; على هامش المعالم | مجلة المجتمع

العنوان على هامش المعالم

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1977

مشاهدات 95

نشر في العدد 334

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 25-يناير-1977

  • معالم في الطريق قمة الكتابات الفكرية 
  • كتاب المعالم خلاصة أفكار الشهيد سيد قطب رحمه الله.

 

  • نظرة عامة:

أقلام كثيرة تلك التي تناولت كتاب المعالم للشهيد سيد قطب رحمه الله إما بالإشادة والثناء والتحليل المنطقي وإما بخلاف ذلك من تحريف الكلم وأقوال الزور والبهتان، وحتى متناقضات القول التي صدرت من بعض الكتاب لم تكن ذات مردود سيئ مشين عند العقلاء، فقد برز كتاب المعالم سهمًا مندفعًا بين سائر الكتب وتوالت طبعاته من أوائل الستينات حتى سنوات السبعين وهكذا قدر له أن يكون أكثر من عشر سنوات مع احتفاظه بالمكانة نفسها حتى الآن وبعد الآن لاحتوائه على المعالم الفعلية لطريق الدعوة والدعاة. وإجابة التساؤل عن أهمية الكتاب فإن السطور والكلمات هي التي تجيب من ناحية ومن أخرى فإن ما صدر من كتب فكرية يشهد أيضًا بذلك فهناك كتب للأستاذ الكبير أبو الأعلى المودودي نحو كتاب نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون وكثير من رسائله منها الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية وشهادة الحق.. إلخ، وهناك كتب للأستاذ الندوي نحو ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين والصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية وللأستاذ الفاضل محمد أسد كتاب الإسلام على مفترق الطرق واللواء المتقاعد محمد فرج كتاب الإسلام في معترك الصراع الفكري إلى جانب كتب للأستاذ محمد قطب والأستاذ فتحي يكن والدكتور عبد الكريم زيدان وكتب كثيرة لكتاب آخرين يضيق المجال عن الإحاطة والحصر فضلًا عن مضامين هذه الكتب ألا أننا نقصد من هذا الذكر إعطاء القارئ وقوف هذا الكتاب على قائمة ما ذكرنا وذلك للأبعاد التي اختطها الشهيد رحمه الله في تسطير الموضوعات ثم الأبعاد التي جاءت في المقالات في تحديد تصور المسلم الدقيق وفهمه لواقع الدعوة اليوم ومتطلباتها الضخمة التي يتحتم عليه القيام بها بمقدار وعيه وطاقاته وجهده المبذول وانطلاقاته في عموم مجالات الحياة.

  • إفلاس البشرية اليوم: 

ما من غيور لا يدين القائمين على مصير البشرية اليوم وقد أتخم الناس من غثاء القول والتصرفات المسببة لهلاكهم ودمار أعمالهم وأملاكهم ويعبر الكاتب الشهيد عن ذلك بقوله «تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية.. لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها.. فهذا عرض للمرض وليس هو المرض.. ولكن بسبب إفلاسها في عالم «القيم» التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نموًا سليمًا وتترقى ترقيًا صحيحًا» ويذهب الشهيد موضحًا هذا الإفلاس ومظاهره في المذاهب الاجتماعية والأنظمة الاقتصادية التي تحكم الناس اليوم وتتحكم في مصائرهم وكيف أنها باءت بالفشل. ولا نقول عن الإفلاس حقًا كان ذلك وإنما هو كائن ومستمر في التأثير لعجز المذاهب المادية البشرية عن تقديم معطيات ترفع مكانة الإنسان وتفسر له حقيقة وجوده، ويعجب العاقل المتأمل كيف يسير الناس في مركب لا يعرف نقطة انطلاقه ولا يسير سيرًا منضبطًا ومتقنا كمركب القومية أو الوطنية أو الاشتراكية أو الشيوعية أو الرأسمالية أو ما شابه من هذه وتلك من تيارات مائجة هائجة ملئت بالعوج والانحراف، إذ أن منهجية سلوك الفرد في هذه الحياة أمر دونه وخلافه الضياع والضلال ولا تكون هذه المنهجية إلا من مصدر محيط العلم بالإنسان وما يتعلق به عمومًا من حيث نشأته وعمله ومصيره، ولكن هذا المنهج لم تلتف له البشرية- شرقًا وغربًا- حتى الآن فما هو؟ وما الأسباب؟

  • القيادة الجديدة للبشرية:

ما دامت أنظمة العالم اليوم قد زادت في مظالم الناس واضطراباتهم لما يعتريها من نقص وعدم إحاطة بمتطلبات فطرة الإنسان من ناحية ومن ناحية ثانية لعدم ثباتها والتناقض الحاصل فيها بين فترة وأخرى.

 ومن ناحية أخرى ثالثة لتدخل عنصر الهوى والنسيان نتيجة الضعف البشري في هذه المناهج والأنظمة، فعليه كان لا بد من قيادة تنقض كل هذه القيادات وتقدم من جديد إسهاما في بناء المجتمع الفاضل والإنسان المتفهم لدوره في هذه الحياة كما توجه التقدم المادي لصالح هذا الإنسان لا ضده، وتزود البشرية بقيم جديدة كاملة بالقياس إلى ما عرفته البشرية- وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته. والإسلام -وحده- هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج وهل هناك ظن أن أحدًا عاقلًا ينكر دور الإسلام وقدرته على تعديل الأوضاع وطمأنينة الناس إذ استقر في وجدانهم وتدخل في وجودهم؟؟ طبعًا لا أحد. وإلا كان معتوهًا مأفونًا مجنونًا وقد أطلق القرآن الكريم أوصاف الجهل على الكافرين والمخالفين لطاعته.

إن تحكيم الإسلام في شئون الناس وأعمالهم كفيل أن يحقق الأمن والاطمئنان ويعيد للأمة كرامتها وهيبتها ويحقق مطامح الخير لكافة ساكنيها، هذا وأن الكاتب الشهيد في ص ٤ - 5 قد بين كيف يقدم الإسلام رصيدا جديدًا يرقى بالإنسان ويزكي نفسه ويحقق الوظيفة الفعلية للإنسان موجهًا طاقاته للإدارة الحقيقية الصحيحة للوسائل المادية والإبداع المادي وما هذه الوظيفة إلا لعبادة الله وحده.

  • الأمة المسلمة:

إن رفع لافتة الأمة المسلمة يقدم لنا معنى دقيقًا ليس مجرد الناس الموحدين على قطعة من الأرض وإنما يعني كيف يؤدي الإسلام دوره؟ إن هذا الذي غاب عن حياة الناس ردحًا طويلًا من الزمن، بل حقبة بعيدة من السنين يمكن أن يعود، ولكن خاليًا من كل هالات التعظيم والتمجيد المزيف الذي دونما عمل أو تطبيق أو كأن غيرهم المسئول وهم غير مسئولين والحقيقة أن هؤلاء لا يمثلون الأمة المسلمة المطلوبة، إذن فما الأمة المسلمة المطلوبة؟

يقول الكاتب الشهيد رحمه الله في ص ٥ - ٦ «الأمة المسلمة ليست أرضًا» كان يعيش فيها الإسلام. وليست «قومًا» كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي.. إنما «الأمة المسلمة» جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي» ثم إن هذه الأمة بهذه المواصفات قد انقطع وجودها منذ قرون، فما السبيل لإعادتها من جديد.

  • إعادة الكيان الإسلامي:

ربما يندهش بعض الناس وبالذات ممن سار مع التيارات المادية بين مسلمي اليوم حينما نصدع بإعادة هذا الكيان!! وذلك لأنه يرى وجوده حسب تصوره وما ذاك إلا نتيجة الغفلة والتيه في الأهواء والشهوات وإعادة وجود التصور الإسلامي الصحيح الذي يحكم الحياة يحتاج إلى بعث جديد. لا بد من «بعث» لتلك الأمة التي وارها ركام الأجيال وركام التصورات، وركام الأوضاع، وركام الأنظمة، التي لا صلة لها بالإسلام، ولا بالمنهج الإسلامي.

وإن كانت ما تزال أنها قائمة فيما يسمى «العالم الإسلامي»!!

وهذه الكلمة الأخيرة من الشهيد تشكل خطرًا في أدمغة القائمين على مصائر الناس اليوم إلا أنها الحقيقة فلماذا الهروب، والتضليل، والزيف، والافتراء. ولكن لإدراك كثرة هذا الركام وكثرة طلائه بالبهرج الذي يبدو أنه لا زيف ولا تضليل فيؤكد الشهيد بقوله «وأنا أعرف أن المسافة بين «محاولة البعث وبين تسلم القيادة مسافة شاسعة» مع أن المؤهلات المطلوبة من هذه الأمة ليست في الإبداع المادي، ولكن في الإشباع الروحي وفي تنمية القيم وفي إقرار فطرة الإنسان وتوكيد عبوديته لربه الخالق العظيم فكيف إذن تكون المسافة بعيدة؟ نعم إنه ليس من السهل رد الناس وانتشالهم من هوة الملذات والمطامع والشهوات حيث إنهم يعيشون في جاهلية في تصوراتهم وأفكارهم لا يخففها الإبداع المادي لأنه يستخدم في زيادتها بدلًا من توجيهها إلى الأحسن، وهذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية.. وهي الحاكمية.. إنها تسند الحاكمية إلى البشر.. وهكذا يتدرج الشهيد بتوكيدات منطقية واقعية ملموسة بضلال هذا النظام وبتفرد المنهج الإسلامي وقدرته على إعادة الخير والفلاح لحياة الناس والأفراد والمجتمعات فكيف يمكن أن تكون عملية البعث الإسلامي؟

-يتبع-

الرابط المختصر :