العنوان على هامش الأحداث الدموية الأخيرة هل جاء الدور على مسلمي الصين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1990
مشاهدات 64
نشر في العدد 967
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 22-مايو-1990
• قبل أن يستولي الشيوعيون على السلطة كان في
الصين أكثر من خمسين مليون مسلم!
• فرض غرامة على الأقليات المسلمة التي تنجب أكثر
من طفلين!
منذ
أن بدأت الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى تطالب باستقلالها عن الإمبراطورية
الشيوعية في الاتحاد السوفياتي وقادة الصين يحبسون أنفاسهم خوفًا من أن تسري هذه
الروح إلى مسلمي بلادهم، وأن يدب فيهم ما سرى في الجسد المسلم المثخن بالجراح
هناك- في الاتحاد السوفياتي- من بشائر صحوة إسلامية جديدة تؤذي مشاعر القادة
الصينيين الذين يعتبرون أنفسهم ممثلين لآخر قلاع الشيوعية ولآخر مخلصيها.
إلا
أن السلطات الصينية آثرت أن تمسك بيدها زمام الأمور وأن تسارع هي لإعلان الحرب ضد
المسلمين وأن تجند جيشها ليقوم بحملة قمع دموية عليهم في إقليمهم الذي من المفروض أنهم
يتمتعون فيه بالحكم الذاتي.
وقد
بدأت الأحداث عندما نشرت صحيفة «سينكيانج» اليومية قرار السلطات المحلية بمنع
بناء مساجد جديدة أو مدارس لتحفيظ القرآن وكان ذلك في عددها الصادر
في 11 مارس الماضي ولم تنس السلطات أن تشير في قرارها إلى «سمو
مكان الحزب الشيوعي الصيني وارتفاعه فوق الأديان».
تواتر الأحداث
وبدأ
بالفعل في تطبيق هذا القرار في العاشر من أبريل في مدينة تبعد ثلاثين ميلًا
عن «كاشجار» حين قامت السلطات المحلية بالفعل بمنع المسلمين من بناء مسجد لهم
ومارس المسلمون أقصى درجات ضبط النفس عندما لجأوا إلى التفاوض مع مندوبين عن
السلطات المحلية ولكن ما لبث أن اندلعت الاضطرابات بعد أن اكتشف الجميع عقم
المفاوضات وانتشرت الفوضى مما أدى إلى مقتل أثنين من المفاوضين وعندئذ بدأت قوات
الشرطة في حملتها الدموية ضد المسلمين.
وقد
مارست السلطات الصينية تعتيمًا إعلاميًا فائقًا على هذه الأحداث، إلا أن بعض
المسافرين القادمين من أورمشي عاصمة مقاطعة «سينكيانج» أفادوا بأن عملية
قمع منظمة تقوم بها السلطات الصينية ضد المسلمين في ثلاث مدن للمقاطعة وقد أفاد
هؤلاء أن حوالي ٦٠ على الأقل من المسلمين قد قتلوا وجرح العشرات.
وكانت
السلطات الصينية قد اتخذت عدة إجراءات أمنية لمواجهة المسلمين:
- فقد
قامت بنقل قوات من الجيش صبيحة الثامن من أبريل إلى مدن کاشجار وخوتان وأكوس،
وكشفت على طول الحدود مع الاتحاد السوفياتي كافة الإجراءات الأمنية، ومنعت الأجانب
من مغادرة «أور ومشي» عاصمة «سينكيانج» ومنعت المسافرين بصفة عامة من التوجه
إلى كاشجار، كما أصدرت أوامرها للصحافة الصينية بتجاهل هذه الأحداث تمامًا في
الوقت الذي منعت فيه الصحفيين الأجانب من التوجه إلى المقاطعة.
الذعر من الصحوة الإسلامية
وقد
اندلعت هذه الاضطرابات وسط تحذيرات شديدة اللهجة وجهتها في الأسابيع الأخيرة
القيادة الصينية ضد ما أسمتهم بـ«المنظمات الرجعية الانفصالية التي تعمل تحت الأرض
بمساعدة الجواسيس الأجانب والليبراليين الصينيين» في إشارة واضحة إلى هذه المقاطعة
الإسلامية الآخذة في البروز والتزايد والتي تعتقد القيادة الصينية أنها نتاج اتساع
ثورة الأدرميين والطاجيك المسلمين في الاتحاد السوفياتي، وإن كانوا يرون من ناحية
أخرى أن «الانتفاضات في جمهوريات آسيا الوسطى الواقعة في الاتحاد السوفياتي
إنما قامت بسبب أخطاء السلطات السوفياتية في إشارة إلى ما سمحت به سياسات جورباتشوف
من اتساع نشاط الزعماء المحليين مما دعا مسؤولا شيوعيا محليا في خطاب بثه
تلفزيون «أورومشى» أن يقول بأن «العناصر السلبية سيتم التخلص منها بلا
رحمة»!.
