الثلاثاء 19-أكتوبر-1982
التصريحات التي أدلى بها «أحمد إسكندر» وزير الإعلام السوري لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية يوم 11/10/82 والتي تضمنت هجومًا شخصيًا على «ياسر عرفات» والتي سحبت منه حق التحدث باسم اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إنما تكشف عن مدى الصراع المرير بين الثورة الفلسطينية وبين النظام الحالي في سوريا الشقيقة منذ أن استولى هذا النظام على الحكم في 13/10/1970م.
● انقلاب:
في ذلك التاريخ كان حزب البعث الحاكم في سوريا يعقد مؤتمره الاستثنائي ويقرر الطلب إلى وزير الدفاع حافظ الأسد حينئذ أن يقدم استقالته، ولكن المؤتمرين فوجئوا بالدبابات وفوهات المدافع تطوق مكان اجتماعهم وتقتادهم إلى زنازين الاعتقال في سجن المزة ليصبح وزير الدفاع بعد ذلك رئيسًا للجمهورية.
ولم يكن الصراع الذي دار داخل حزب البعث في سوريا بعيدًا عن الثورة الفلسطينية، بل إن هذه الثورة كانت من أهم أسبابه، فحين تعرضت الثورة الفلسطينية للذبح في أيلول الأسود في الأردن عام ۱۹۷۰ على إثر مشروع «روجرز» وموافقة عبد الناصر عليه، كان هناك تیاران داخل حزب البعث الحاكم في سوريا. التيار الأول ويمثله صلاح جديد والأتاسي وزعين وماخوس، ويدعي الإيمان بالحرب الشعبية طويلة الأمد لتحرير فلسطين، وكان لهذا التيار الغالبية في قواعد الحزب وكوادره، وأما التيار الثاني الذي كان يمثله الأسد ومصطفى طلاس فهو تيار العسكر الذي يدعي أن تحرير الجولان لا يتم إلا بتقوية الجيش ودعم الأنظمة العربية.
● أيلول الأسود:
ولذلك فعندما طلبت الثورة الفلسطينية من سوريا المساعدة لوقف المجزرة في الأردن قرر التيار الأول -تيار صلاح جديد وكان يمثل الأغلبية- إرسال وحدات من الجيش السوري لدعم الثورة الفلسطينية في الأردن، أما الجناح الثاني -جناح حافظ الأسد فقد «وجد في قرار الجناح الأول خرقًا عمليًا لشعار التضامن العربي ومساعدة للثورة الفلسطينية على خطف البريق الذي يريد القادة العسكريون أن يحصلوا عليه عبر المعركة التي يريدونها أن تكون مردوفة بالتضامن العربي» هكذا كانوا يقولون.
فرفض حافظ الأسد قرار القيادة السياسية بالتدخل العسكري لصالح الثورة الفلسطينية في الأردن مما اضطر صلاح جديد أن يرسل إلى الأردن وحدات عسكرية تدين بالولاء له ودون موافقة وزير الدفاع حافظ الأسد. وعندما تصدت طائرات الأردن العسكرية لضرب دبابات الجيش السوري رفض حافظ الأسد بوصفه قائدًا لسلاح الطيران أن تخرج الطائرات السورية للدفاع عن قواتها المدرعة.
ثم انسحب الجيش السوري بسرعة من الأردن بعد أن وصل إلى بلدة صويلح على مشارف عمان، وقيل إن عبد الناصر طلب منهم الانسحاب خوفًا من تدخل إسرائيل وأمريكا. وتركت الثورة الفلسطينية تختار إما الإبادة التامة للمدنيين في عمان أو الخروج إلى أحراش جرش، وقد اختارت أهون الشرين، الخروج إلى الأحراش.
● مذبحة الأحراش:
وعند هجوم الجيش الأردني على أحراش جرش وعجلون في يوليو «تموز» عام ١٩٧١ رفضت سوريا «النظام الحالي» أن تسمح لقوات اليرموك -وهي القوات الأردنية التي انضمت إلى الثورة الفلسطينية وكانت تتواجد في سوريا- أن تعبر الحدود إلى الأردن لمساعدة الثورة الفلسطينية أو فك الحصار المضروب حولها في الأحراش، كما رفض النظام الحالي في سوريا أن يسمح لمقاتلي الثورة المتواجدين في سوريا أو لبنان الدخول إلى الأردن، وتركت الثورة الفلسطينية لتلقى التصفية.
في سوريا، أخذت قيادة الثورة الفلسطينية تعيد تقييم الأمور هل تفتح الثورة الفلسطينية المثخنة الجراح النار على النظام السوري أَم تلتزم الصمت؟ ن معظم قواتها أصبحت في سوريا وكذلك مخازن أسلحتها وطرق مواصلاتها فلا بد من الصمت.
● مصادرة الأسلحة:
ولكن هجوم النظام السوري لتقزيم الثورة الفلسطينية وشل حركتها وفعاليتها لم يتوقف. فحين أرسلت الجزائر شحنات من السيارات المدرعة إلى حركة فتح عن طريق ميناء اللاذقية قام النظام الحالي بمصادرتها، عندئذ كان لا بد لقيادة الثورة من اتخاذ قرار خطير وسريع وهو نقل جميع الإدارات الرئيسة للثورة من سوريا إلى لبنان استباقًا للزمن وتحسبًا للطوارئ وهكذا كان.
