العنوان على موائد الفقهاء.. مشروع الوصية الواجبة وأسبابه -القسم الأول
الكاتب مصطفى الخالد
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1979
مشاهدات 99
نشر في العدد 436
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 13-مارس-1979
• زيد له عدة أولاد مات أحدهم في حياته وترك عدة أبناء وبنات، ثم مات زيد عن أولاده وأولاد ابنه المتوفي قبله. فماذا يكون لأولاد ابنه المتوفي قبله؟
الحمد لله والصلاة والسلام على محمد رسول الله وعلى آله وأصحابه وبعد،
1- يقول الله تعالى في كتابه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ البقرة: 180.
2- لقد اتفق المفسرون جميعًا على أن هذه الآية كانت قبل آية المواريث ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ النساء: 11[1].
- كما جاء في السنن عن عمرو بن خارجة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث».
- فقال غالب المفسرين والفقهاء إن آية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ...﴾ منسوخة بآية المواريث كما ورد في نص القرآن في تخصص كل وارث بمقدار وقد كانت آية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ هي التي تخصص الورثة من الوالدين والأقربين بمثل ذلك... وقال آخرون إن الآية التي نسختها إنما هي ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ النساء: 7.
كما قال فريق من المفسرين وقليل من الفقهاء إن آية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ قد خصصت الوالدين والأقربين فجاءت آيات المواريث وجعلت للوالدين وجزء من الأقربين أنصبة مفروضة. وبقي الباقي من الأقربين الذين لم يخصصوا بأنصبة مفروضة. فبقي حكم آية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ قائمًا بشأنهم[2].
3- ومنهم من قال إن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» فآية الميراث حكم مستقل ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات... بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم. يستحب أن يوصي لهم من الثلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها[3].
نأتي بعد ذلك على تفسير كلمات ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أولًا ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ ثانيًا ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ثالثًا ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ البقرة: 182 رابعًا، ذكر ابن كثير أنها اشتملت على الأمر وقال صاحب تفسير روح المعاني بمعنى الإيجاب كما ورد في غير هذه الآية من كتاب الله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ بمعنى فرض وأوجب.
﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ اختار صاحب تفسير روح المعاني أن المقصود حالة المحتضر مع بقاء التكليف وإلا فكيف يكلف المحتضر وإنما هي لتأكيد إيجاب الله تعالى.
4- وقال صاحب تفسير الكشاف معناها كتب على المحتضر وهذا يوافق ما قرره الفقهاء جميعًا أن التصرفات في مرض الموت باطلة إلا الوصية الشرعية؛ لأن التصرفات مظنة الربح والخسارة للميت أما الوصية فهي بالتأكيد في مصلحة الميت لما يترتب عليها من مصلحة له في الآخرة وهو مقبل عليها وكان المبدأ أن ألحق المريض مرض الموت بالقاصر مسلوب الإرادة الذي تجاز تصرفاته النافعة تأكيدًا ولا تجاز تصرفاته المحتملة بين الربح والخسارة.
ويمكن بهذا المعنى أن يتجاوز الكتب بلغة المجهول حدود المحتضر بل السامع والموصي أيضًا ذلك لأن آية ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ قد ذكر المفسرون بالإجماع أن ما تجاوز فيه الموصي الأوامر الشرعية يستطيع الموصي وغيره أن يردوا الوصية التي نصابها الشرعي وهم يؤجرون على تصحيح هذه الوصية[4] مما يجعل فعل المحتضر محتمل الصحة والبطلان وهو بهذا قد يكون في موضع التكليف وقد يكون دون ذلك لما يشير إليه تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، لأنه تبديل الباطل إلى الحق[5].
بقي كلمة ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ يقول صاحب روح المعاني يعني إن كنتم متقين لله لا تتركوا العمل بهذا... وقوله ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ يقتضي أن يكون هذا التكليف مختصًا بالمتقين وقد دل الإجماع على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين وغيرهم أجيب بأن المراد بقوله ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ أنه لازم لكل من آثر التقوى وتحراها وجعلها طريقًا ومذهبًا فيدخل فيه الكل[6].
بهذا يتلخص معنا أن البعض يرى أن الوصية واجبة في هذه الآية لغير الوالدين والأقربين المخصوصين بآيات المواريث من هؤلاء سعيد بن المسيب والحسن البصري وطاووس وأحمد بن حنبل وداود الظاهري والطبري وابن راهوية وابن حزم[7].
ولا بد من الإشارة إلى قول الله تعالى:
﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (النساء: 8)- فهؤلاء كما يقول المفسرون ليسوا بوارثين وقد حضروا قسمة الإرث فمندوب أن يعطوا مما يؤكل أو يلبس وتطيب نفوسهم بما يقال لهم. فإذا كان كذلك لمن لم تحصرهم الآية من القرابة بل تجاوزهم إلى كل يتيم أو مسكين يحضر قسمة التركة، فأحر بأن يكون مندوبًا إعطاء الأحفاد شيئًا من التركة وهو أولو قربى ويتامى ومساكين ولعلنا ندرك أن هذا الندب من الله تعالى في اليتامى والمساكين في هذه الآية قد صار حقًا مكتوبًا على المتقين في آية البقرة المتقدمة في أول البحث وإن كان يساور البعض شك في أن آية المواريث قد نسخت استحقاق أولي القربى فهل هذا وارد في حق اليتامى والمساكين نخلص من ذلك أن الندب قد توفر عند الأغلبية باستحقاق الأحفاد وهم أولو قربى ويتامى ومساكين شيئًا من تركة جدهم حيث مات أبوهم قبله.
لأنهم مندوب استحقاقهم في حياة أبيهم من تركة جدهم وهم ليسوا بيتامى ولا مساكين فيحرمون من ذلك لأنهم أصبحوا يتامى ومساكين؟
لذلك كان الندب في آية النساء اتفاقًا مقرونًا بالندب في آية البقرة بالأكثرية يجعل الوصية لغير الوارثين واجبًا في حق المتقين على اختلاف التكليف بين من حضرته الوفاة أو حضر الوفاة من وصي أو قريب وارث... ولكم رأينا خلال عملنا في القضاء الشرعي قبل تقرير الوصية الواجبة وبعدها أعمامًا سعوا جهدهم لإعطاء أخيهم حصة أبيهم المتوفي قبل أبيه، فهذه حادثة الواقع يمليها والمسلمون يستحسنونها والعلماء يفتون بها والشريعة قد ندبت إليها على قول وواجب على قول آخر أفلا يكون من حسن تطبيق الشريعة الغراء أن تكون سببًا في إصلاح المجتمع ومكافحة الفقر بكل صوره وأشكاله ودرء المفاسد من غنى الأعمام وفقر الأحفاد.
اللهم هذا ما ندين به ونعتقده. ورحم الله تعالى ابن القيم حيث يقول:
إن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط وهو العدل فحيثما وجد العدل فثم شرع الله ودينه بالطبع. العدل في إطار شريعة الإسلام ومن خلالها وفي طاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر القائمين بالحق والعدل ...
هذا فضلًا عما ورد في فتاوى رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعددة لمن كان سأله عن وفاة حورته ولم يوصى فأفتاه بالوصية عنه.
كما ورد أيضًا في فعل السيدة عائشة أم المؤمنين وقد صنف الأستاذ أحمد محمد فرج السنهوري في أحكام الوصية الواجبة من المحاضرات التي ألقيت على طلاب الدراسات العليا بالأزهر الشريف خلال الأعوام 1954- 1955 و1972 و1973 ما أفاض فيه في ترجمة وإحصاء أقوال الصحابة الذين أوجبوا هذه الوصية وكان على رأسهم أم المؤمنين عائشة، وحبر الأمة ابن عباس، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن أبي أوفى وزيد وطلحة رضي الله عنهم جميعًا في ست صفحات كبار كما أورد ترجمة وأقوال فقهاء التابعين وعددهم في أربع عشرة صفحة كبيرة وأولهم مسروق بن الأجدع المتوفى سنة 63 هجرية وأبو مجل لاحق بن حميد.
الأزدي أبو الشعثاء المتوفى سنة 93 هجرية وسعيد بن المسيب المتوفى سنة 93 هجرية وجابر بن زيد والربيع بن خيثم المتوفى سنة 64 هجرية والعلاء بن زياد بن مطر المتوفى سنة 94ه وعبد الملك بن يعلى المتوفى سنة 100 هجرية.
والشعبي عامر بن شرحبيل المتوفى سنة 113 هجرية، والضحاك بن مزاحم المتوفى سنة 105 هجرية وطاووس بن كيسان المتوفى 106 هجرية ومسلم بن يسار المتوفى سنة 108ه والحسن البصري المتوفى سنة 110ه، وطلحة بن مصرف المتوفى سنة 112ه وعطاء بن رباح المتوفى سنة 114ه وفتاره بن دعامه المتوفى سنة 117ه وإياس بن معاوية بن قمة المزني المتوفى سنة 122ه وابن شهاب الزهري المتوفى سنة 124ه.
كما ترجم الأستاذ السنهوري المذكور ونقل أقوال فقهاء الأئمة وذكر خلاصة رأي الأحناف أن الوجه هذه مندوبة وعلى هذا الرأي كان أصحابه من بعده كما نقل خلاصة رأي الشافعية أن الإمام الشافعي على رأيين رأي بالندب ورأي بالوجوب وجاء برأي الحنابلة من أقوال ابن تيمية وأبي بكر عبد العزيز بن جعفر في الوجوب كما جاء برأي إسحق بن رهويه على قولين.
كما جاء برأي داود الظاهري بالوجوب والفرضية وجاء بأقوال الطبري محمد بن جرير الذي أخذ الفقه عن الربيع تلميذ الشافعي، كما جاء برأي الإباحية على الوجوب.
ولا بأس من ذكر قول الأستاذ السنهوري في محاضراته بالوصية الواجبة «ومن عجب أن يلهج بعض الناس في العصور المتأخرة بأن يسمي من عرف من قولهم بعدم الوجوب الجمهور فأي جمهور يعني؟ فإن أراد جمهور الأئمة المجتهدين كان غير صادق، وإن أراد منه ما يشمل أتباع المذاهب التي لا ترى الوجوب فقد وقع في مغالطة يرفضها كل منصف وما قول أتباع أي مذهب وإن ملئوا الدنيا إلا قول واحد هو قول إمامهم».
حصاد الهشيم
شاب أسلم في حاجة إلى حماية
هذا الشاب اهتدى إلى الإسلام وهو طالب بالثانوي عن إخلاص وصدق ويقين، ودخل كلية الطب وتخرج طبيبًا لم يفارقه إسلامه طرفة عين، وبالرغم من تهديدات أسرته ومرغباتها، وحسب هذه الأسرة أن تكون من محافظة أسيوط بجمهورية مصر العربية، التي هي مركز التجمع والانطلاق المسيحي، والتي قد اختيرت منذ عشرات السنين مكانًا لانعقاد مؤتمر التبشير المسيحي برئاسة المبشر العالمي زويمر -بالرغم من هذا ظل الشاب متشبثًا بإسلامه...
والحق يقال: إن كلا من وزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، قد أعان الشاب ماديًا طوال مدة الدراسة، لكن المشكلة الآن تتلخص في محاولات التهديد التي تلاحق الطبيب الشاب من أسرته ومن غيرها من الجهات المسيحية، ومن حقه أن يستقر ويهدأ وينعم بأسرة طيبة، لذلك يرجو ونرجو معه أن تقبل دولة مسلمة عربية أن يعمل بها، ولن يكون عالة عليها، فمهنته كطبيب مهنة مرغوب فيها في أي بلد...
وليس من المعقول أن تفتح بعض الدول العربية المسلمة الأبواب على مصاريعها لآلاف من كوريا الجنوبية المسيحية، وتضيق بشاب اهتدى إلى الإسلام عن إخلاص وثقة ويقين، يريد الحماية الأدبية لنفسه، دون الحماية المادية التي سوف يكون في غنى عنها بما يستحقه من أجر لقاء عمله.
أبو هالة
الهامش:
[1] ابن كثير الأول حـ373.
[2] ابن كثير الجزء الأول حـ372 ومنهم من قال إنها منسوخة فيمن يرث ثانية وفيمن لا يرث وهو مذهب ابن عباس والحسن ومسروق وطاووس والضمان ومسلم بن يسار والصلال بن زياد وبه قال سعيد بن جبير والربيع بن أنسي واختاره وحقائق بن حبابه وكبير على قول هؤلاء ولا يسمى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر لأن آية المواريث لما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية لأن الأقربين- الممرضين يرث ومن لا يرث فرفع حكم من يرث بما عليه له وبقي حكم الآخر على ما دلت غير الآية الأولى.
[3] ابن كثير الجزء الأول حـ372 ومنهم من قال إنها منسوخة فيمن يرث ثانية وفيمن لا يرث وهو مذهب ابن عباس والحسن ومسروق وطاووس والضمان ومسلم بن يسار والصلال بن زياد وبه قال سعيد بن جبير والربيع بن أنسي واختاره وحقائق بن حبابه وكبير على قول هؤلاء ولا يسمى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر لأن آية المواريث لما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية لأن الأقربين- الممرضين يرث ومن لا يرث فرفع حكم من يرث بما عليه له وبقي حكم الآخر على ما دلت غير الآية الأولى.
[4] ابن كثير وروح المعاني والكشاف في تفسير قوله تعالى ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.
[5] الكشاف حـ334.
[6] روح المعاني حـ287.
[7] ابن كثير حـ372 المجلد الأول وقانون الأحوال الشخصية السوري الأسباب الموجبة ص12.