العنوان الدكتور عبد السلام الهراس: على العرب ألا يصدروا خلافاتهم إلى الجاليات الإسلامية في الغرب
الكاتب عبد السلام الهراس
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1989
مشاهدات 69
نشر في العدد 914
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 25-أبريل-1989
د. الهراس: للمذهب المالكي أثر عظيم في
توحيد المغرب الإسلامي في مواجهة العبيديين.
● يجب الاهتمام بالمسلمين ذوي الأصول الأوروبية الذين يفضلون الانزواء بتجمعات مغلقة.
● ارتبط رجال الوطنية المغربية بجمعية الهداية وبالشبان المسلمين وبجماعة الإخوان المسلمين.
الدكتور عبد السلام الهراس داعية من
المغرب وأستاذ أكاديمي تخرجت على يديه مجموعات كبيرة من الطلبة المغاربة والعرب
والأفارقة في الجامعات المغربية ... التقت
به المجتمع مرة أخرى في مناقشة فكرية ثقافية استجلت فيها آراءه في بعض القضايا
الفكرية والثقافية والسياسية وذلك من خلال الحوار الثاني:
المجتمع: لماذا يتمسك أهل المغرب
بالمذهب المالكي دون سائر المذاهب ... وهل هو تمسك سياسي؟
د. الهراس كان المغرب على مذهب الإمام
الأوزاعي ثم تحول إلى فقه إمام دار الهجرة، التعلق المغاربة بحب رسول الله صلى
الله عليه وسلم ومذهب مالك مرتبط بمدنية رسول الله عليه السلام.. وهناك توافق بين
هذا المذهب وعقلية المغاربة ونفسياتهم لتمسكه بالكتاب والسنة، واتخاذه قواعد وأسس
ومقاييس أصولية ورفضه للبدع وسد الأبواب أمام زيغ العقول وتيه التفكير واقتحام
المجالات الغيبية التي لم تنته إلا بالملل والنحل والفتن، ثم إن المغرب هو جزء هام
في المغرب الإسلامي كله ولارتباطه بالأندلس و بتونس فإن الفقه المالكي الذي دخل
هذه البلاد مبكرا كان لا بد أن يشمل المغرب أيضا، ولا ننسى ما كان للإمام يحيى
الليثي المصمودي المغربي الأصل من أثر كبير في إرساء المذهب المالكي واعتماده وحده
في الأندلس مما جعله يزدهر ازدهارا كبيرا كما ازدهرت الدراسات الحديثية والفقهية
عن كتاب الموطأ للإمام مالك برواية يحيى العيني، وكانت الدولة الأموية تؤيد هذا
المذهب لتستقل الأندلس عن بغداد الحنفية العباسية، وقد كان لهذا المذهب أثر عظيم
في توحيد المغرب الإسلامي في مواجهة العبيديين وقد قاسي فقهاؤه الشدائد على يد
هؤلاء كما هو مبسوط في كتب التاريخ والتراجم وطبقات المالكية كما كان هذا التوحيد
عاملا قويًّا في مواجهة الخطر النصراني الموحد المذهب - الكاثوليكية، كما جنب
المغرب خصوصا كثيرا مما تعرضت له المجتمعات الإسلامية الأخرى وما تتعرض له اليوم
من فتن واضطرابات مصدرها كثرة الملل والنحل والاختلافات المذهبية والدينية!!
المجتمع: بماذا يختلف الاستشراق
الفرنسي عن الاستشراق الأنجلو الأمريكاني؟
د. الهراس: لا يكادان يختلفان في
الغايات والأهداف.. فكلاهما يهدف إلى دراسة المجتمعات الإسلامية ودولها وشخصياتها
ومنظماتها وقياداتها للتعامل معها وأن الاستشراق الأنجلو أمريكي أكثر ارتباطا
بالسياسة والتنصير وإحكاما لخططه، وعمقا في دراساته وتطوره وقدرته على الاستفادة
من جهود غيرهم من المستشرقين بالدول الأخرى كما يستخدم باحثين محليين يختارون وفق
مقاييس دقيقة وذات جدوى وقد بدأ الاستشراق الفرنسي يسير على خطا الاستشراق الأنجلو
أمريكي العملاق.. فأقبل على التخصص في دراساته للإسلام والمسلمين ويوجد الآن مركز
هام بمدينة أيكس الدراسة شمال إفريقيا ذات التأثير الثقافي والديني في إفريقيا وقد
قام هذا المركز بدراسات للمغرب العربي اتسمت بالتنوع والتعمق ومن ذلك دراسة هامة
عن الدعوة الإسلامية بالدار البيضاء مستعينا على ذلك بباحثين محليين، ولا شك أن
هذا المركز وأمثاله يتعامل مع جهات متعددة تهمها دراساته تلك.