تل الزعتر:
فهل توقف النظام السوري بعد ذلك عن ملاحقة الثورة الفلسطينية والتواطؤ مع أعدائها وتصفيتها؟ نترك لأحد قادة الثورة الفلسطينية «أبو إياد» أن يجيب عن هذا السؤال في الخطاب الذي ألقاه في بيروت بتاريخ 22/8/1976 بعد الغزو السوري لنصرة الصليبيين الحاقدين من كتائبي لبنان ضد مسلمي لبنان والثورة الفلسطينية، يقول أبو إياد: «ما الذي جرى لسوريا؟ ما الذي جعل هذا الوجه العربي ولو لحظة يجلل بالسواد. فنرى قوات سورية تدخل إلى هذا البلد العربي لتحرم هذا الشعب اللبناني المناضل العظيم من تحقيق ذاته وتحرمه من أن يقف يومًا في وجه حفنة من العملاء؟ هذه القوات -يقصد القوات السورية- التي نحن حريصون على كل نقطة دم فيها ولكن النظام السوري كما يبدو ليس حريصًا، ولا أريد أن أقول على دماء الفلسطينيين واللبنانيين ولكن أيضًا حتى على دماء السوريين أنفسهم.. عندما يقدم النظام السوري على هذا فعلينا أن نقول إن هذا النظام يسير في طريق خاطئ في طريق الخيانة، في طريق الإجرام.. أقولها بصراحة يريد -هذا النظام- أن ينزع من هذه الجماهير سلاحها إنه يقول إنه آت لتأديب القوى الوطنية والجماهير اللبنانية.. إذا كان الخيار بين أن ننتحر وبين أن نلقى هذه البنادق تحت أقدامنا من أجل أن يرضى النظام السوري ومن أجل أن يتراجع عن ذبحي وذبح شعبي والشعب اللبناني العظيم. إذا كان الخيار بين هذا الأمر وبين أن نقاتل، فإن الخيار الذي يستطيع أن يقوله شبل من أشبالنا الخالدين من تل الزعتر سنقاتل وسنقاتل وسنقاتل، ولا تردد في هذا الخيار..» وقد ألقى أبو إياد هذا الخطاب أثناء مذبحة تل الزعتر التي شارك فيها الجيش السوري بقيادة العقيد على المدني، كما قام بحصاد المخيم وإغلاق منافذ دخول السلاح والتموين والنجدة كما قامت القوات البحرية السورية بمحاصرة موانئ لبنان الجنوبي مع البحرية الإسرائيلية.
● الإخوان المسلمون:
وعندما كان الصراع محتدمًا بين النظام الحالي وبين جماهير الشعب المسلم في سوريا، ألقي القبض على المسئول المالي لحركة فتح «أبو أسامة» للاشتباه بأنه يمول حركة «الإخوان المسلمين» كما اتهمت دمشق قياديين من فتح بالتعاون مع «الإخوان المسلمين» ومنهم «أبو جهاد» خليل الوزير و «أبو طعان» من الكفاح المسلح في فتح. وقد بذل أبو عمار جهودًا مظلمة للإفراج عن «أبي أسامة» دون جدوى.
● الغزو الصهيوني:
وموقف النظام الحالي في سوريا من الغزو الصهيوني الأخير للبنان غني عن التعريف، فقد همس هذا النظام في أذن قيادة المقاومة قبيل الغزو بأن اليهود سيغزون الجنوب اللبناني، وأن على المقاومة أن تخلى مواقعها في الجنوب، ولن يتقدم اليهود أكثر من ذلك. ولكن القوات اليهودية تقدمت وأخذت القوات السورية تخلى مواقعها أمامها موقعًا إثر موقع حتى كان حصار بيروت ثم المذبحة الرهيبة، وبدلًا من أن يقوم النظام السوري بالالتزام بالدفاع عن لبنان والثورة الفلسطينية تطبيقًا «للاتفاق الإستراتيجي» بين سوريا والثورة الفلسطينية بتاريخ 28/4/82 خرج علينا عبد الحليم خدام يقول: «ليست سوريا ملزمة بأن تكون مقاول التحرير نيابة عن العرب» وخرجت علينا صحيفة الثورة السورية بتاريخ 7/7/82 بمقال «للرفيق عبد الله الأحمد» يقول فيه:«لماذا يراد لسوريا أن تقوم بدور «مقاول التحرير» نيابة عن العرب؟ وإذا كان الإسرائيليون موجودين الآن في حي عربي، فإني أتعجب ممن كان وما يزال يعتقد أن الإسرائيليين لم يكونوا موجودين في ثياب الإخوان المسلمين في حماة وفي حلب وفي اللاذقية ودمشق وبغداد. بل إني أتعجب ممن لا يقدر أن أولئك أشد خطرًا وفعالية وفتكا من العدو الرسمي الذي تحمل دباباته نجمة داود».
