; على صهوة الكلمة: اغتراب المسلم المعاصر «3» | مجلة المجتمع

العنوان على صهوة الكلمة: اغتراب المسلم المعاصر «3»

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

مشاهدات 106

نشر في العدد 848

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

هذا الوضع المتأزم في علاقة المسلم المعاصر بالمجتمع الحديث ومؤسساته- والذي هو محصلة طبيعية لاغترابه- انعكس على عقله ورؤيته للظاهرات وفهوماته وميولاته وتشوفاته وموقفه من التراث والغرب والفكر الإنساني وقضايا الحرية والديمقراطية والحضارة.

فموقف المسلم المعاصر اليوم من التراث لا شك ينزع إلى التقديس أكثر من الاستلهام، ويبدو أن هذا الموقف جاء ردًا عفويًا على حملة التغريب التي واكبت تاريخيًا حملة الاستعمار والاحتلال العسكري لمناطق شاسعة من الوطن العربي والإسلامي، دون شك أن التغريب هو ضرب من ضروب الغزو الفكري الذي يجب مكافحته، لكن ينبغي هنا أن نفرق بين التغريب والتحديث حتى لا نقع في خندق التمترس الفكري، فإذا كان التغريب ضربًا من ضروب الغزو الفكري، فإن التحديث هو ضرب من ضروب التفاعل الحضاري الذي هو جهد إيجابي وإنساني.

 وفرق كبير بين مقاومة الغزو الفكري والمتمثل بالتغريب وبين الموقف السلبي العام من الحداثة والتفاعل الحضاري والخلط بين الأمرين فيه كثير من ضيق الأفق واللاموضوعية.

نتيجة لمواجهاتنا في المنطقة العربية والإسلامية مع الاستعمار الغربي التقليدي (الإنجليزي والفرنسي والهولندي والبرتغالي) أصابنا ما يمكن أن نسميه بـ«الصدمة الحضارية» كان من نتائجها هذه الحركة المزدوجة التي تتلاطم في المجتمع الغربي والإسلامي: فهناك دعاة التغريب وهناك دعاة التراث، دعاة التغريب هم عبارة عن وكلاء في منطقتنا للمذاهب السياسية والفلسفية الغربية، والغرب الذي نعني هنا هو الغرب بشقيه الرأسمالي والشيوعي إذ إن المذهب الرأسمالي والشيوعي محصلات طبيعية للمادية الأوروبية، في الأساس دعاة التغريب جعلوا الغرب- بشقيه- «المعيار والميزان» واستعاروا من الغرب «مقاييس الفحص والاختيار» الغربية وصاروا ينظرون إلى ذاتيتنا وتاريخنا وديننا وتراثنا من خلالها، وكانت النتيجة الطبيعية من جراء ذلك: ضياع الذات، أما دعاة التراث- الذين اصطف معهم المسلم المعاصر- فينزعون إلى تقديس التراث والحديث المكرور عن إسهامات العرب والمسلمين في مجالات العلوم والحضارة والثقافة دون التمكن من تقديم شيء جديد في هذا المضمار، وكأنهم بذلك يحاولون الالتفاف على الصدمة الحضارية، إنهم -أي التراثيون- انغمسوا في تعظيم البطل لكنهم عجزوا عن البطولة.

يقول د. أكرم العمري في نظره الثاقب في هذا الموضوع: «قد لا يجد الإنسان المتأمل كبير فارق بين دعاة المعاصرة، هؤلاء الذين لا یرون سبيلها إلا بالتخلي عن الذات المترافق مع الشعور باستحالة اللحاق بالعصر الذي يشمل الإمكانية ويعطل الفعالية فيدعون إلى تقليد الغرب في كل شيء، وبين التراثيين.. أولئك الذين يقتصرون على الفخر بالماضي والاعتزاز به بحجة أن الأولين لم يتركوا للآخرين شيئًا كبديل عن الإسهامات المعاصرة من حيث النتيجة والممارسة العملية وإن اختلف المنطلق.. إنهم- أي دعاة المعاصرة والتراثيون- يقفون على أرض واحدة ويتنفسون هواء مناخ واحد هو مناخ الواقع المتخلف»(1) انتهى.

وفي تصوري أن المسلم المعاصر لن يتمكن من تجاوز هذا الموقف المتشدد إزاء التراث إلا من خلال الوعي التاريخي أي التبصر الدائم والهادف بالتاريخ القريب والبعيد، الذاتي والموضوعي، ومن خلال التوغل المركز في قراءة صفحات التجارب البشرية الكثيرة والمتنوعة وفحصها وتدبرها واكتشاف المؤثرات والسنن التي ساهمت في بعثها وإيجادها، لا شك أن التراث مخزون عظيم قابل للإحياء، لكن هذا لا يعني البتة أن فيه كل ما يعنينا عن النظام الفكري العالمي، لذا فالالتزام الموضوعي- لا العاطفي- بالتراث بات ضرورة لفهم حاضرنا ومستقبلنا.

__________

(1) د. أكرم العمري «التراث والمعاصرة» مطابع الدوحة الحديثة، قطر ١٤٠٥ هـ ص ١١.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 47

0

الثلاثاء 16-فبراير-1971

مواقف!

نشر في العدد 38

147

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

مع القراء (38)