; على هامش المؤتمر الإسلامي الثالث لأنظمة العالم الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان على هامش المؤتمر الإسلامي الثالث لأنظمة العالم الإسلامي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981

مشاهدات 59

نشر في العدد 514

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 03-فبراير-1981

وسط ظروف محورت الأنظمة في العالمين العربي والإسلامي جاء موعد انعقاد مؤتمر القمة الثالث للأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي، وعلى الرغم من النار واللهب والرصاص الذي تتراشق به بعض أطراف هذا العالم، فقد مر المؤتمر دونما ضجيج وصخب أو جدال يعكس صورة الاحتراقات التي تقف وراءها بعض محاور المنطقة بدءًا من تشاد في أواسط إفريقيا، وانتهاء بحرب الخليج وأفغانستان، اللهم إلا ذلك الصوت النشاز الذي حاول أن يفلسف موقف الروس الشيوعيين وهو يدافع عما سماه بالوجود المؤقت في أفغانستان.. بهذا الانطباع يمكن أن يخرج المراقب المسلم وهو يلاحظ شكل المؤتمر كمجتمع سياسي... وبنقله إلى مضمون المؤتمر لا بد من أن نلاحظ تركيزًا إعلاميًّا على قضايا عديدة من أبرزها:

1- تحرير القدس بالجهاد المقدس واعتبارها عاصمة لدولة فلسطين.

2- اعتبار حرب الخليج الناشبة بين العراق وإيران قضية ذات أولوية من الواجب إنهاؤها.

3- إبراز مؤتمر أنظمة العالم الإسلامي كقوة سياسية يجب أن يكون لها دور في التأثير على سيرورة الأحداث في العالم.

4- التوصية بتعاون اللجنة الوزارية للمؤتمر الإسلامي مع سكرتير الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل لقضية أفغانستان.

5- الموافقة على إنشاء محكمة عدل إسلامية شاملة.

على هذه النقاط كان جل التركيز الإعلامي في عالمنا والعالم الآخر.. حول المؤتمر.

وإذا كان البيان الختامي قد اعتبر منجزات المؤتمر حدثًا جليلًا في تاريخ الأمة الإسلامية، ومنطلقًا لنهضة إسلامية شاملة تستدعي وقفة حازمة من المسلمين كافة، يراجعون فيها رصيدهم الماضي وواقعهم الحاضر، ويتطلعون بالإرادة الوطيدة إلى مستقبل أفضل في بناء سياسة التضامن الإسلامي، فتعود لصفوفهم ولحياتهم رقيها وازدهارها، ولمنزلتهم في المجتمع الإنساني شرفها ليؤدوا دورهم في الحضارة الإنسانية.. لكي يبدأ عهد جديد تكون فيه العلاقات بين الدول محكومة بالمبادئ لا بالقوة، وتزول فيه أشكال الاضطهاد، والاستقلال والتسلط والظلم.

إذا كان المؤتمر ينطلق فعلًا من هذه الأيديولوجية التي تركزت ضمن بيانه الختامي... فإنه ثمة ملاحظات لا بد من أن تضع المراقب المسلم أمام مفارقة تتوسط السياسة المعلنة للمؤتمر وواقع بعض المؤتمرين وسياساتهم.

  • فالقدس وتحرير الأراضي الإسلامية المغتصبة من قبل العدو اليهودي عن طريق الجهاد الإسلامي المقدس الذي دعي إليه العالم الإسلامي كافة موضوع يرفض مبدأ السلام.. ومبدأ التفاوض بشتى أشكاله مع اليهود المغتصبين؛ ذلك أن الدعوة إلى الجهاد تعني أولًا الإقرار الكامل بالرغبة في القضاء على الجرثومة اليهودية نهائيًّا، لإنهاء أي أثر لها على الأراضي المسلمة في سائر أنحاء فلسطين.

وهذا ما ندعو إليه جميع من وقع على بيانات المؤتمر.. ولعل الخطوة الأولى في مشوار الجهاد هذا هو الإعلان عن رفض جميع أشكال الحلول السلمية مع العدو اليهودي؛ لأنه عدو أينما وجد، ويجب تخليص جميع أراضينا من براثنه.

  • أما حرب الخليج، تلك النار الحارقة.. ومشكلة إخواننا المسلمين الأفغان الدامية، فهما قضيتان لا تقلان بشكل من الأشكال في ضرورة حسمهما عن مشكلة القدس وفلسطين المحتلة. ولعل ممثل الثورة الإسلامية في أفغانستان لم يجانب الصواب أبدًا عندما ساوى بين واجب تحرير أفغانستان من العدو الشيوعي الغادر، وتحرير فلسطين من رجس اليهود.. أما المراقبون الإسلاميون، وانطلاقًا من الأيديولوجية المعلنة للمؤتمر الإسلامي، فقد ارتقبوا من المؤتمر أن يدعوا الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي إلى فرض مقاطعة اقتصادية وسياسية على الاتحاد السوفيتي تشبه تلك التي دعوا فيها إلى مقاطعة العدو اليهودي في فلسطين؛ ذلك أن الخطر الشيوعي على أمتنا لن يكون أقل من اليهودي بشكل من الأشكال. إن أيديولوجية المؤتمر الإسلامية المعلنة كانت تفترض مثل هذا السلوك، ومع ذلك فإن المراقب المسلم يعرف أن المفاوضة بين هذه الأيديولوجية.

وسياسة بعض المؤتمرين لن تمنع سوريا مثلًا من الدعوة إلى ترك الأفغان وشأنهم مع الغازين الروس في خطوة تخدش على الأقل الموقف الإعلامي للمؤتمر من قضية أفغانستان التي نلح معتقدين أنها لا تقل بحال من الأحوال عن قضية فلسطين.

  • أما الرغبة بالعهد الجديد الذي وصفه البيان الختامي بزوال أشكال الاضطهاد والاستغلال والتسلط والظلم، فهذا ما يلامس شغاف قلوب الشعوب المقهورة في العالم الإسلامي.. الشعوب التي يقتل ظالمها في كل يوم العشرات والمئات من أبنائها، وكنا نتمنى على المؤتمر لو أتاح فرصة التكلم للشعوب مباشرة، ولا سيما تلك التي تعاني من أشكال الظلم والجور والعنت والاضطهاد العنصري والطائفي والعسكري في بعض بلدان العالم الإسلامي التي تدعي أنظمتها الثورية والوطنية، والتي تستر وتخفي سوآتها الطائفية وراء كواليس المواجهة مع إسرائيل.

  • كنا نتمنى -وكل المسلمين معنا- أن يحدد المؤتمر مسئولية الظلم الذي يسيل دماء الأبرياء، ويخنق أرواح المستضعفين في زنزانات السرايا العسكرية الخاصة في إحدى الدول الإسلامية. 

  • كنا نتمنى -وكل المسلمين معنا- أن تقبض محكمة العدل الإسلامية على الجاني في مأساة تدمر التي راح ضحيتها ما يزيد على الألف من خيرة أبناء الأمة الإسلامية ومثقفيها.

  • كنا نتمنى -وكل المسلمين معنا- على المؤتمر ألا يسمح لطائفة لا يزيد تعدادها على ٧% من مجموع الشعب أن تتحكم بمصير شعب كامل يتناقض معها في الفكر، والفلسفة والشريعة والعقيدة.. والسلوك والأخلاق أيضًا.

  • كنا نتمنى -وكل المسلمين معنا- أن يضع المؤتمر برنامجًا فاعلًا يقضي فيه على أشكال الأنظمة العسكرية والديكتاتورية التي تتحكم في مصائر بعض شعوب العالم الإسلامي.

  • كنا نتمنى -وكل المسلمين معنا- أن يدعو المؤتمر إلى إعطاء الشعوب الإسلامية حقها في اختيار ممثليها وحكامها وقياداتها.

  • كنا نتمنى -وكل المسلمين معنا- أن يدعو المؤتمر إلى توحيد مناهج الحكم في العالم الإسلامي انطلاقًا من تحكيم الشريعة الإسلامية في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وعندها ينشأ التصور الواحد.. والهدف الواحد.. وتتجسد العزيمة الواحدة في جيش إسلامي لجيش واحد هو جيش محمد صلى الله عليه وسلم، يحرر فلسطين كلها.. وأفغانستان كلها.. ويحقق الوثاق والسلام.. فيتحقق العدل والمساواة والإخاء في أرضنا المسلمة في ظل راية القرآن وتعاليم رب القرآن وهدي نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.

إن الأيديولوجية التي كشف عنها البيان الختامي للمؤتمر، والتي تدعو إلى نهضة إسلامية شاملة ومراجعة لرصيد الماضي ووقائع الحاضر، إنما هي أيديولوجية تستدعي وتتطلب الاحترام من كل كبير وصغير؛ لأن مسئوليتها كبيرة، وهي ما زالت تنتظر من يحملها ويعمل على تكريسها واقعًا عمليًّا.

وللأيام القادمة شهادة سوف نقدمها، أنصدق الوعد أم نحنث؟!

الرابط المختصر :