كما
ألقى التلفزيون من جهته مسؤولية الأحداث على عاتق أصوليين ينتسبون- على حد
قوله إلى حزب يحمل تسمية «الحزب الإسلامي لتركستان الشرقية» وحسب ما جاء به
التلفزيون، فإن هؤلاء الأصوليين أعلنوا «الجهاد للقضاء على الكفار وتأمين
النصرة للإسلام على الماركسية- اللينينية» إلا أنه في واقع الأمر فإن
هذه التصريحات المذعورة للقيادة الصينية- على حد قول دبلوماسي
غربي- تؤكد خوفها الحقيقي من الأقليات باعتبارها أكبر المخاطر التي تهدد
الاستقرار السياسي في البلاد.
كما
أن البروفيسورة «جون دريير» من جامعة ميامي المتخصصة في الأقليات
الصينية صرحت بأنه بالرغم من حذر القيادة الصينية إلا أن الاضطرابات العرقية
والقومية داخل الاتحاد السوفياتي امتدت عبر الحدود مع الصين إلى منطقة سنكيانج ذات
«الأغلبية المسلمة» مما يؤكد- رأي بعض المراقبين- بأنه ما لم يمنح الإقليم
المؤلف بشكل رئيسي من المجموعات العرقية الإسلامية حكمًا ذاتيًا حقيقيًا بعيدًا عن
تدخل السلطة المركزية فسيكون من المهام العسيرة أمام القيادة الصينية محو
مشاعر العداء بين الأقليات والصينيين الذين يعيشون جنبًا إلى جنب فيه.
ويذكر
من ناحية أخرى أن هذه الموجة من الاحتجاجات ضد الهيمنة الصينية في سنكيانج ليست هي
الأولى فقد شهدت المنطقة ثورات متعددة منذ احتلالها، وقد بدأت الموجة الأخيرة
مع بدايات عام ١٩٨٠ نتيجة التضامن الديني الذي تنامى مع تجديد الروابط القديمة مع
المسلمين في الاتحاد السوفياتي وتركيا والشرق الأوسط، وقد تزامن ذلك مع تخفيف
الحزب الشيوعي لقبضته على الإقليم المسلم، وإن كانت سياساته الاقتصادية القاضية
بتحويل المواد الخام التي تكثر في هذا الإقليم الصالح المصانع الموجودة في المناطق
الساحلية أغضبت سكان الإقليم بالإضافة إلى ما فرضته بكين عام ۱۹۸۸ من غرامة على أسر الأقليات
المسلمة وغير المسلمة التي تنجب أكثر من طفلين مما أدى إلى تصاعد موجة الاحتجاجات والاضطرابات.
نظرة تاريخية
إقليم
سينكيانج هو تركستان الشرقية التي قام حكام الصين عام ١٨٧٦ ميلادي بغزوها بعد أن
استولى قيصر روسيا على تركستان الغربية عام ١٨٦٥ وتركستان أساسًا هي الوطن
الأم لشعب التركمان، والاسم إيراني الأصل يعني «أرض شعب التركمان»، إلا أنه في ١٨
نوفمبر ١٨٨٤ صدر مرسوم أصبح بموجبه هذا البلد- أي تركستان
الشرقية- هو الإقليم التاسع عشر للصين، وسمي «سينكيانج» ثم حدث في
أول أكتوبر عام 1955 أن قامت الصين بتعديل الاسم إلى سنكيان ديور زيز
هيق أي «إقليم أجور المتمتع بالحكم الذاتي».
وتبلغ
مساحة تركستان الشرقية حوالي ١.٦ مليون كيلومتر مربع، أي إنها تشكل حوالي
سدس المساحة الإجمالية للصين بما في ذلك المستعمرات الصينية مثل التبت
وبنجوليا الداخلية، ويبلغ عدد سكانها حوالي 14.3 مليون نسمة، يشكل المسلمون نسبة
ستين في المئة منهم، وذلك بعد أن عمدت السلطات الصينية منذ عام 1949 إلى توطين
قبائل «الهان» الصينية بها حيث جلبت ما يقدر بأكثر من 5 ملايين من
الهان إلى هذا الإقليم المسلم لتضمن سيطرتها على الإقليم، وهي تضم على أي حال ما
يقدر بنصف مسلمي الصين، ويحد تركستان الشرقية في الشمال الغربي تركستان الغربية
وفي الشمال الشرقي بنغوليا وفي الجنوب الغربي أفغانستان وباكستان والهند وفي
الجنوب التبت وفي الشرق الصين وهي تتمتع بموارد طبيعية هائلة، إذ يوجد بها البترول
والفحم واليورانيوم والحديد والذهب والكبريت والملح والنحاس والفضة والبلاتين
والرصاص والقصدير والميكا والماس والزمرد، كما أن هذه الموارد الطبيعية تشتمل
أيضًا على الغاز، ويقول العلماء الجيولوجيون إن مناجم الفحم بها يمكن أن تكفي
العالم كله لمدة ستين عامًا.
وقد
دخل الإسلام تركستان الشرقية عام ٩٣٤ الميلادي على يد «ستاتوك بوجرا
خان» الذي اعتنق الإسلام قبل أن يتولى العرش، وقد اتخذ لنفسه اسم «عبدالكريم
ستاتوك»، ويفخر سكان تركستان الشرقية بأن عبدالكريم ستاتوك قد بنى أول إمبراطورية
إسلامية توركمانية في عام ٩٤٠ ميلادي.
ويذكر
المؤرخون أن مسلمي تركستان الشرقية قد قاموا بتأسيس حضارة إسلامية شاسعة في
المنطقة وتم بناء المئات من المساجد والمدارس والمكتبات كما أنه قد ظهر بينهم مئات
من علماء الإسلام الذين ذاع صيتهم في العالم الإسلامي كما ألفت مئات من الكتب
القيمة وقاموا باستخدام اللغة العربية في حياتهم.
تاريخ الخيانة
وكعهد
الشيوعيين دائمًا في خيانة مواثيقهم ومثلما ارتكب لينين خيانته مع مسلمي جمهوريات
آسيا الوسطى فعلها أيضًا الشيوعيون الصينيون مع المسلمين هناك.
فقد
أعلن الدستور المؤقت الذي وافق عليه مؤتمر مندوبو العمال والفلاحين في عام ١٩٣١ أنه «في
إقليم مثل منجوليا أو التبت أو سنكيانج... فإن للقوميات هناك حقها في تقرير
المصير، سواء في الانفصال عن الجمهورية السوفياتية الصينية أو من دويلاتهم
المستقلة أو اختيار الانضمام للاتحاد أو تكوين أقاليم متمتعة بالحكم الذاتي».
ورغم
أن تركستان الشرقية تسمى بـ«إقليم متمتع بالحكم الذاتي» إلا إنها لم تمنح حق
تكوين حكومة من التركمان المسلمين وكل مقاليد السلطة يستبد بها الصينيون، ولذلك
فإن ثورات التركمان المسلمين في تركستان الشرقية إنما تأتي في نطاق مطالبتهم
للشيوعيين الصينيين بالوفاء بعهودهم التي قطعوها على أنفسهم قبل الوصول إلى السلطة
في الصين.
ولم
يقف الأمر عند ذلك بل مارس الشيوعيون الصينيون هناك سياسة الاضطهاد المستمر
للتركمان المسلمين في هذا البلد منذ أن احتلوها، وقد اتخذت
سياستهم «القمعية» أشكالًا عدة:
- ضمن
منطلق «الإصلاح الثقافي» تم إلغاء الكتابة باللغة العربية بعد أن ظلوا
يستخدموها لمدة ألف سنة تقريبًا، كما تم إتلاف حوالي ٧٣٠ ألف كتاب باللغة
العربية بما في ذلك نسخ من القرآن الكريم وكتب الحديث والكتب الدينية.
وتحت
شعار الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي تم طرد حوالي ٧٠ ألفًا من التركمان المسلمين
إلى ٣٠ ألف من الكيونات من أجل تحطيم روابطهم الأسرية الإسلامية كما أجير المسلمون
على الزواج من الأهالي الصينيين.
- ومن
ناحية أخرى فقد تم إغلاق كافة المدارس الدينية للأطفال، حوالي ٣٠ ألف مسجد حيث تم
تحويلها إلى ثكنات عسكرية وإسطبلات كما تذكر الإحصائيات إنه في الفترة من عام
١٩٥٠ - ۱۹۷۲ تم إعدام حوالي ٣٦٠ ألف شخص
وهرب أكثر من ١٠٠ ألف آخرين إلى البلاد المجاورة وسيق أكثر من ٥٠٠ ألف إلى عشرة
معسكرات للأعمال الشاقة...
وأخيرًا
فإن الإحصائيات تذكر بأنه كان في الصين وقبل أن يستولي الشيوعيون على السلطة أكثر
من ٥٠ مليون مسلم إلا أن المصادر الشيوعية الصينية نفسها تذكر بأنه لا يوجد الآن
سوى ١٥ مليون مسلم في الصين، فهل نجحت القيادة الحمراء هناك في إبادة
الباقي أو سلخهم عن هويتهم؟
ثم
إن التاريخ يذكر أيضًا أن المسلمين ألتركمان قاموا في الفترة من ١٩٤٩ إلى
١٩٦٨ بحوالي ٥٨ ثورة ضد الهيمنة الصينية على بلادهم، فهل تشكل الأحداث
الأخيرة ثورة أخرى ما تلبث أن تقمع على يد الجيش الشيوعي؟ أم إنها
انتفاضة أخرى من انتفاضات المسلمين، نسأل الله ألا تهدأ حتى تأتي
ثمارها؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل