العنوان على هامش اتفاق دمشق.. هل يصبح لبنان محافظة سورية جديدة؟
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1986
مشاهدات 62
نشر في العدد 751
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 21-يناير-1986
المخاض العسير الذي سبق ولادة الاتفاق الثلاثي الذين وقعوا عليه أدوات الحرب الأهلية اللبنانية في دمشق، يعني أن هذا الاتفاق لم يكن اتفاقًا بالمعنى الذي تحدده المفاهيم اللغوية لهذه الكلمة، إنما كان اتفاقا مفروضًا حتى في شكله وصياغته وتوقيته، وحتى في مكان إبرامه، ويدل على ذلك نَص الاتفاق من بدايته إلى نهايته، ففي البداية يقول الاتفاق: إن عودة الأمن والسلام وتكريس العدل والمساواة يحتاج إلى تحصين قومي، يتمثل بترجمة العلاقات المميزة مع سوريا بقيادة حافظ أسد، وفي نهايته يقول الاتفاق: إن اعتبار أمن لبنان أمن سوريا، وإن أمن سوريا أمن لبنان مقولة صحيحة، ولا بد من ترجمتها عمليًا.
وما بين بداية الاتفاق ونهايته تتضح لنا حقيقة كون هذا الاتفاق مفروضًا من أساسه، ومن ثم تدفعنا هذه الحقيقة إلى التساؤل: هل يصبح لبنان محافظة سورية جديدة؟
حول بنود الاتفاق:
بعيدًا عن الشرح المسهب لبنود الاتفاق فإننا نقدم للقارئ موجزًا للاتفاق، ومن ثم نتناول البنود التي تهم موضوعنا ببعض التفصيل والتعليق، في محاولة لوضع القارئ المسلم أمام حقائق الاتفاق ودوافعه الكامنة بين سطوره.
الاتفاق الثلاثي الذي وقعه في دمشق قادة المليشيات المسلحة الفاعلة على الساحة اللبنانية، وهم: إيلي حبيقة قائد المليشيات المسيحية، ونبيه بري قائد المليشيات الشيعية المعروفة باسم أمل، ووليد جنبلاط قائد المليشيات الدرزية، المعروفة باسم الحزب التقدمي الاشتراكي- تضمن مقدمة وخمسة فصول، تحدثت عن المفاهيم السياسية والأمنية والاجتماعية والتربوية المزمع تطبيقها في لبنان، وقد تعرض الفصل الأول للمبادئ العامة التي تحدد هوية لبنان ووحدة أراضيه ونظامه السياسي، وتضمن الفصل الثاني مبادئ النظام السياسي ومرحلة الانتقال والتدرج نحو اللاطائفية السياسية، والفصل الثالث تضمن قواعد المرحلة الانتقالية في السلطة الإجرائية، وتتعلق بصلاحيات رئاسة الجمهورية والحكومة والهيئات الدستورية، والفصل الرابع تحدث عن العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا من تنسيق وتكامل في المجالات السياسية، والخارجية، والعسكرية، والأمنية، والإعلامية، أما الفصل الخامس والأخير فتحدث عن الإجراءات الخاصة بإنهاء الحرب وسبل تنفيذ هذه الإجراءات.
والذي يهمنا في هذا الاتفاق هو ما تضمنه الفصل الرابع منه والخاص بالعلاقة بين لبنان وسوريا.
دلالات في الفصل الرابع:
تجنبنا النقاط الواردة في الفصل الرابع من الاتفاق على التساؤل الذي طرحناه في مقدمة الموضوع حول تحول لبنان إلى محافظة سورية جديدة، ونحن في تساؤلنا هذا لم نكن لنرفض أن يكون لبنان وسوريا بلدًا واحدًا، فهذا من حيث المبدأ يتفق مع أطروحاتنا حول وحدة العالم العربي المسلم، بل والعالم الإسلامي بشكل عام، فهذه حقيقة تاريخية رعتها دولة الخلافة الإسلامية، و تآمرت عليها بعد ذلك القوى الصليبية لتفتيت هذه الوحدة وتقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات متناثرة هنا وهناك، ليتمكن الاستعمار الصليبي من بسط نفوذه وهيمنته عليها، ولكننا نرفض مبدأ الهيمنة والتبعية، كما نرفض أن يكون التكامل والتنسيق و... لحساب بعض الفئات على حساب البعض الآخر.
فمقدمة الفصل الرابع تعرض هذا التكامل بين البلدين، وتجعله ملزمًا للطرف اللبناني حتى من قبل أن يعرض على فئاته الشعبية المختلفة التي تتعدى المليشيات الثلاث، ويقول الفصل الرابع إن أبرز تعبير لعروبة لبنان هو في علاقاته المميزة مع سوريا وحتمية الارتباط بها، وهذا يعني فرض العلاقة المميزة مع سوريا؛ لأن عدم الالتزام بهذه العلاقة يعني عدم الالتزام بالخط العربي، وهو بذلك يجعل الارتباط بسوريا تعبيرًا عن الانتماء العربي للبنان، وكأن لبنان لا يعتبر بلدًا عربيًا، ما لم يكن مرتبطًا ارتباطًا تكامليًا مع سوريا، وهذا يعني أن يشعر اللبناني بأن انتماءه للعرب لا يتم إلا من خلال الهيمنة السورية عليه، ومن الممكن أن يتنامى هذا الشعور مستقبلًا ليدفع إلى ممارسة القتل من جديد، وفي مثل هذه الحالة يمكن أن نتذكر العلاقة التي كانت قائمة بين سوريا ومصر في الخمسينيات من هذا القرن، حيث تحولت الوحدة بينهما من المساواة إلى الهيمنة والتسلط الذي أدى بعد ذلك إلى حدوث الانفصال.
ويذهب الفصل الرابع إلى التأكيد على أن التكامل الإستراتيجي المطلوب تترجمه الاتفاقات الثنائية الواضحة ذات الأُطر القانونية التي تمنع أي فريق سياسي من العبث بها واللعب بهذه الثوابت، وتبقى العلاقات تحت رحمة الأهواء والمصالح، فضلًا عن التأثيرات الإقليمية والدولية، ولو اكتفينا بتلك الكلمات التي وردت في مقدمة الفصل الرابع لتبين لنا حقيقة الاتفاق ودوافعه، فالتكامل الإستراتيجي الذي وَرَدَ في المقدمة يجب أن يترجم من خلال اتفاقات ثنائية واضحة لا تقبل التغيير والتبديل، وهذا يعني منحها قوة دستورية لا يتمكن أحد في لبنان من دفعها أو تخطيها أو تعديلها أو...، وبذلك فإن مستقبل السياسة اللبنانية سيكون أسير هذه الاتفاقات الثنائية المدعومة بالأُطر القانونية والدستورية.
ومن الطبيعي أن الاتفاقات المُشار إليها ستكون لصالح الهيمنة السورية على لبنان، وهذه المرة ستكون الهيمنة دستورية، وليست عسكرية.
وهذا يفسر كلمة التأثيرات الإقليمية والدولية من حيث إن الإسناد الدستوري سيقف حاجزًا أمام التأثيرات العربية والدولية، ويمضي الفصل الرابع في تعداد مجالات العلاقات المميزة بين سوريا ولبنان فيتعرض للسياسة الخارجية، والعسكرية، والأمنية، والإعلامية، والتربوية.
● الاتفاق الثلاثي يؤكد على ارتباط لبنان بسوريا.
● المجال الأمني هو الهاجس الذي يعيشه النظام السوري.
● الاتفاق يجعل من لبنان مقاطعة سورية.
ففي مجال السياسة الخارجية:
يؤكد الاتفاق على أن التنسيق الكامل يجب أن يشمل كافة القضايا العربية والإقليمية، والدولية، وعليه فإن وسائل الاتصال المباشر والمضمون السرية يجب أن تكون مؤمنة بين كبار المسؤولين في البلدين، وهذا يعني أن ترتبط السياسة الخارجية للبنان ارتباطًا كاملًا بمجلة السياسة الخارجية لسوريا، وهذا الارتباط تعالجه الاتصالات المباشرة والسرية التي لا يحق أن يطلع عليها سوى كبار المسؤولين، فلا البرلمان ولا حتى بعض وزراء الحكومة ولا الأحزاب ولا حتى الصحافة- تستطيع أن تعلم شيئًا عن السياسة الخارجية طالما كانت الاتصالات سرية ومحصورة بكبار المسؤولين.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن لبنان باعتباره عضوًا في جامعة الدول العربية سيكون صوته مرتبطًا بصوت سوريا، فإن كانت سوريا معادية للعراق فعلى لبنان أن يكون معاديًا له، وإن كانت سوريا على صلة طيبة بإيران فعلى لبنان أن يجعل علاقته بإيران حسنة وطيبة، وإن وافقت سوريا على أي مشروع محتمل لحل أزمة الشرق الأوسط فعلى لبنان أن يوافق على المشروع، وهكذا فإن السياسة الخارجية للبنان ستُدار مباشرة ليس من قِبَل وزير خارجية لبنان أو الشؤون الخارجية بمجلس النواب اللبناني، بل من قبل الخارجية السورية.
● عبد الحليم خدام: سياسة خارجية واحدة.
● غازی کنعان: سيطرة المخابرات السورية.
● مصطفى طلاس: تواجد عسكري سوري.
وفي مجال السياسة العسكرية:
يعطي الاتفاق الحق لسوريا في مرابطة بعض من قواتها المسلحة في الأراضي اللبنانية وفق مقتضيات الأمن الإستراتيجي السوري واللبناني -على حد ما جاء في الاتفاق-، ويقول الاتفاق إن هذه المرابطة السورية تحتمها قضية الصراع مع إسرائيل، وقيام محاور عربية فلسطينية لإرباك سوريا عسكريًا وأمنيًا، ولمنع أي تهديد إسرائيلي يأتي من قِبَل البوابة اللبنانية، ونحن من ناحية المبدأ لا نعترض، بل نؤيد تواجد القوات العربية في هذا البلد أو ذاك، عندما يتعلق الأمر بمجابهة العدو الإسرائيلي، ولكن السؤال الذي لا بد من الإشارة إليه هو: ماذا عن الموقف السوري إبان الغزو الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢؟ حيث كان لسوريا ما يقرب من (50) ألف جندي، يقفون على خط المواجهة مع قوات الغزو داخل الأراضي اللبنانية، ومع ذلك تمكنت قوات العدو من اجتياح لبنان بكامله، باستثناء المناطق التي يتواجد فيها الردع السوري، ورغم حصار بيروت لمدة (80) يومًا إلا أن القوات السورية لم تتحرك حتى لفك الحصار عن بيروت.
والسؤال الذي يمكن طرحه هنا: ماذا لو أعادت إسرائيل الكرة مرة أخرى؟ فهل ستتدخل القوات السورية وتتصدى القوات الإسرائيلية الغازية؟ إن النقطة المتعلقة بالمجال العسكري لم تتعرض لهذا أبدًا، بل اكتفت بالحديث عن التهديدات الإسرائيلية لسوريا عبر لبنان، وبالإضافة إلى هذا وذاك ألا يمكن اعتبار التواجد العسكري السوري على الأرض اللبنانية مبررًا لإسرائيل بعدم سحب قواتها من الجنوب اللبناني، الذي تطلق عليه الحزام الأمني، وهل هناك دور یمكن أن تلعبه القوات السورية في مجابهة القوات الإسرائيلية التي تحتل الجنوب حتى يمكن أن تقبل التبريرات السورية في ضرورة التواجد العسكري السوري على الأراضي اللبنانية؟
وفي مجال العلاقات الأمنية:
يؤكد الاتفاق على أن أمن لبنان من أمن سوريا، وأمن سوريا من أمن لبنان، ويشير إلى أن هذه المقولة يمكن ترجمتها عمليًا من خلال:
أ- تحديد مشترك للأخطار الرئيسية التي تهدد أمن البلدين ونظامهما.
ب- معالجة هذه الأخطار من قِبَل الأجهزة المحلية المختصة.
جـ- إقرار الاتفاق الذي يؤمن التنسيق بين الأجهزة الأمنية.
ونحن نعتقد أن هذا المجال هو باب القصيد بالنسبة لسوريا؛ فالأوضاع الأمنية هي الشاغل الرئيسي للنظام السوري، وهو يعيش هذا الهاجس منذ وجوده وحتى الآن، وأيضًا في المستقبل؛ وذلك لأسباب عدة لسنا بصدد التعرض لها في هذه المقالة، إن ما يهمنا هو الإشارة إلى مدى الاهتمام السوري بموضوع الأمن؛ حيث إن هذه القضية تعد من الأمور الأساسية والثابتة التي يطلبها النظام السوري من لبنان وبإلحاح، فسوريا ترى أن البوابة اللبنانية المفتوحة على سوريا كانت تشكل إزعاجًا أمنيًا مستمرًا؛ نظرًا لطبيعة الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان، والتي كانت تسمح دائمًا بالتحرك لكافة القوى السياسية المعارضة، ويأتي الاتفاق ليربط أمن لبنان بسوريا، ويجعل القضية الأمنية متكاملة، وسوف ينتج عن ذلك هيمنة الأجهزة السورية على الأجهزة اللبنانية بحكم تعددها وخبرتها والقوة المساندة لها، وسوف يترتب على هذه الهيمنة تطبيق الإجراءات الأمنية المُتبعة في سوريا على الساحة اللبنانية، وهذا يؤدي إلى التضييق على الحريات المدنية، والسياسية، والإعلامية ونتيجة لذلك سوف يفقد لبنان صورته السابقة؛ حيث كانت الحرية الإعلامية، والسياسية هي العامل المميز للبنان عن دول المنطقة الأخرى، ومن هنا فإننا نعتقد أن القضية الأمنية هي القضية التي تعني سوريا بالدرجة الأولى، وأن كل البنود الأخرى تأتي في المرتبة الثانية بعد الأمن.
هذه بعض المجالات التي تعرض لها الاتفاق في الفصل الرابع منه والخاصة بالعلاقات المميزة مع سوريا، وهناك أيضًا المجال الاقتصادي الذي ربط الاقتصاد اللبناني بالمصالح السورية، وهناك أيضًا المجال التربوي الذي أكد على منع التعرض لسوريا وعلى وضع قواعد تربوية مشتركة، وفي المجال الإعلامي أكد الاتفاق على منع أي تشويش إعلامي على العلاقة بين سوريا ولبنان، وما ذكرناه حول هذه العلاقة المميزة التي أشار إليها الاتفاق تجيبنا وبكل وضوح عن تساؤلنا الذي طرحناه: هل يصبح لبنان محافظة سورية جديدة؟
وفي عدد قادم إن شاء الله سنحاول توضيح بعض النقاط التي يمكن استخلاصها من الاتفاق، وخاصة فيما يتعلق بالتشكيلة النيابية الجديدة التي عرضها الاتفاق، والتي ضاعفت عدد المقاعد النيابية وجعلتها مناصفة بين المسيحيين والمسلمين حسب ما وَرَدَ في الاتفاق، كما سنحاول الإجابة على التساؤل المطروح لماذا الاتفاق الآن؟
مجلة المجتمع في مجلدات فاخرة وأنيقة:
● صدر المجلد التاسع والعشرون من مجلة المجتمع، ويحتوي على الأعداد من (٦٩١) إلى (٧١٥).
● مجلدات المجتمع مرجع لكل مهتم:
□ بالسياسة القائمة في الساحة العربية.
□ بأحداث العالم الإسلامي.
□ بالسياسة الدولية وانعكاساتها على الساحتين العربية، والإسلامية.
□ بالفكر السياسي الإسلامي.
□ بالثقافة والأدب والمرأة.
● مجلدات المجتمع بدءًا من المجلد السادس وحتى المجلد التاسع والعشرين تصلك إلى عنوانك فور وصول طلبك.
قسم الاشتراكات والتوزيع – ص. ب. ٤٨٥٠ الصفاة الكويت - مجلة المجتمع.