● الصفقة:
وقد رفضت سوريا استقبال الفدائيين في البداية، ثم اشترطت لاستقبال قيادة الثورة فقط أن يقدم ياسر عرفات طلبًا خطيًا «باللجوء السياسي» وطلبت من السعودية ثمنًا لذلك مبلغًا يتراوح بين ٥٠٠ مليون دولار و١٤ مليار دولار كما نشرت ذلك جريدة القبس بتاريخ 17/7/82.
● اغتيال «أبي الوليد»:
ثم كان اغتيال سعد صايل «أبي الوليد» رئيس غرفة العمليات العسكرية للقوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة في البقاع في ٢٧ سبتمبر الماضي في منطقة البقاع التي تسيطر عليها القوات السورية، وفي منطقة تبعد ٢٥ كم عن أقرب نقطة من مواقع اليهود، وذكر أن عدد القتلة كانوا ۳۰ عنصرًا ودارت الشبهات حول منظمة «أبي نضال» القابع في دمشق والذي انشق عن فتح وقتل عددًا من قياداتها. ويقول القادمون من الشام: إن سعد صايل لم تكن إصابته خطيرة وإنما أجهز عليه في المستشفى، وتقول جريدة الوطن بتاريخ 13/10/82 نقلًا عن «اليونايتدبرس» «أن مصادر فلسطينية في بيروت تتهم سوريا بأنها وراء اغتيال سعد صايل، وأن عملية الاغتيال تحذير لعرفات ليبقى «في الخط السليم مع دمشق» وأن السلطات السورية في سعيها لتعزيز سيطرتها على منظمة التحرير تفرض قيودًا مشددة على حوالي 7 آلاف فدائي فلسطيني انسحبوا من بيروت إلى سوريا، وإنها تصادر كل شيء منهم بما في ذلك السيارات والشاحنات، وقال مسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية أخيرًا: إنني أشفق على الفلسطينيين الذين انسحبوا إلى سوريا فإنهم لا يستطيعون حتى التنفس دون طلب الإذن من المراقب السوري الذي يرافق كل فدائي موجود في سوريا»، كما أن مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق مراقب بشدة منذ مدة طويلة وقد حوصر أكثر من مرة وتمت فيه مداهمات واعتقالات و إعدامات لعدد من أبنائه.
● الوصاية:
فماذا يريد النظام الحالي في سوريا من الثورة الفلسطينية بعد كل ما لاقت على يديه؟ هل يريدها أن تكون ورقة رابحة في يديه يزاود عليها وبها وهو يعمل على تصفيتها واندثارها هل يريدها أن تكون اسمًا بلا مسمى وشكلًا بلا مضمون وفصيلًا تابعًا له يتحرك بأمره لتنفيذ مآربه كما فعل «أبو نضال» الذي وضع نفسه في خدمة الشيطان بل كل الشياطين الذين يتآمرون على هذه الأمة من أجل أن تذل وتفنى؟
ماذا تعني المحاولات المستميتة منذ مدة والتي ظهرت جلية الآن لشق «فتح» العمود الفقري للثورة الفلسطينية وتكوين لجنة تنفيذية جديدة لمنظمة التحرير تابعة لهذا النظام تتكون من رموز عرفت بالمزايدة وانهارت عند كل مواجهة وهربت عائلاتها -بالتوسل إلى قيادة فتح- إلى عمان وليس إلى دمشق؟
إن استقلالية القرار الفلسطيني كانت دائمًا مؤشرًا على قوة وأصالة الثورة الفلسطينية، وعندما رفعت «فتح» منذ البداية شعار «عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد العربية» وجدت نفسها هي التي تعاني من تدخل الأنظمة العربية في شؤونها الداخلية. وعندما نادت «بقومية المعركة» قيل لها: إنها معركتكم فقاتلوا من الداخل ولا تقربونا، وعندما استعانت باليسار العالمي خذلها اليسار عند الأزمة القاتلة وقال لها -لقيادة الثورة- اهربي مع الصليب الأحمر واتركي «الجماهير الكادحة» في غرب بيروت لمصيرها المحتوم. وعندما حاولت أن تتحرك «سياسيًا» لتحصيل شيء من «المكاسب» قيل لها: قفي مكانك فنحن نتحرك بالنيابة عنك. فماذا يفعل عرفات؟ لقد ذهب إلى عمان حيث الشعب في الغالبية شعبه، وحيث الوطن امتداد طبيعي لوطنه، وحيث النظام مهدد بالزوال من عدو مشترك، وحيث الأهداف الآنية والمرحلية على الأقل واحدة، وأجرى مشاورات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه متجاوزًا كل الجراح والحساسيات والعقد في سبيل الهدف الأسمى. فقامت قائمة النظام النصيري ولم تقعد. ولسان حاله يقول: كيف يفلت هذا الشقي من يدي؟ أقسمت أن أضعه في القفص وأن أتفرج عليه عندما هزم قواتي في صور ولكنني لم أتمكن. وقلت له مت في بيروت فلم يمت. لقد عاد يتحرك خارجًا عن الطوق إنه «بسبع أرواح».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل