالجة أزمة الأمة مع العدو الخارجي «اليهودي- الصليبي» وذلك ببناء الجبهة الداخلية مع الانتباه إلى ما يلي:

الخلاص من المشكلات المرصوفة على الجبهة الداخلية.

الخروج من لعبة التوازنات الدولية المفروضة على هذه الأمة عبر الرجالات المعروفة كالسادات ومن يدعو معه إلى التوقيع على صلح مع إسرائيل.

بناء الذات العربية المسلمة وفق الوحي الإلهي والتشريع الإسلامي.

الاتفاق الكامل على أيديولوجية إسلامية متميزة مستقلة عن كل ما هو دخيل على سلوكيات هذه الأمة الأصيلة.

رفض النظم التي لا تحتكم إلى التشريع الإسلامي، والتي تكيل سوء العذاب للمؤمنين والمجاهدين من أبناء هذه الأمة.

التمييز بين خطر الدعوات الإقليمية وما يترتب عنها، وبين الطريقة التي سنها الإسلام ودستوره في التعامل الأخوي المسلم.

رفض الباطنية الدعية وقذفها إلى خارج الصف بدعوى عدم صلاحية سلوكها «سياسيًّا وأخلاقيًّا» للدخول في المعترك المسلم مع الأعداء.

2-وضع السلاح الاقتصادي إلى جانب الأسلحة الأخرى في المعركة مع العدو، وقد أثبت سلاح النفط الذي استخدم أيام المرحوم الملك فيصل فعالية عجيبة في اهتزاز الإرادات المستعمرة التي تساعد العدو اليهودي والصليبي في تحصيل مكتسباته على أرض هذه الأمة.

3-إخراج قضيتنا مع اليهودية والصليبية من الشكليات القومية والعنصرية، ووضعها في إطارها الإسلامي الصحيح، وإنشاء جامعة إسلامية حقيقية لدراسة مشكلات العالم الإسلامي وعلى رأسها المشكلة «اليهودية- الصليبية» الدولية.

4-تحكيم الشريعة الإسلامية في كافة دساتير البلدان الإسلامية على مستوى الحياة كلها «اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وأيديولوجيًّا»، والخلاص من الفكر السياسي المستورد وطرحه بعيدًا عن مسيرة هذه الأمة. 

من هذه المنطلقات يمكن للأمة أن تنتشل نفسها من براثن المشكلات التي تدور في حمأتها المسعورة، ومن هنا يمكن أن يصوب المخلصون من أبناء هذه الأمة أنظارهم لحل مشكلاتهم. قال تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 47). صدق الله العظيم.

 

الرابط المختصر :