المجتمع: كيف تتم المحافظة على الشخصية
الإسلامية في أوروبا؟
د. الهراس يشكل المغاربة نسبة عالية
جدا من الجالية الإسلامية في كل من فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا كما أن أعدادهم
وفيرة في ألمانيا أما في الدول الإسكندنافية وإنجلترا، فهم أقلية بالنسبة لغيرهم
من المسلمين، ويبذل المغاربة جهودا مُضنية للحفاظ على عقيدتهم ودينهم ولا سيما
المهاجرون في الستينات وما بعدها، ويزداد الوعي بالشخصية الإسلامية بين الجالية
المغربية، والزائر لبلجيكا فعلا يلاحظ كثرة المساجد حيث يسكن المغاربة وكذلك الأمر
بالنسبة للأتراك وكذلك الأمر في فرنسا أن نشاهد هناك أيضا تأسيس مشاريع مهمة في
ميدان بناء المراكز والمركبات الإسلامية مما يثلج الصدور لكن هناك تحديات ومخططات
رهيبة لتصفية الإسلام في أوروبا وهي مخططات بعيدة المدى متنوعة الإجراء والأسلوب
ولكن أخطر معوق للحفاظ على الشخصية في تلك البلاد: الخلافات الداخلية التي يبلغ
بعضها حد التطاحن مما يبدد كثيرا من الطاقات ويضيع كثيرا من الفرص و يفرط في
مكتسبات هامة، لذلك يجب على العرب ألا يصدروا خلافاتهم لتلك البلاد كما يجب على كل
دولة لها جالية إسلامية هناك أن تعمل مع شقيقاتها على التنسيق والتعاون الحتمي
وتكوين لجنة مشتركة تعنى بالبناء والتشييد للعلاقات والقضاء على مصادر الفتن ...
كما أن على الشخصيات والمنظمات الإسلامية أن تتردد على هذه البلاد للتوعية وإلقاء
المحاضرات وتعزيز المشاريع الخيِّرة ومساندة العناصر الصالحة ورُبَّ محاضرة واحدة
من شخصية إسلامية ذات وزن علمي وخلقي كان لها من الأثر ما يقضي على كثير من
السلبيات، وأذكر هنا زيارة الداعية الكبير الشيخ يوسف القرضاوي لبلجيكا حيث ألقى
محاضرة وبعض الدروس كانت خيرا وبركة فيجب ألَّا ينقطع هذا النوع من الاتصال كما
يجب تكوين واختيار العناصر الصالحة للإمامة والتدريس إذ إن أهم المشاكل تنجم في
غياب القيادة الإسلامية الصالحة الواعية، ولعل قيام اتحاد المغرب العربي يسهم بشكل
فعال في توحيد الجالية الإسلامية بفرنسا والتنسيق فيما بينها وجعلها مجتمعا
إسلاميا واحدا، كما يجب الاهتمام بالمسلمين ذوي الأصول الأوروبية الذين يفضلون
الانزواء والاكتفاء بتجمعات مغلقة خاصة بهم لأسباب ليس هذا موضع تعدادها، المهم أن
أمانة تفقيه المسلمين الأوروبيين، وهم كثر في كل بلد ولا سيما في فرنسا وإسبانيا،
قلة إنجلترا في أعناقنا نحن الذين لم نفهم لحد الآن كيف تتعامل معهم والاقتراب من
ثقتهم .
المجتمع: ما رأيك في الجوائز الغربية
التي تمنح للمسلمين مثل جائزة ابن جلون وجائزة نجيب محفوظ؟
د. الهراس: لقد كتبت في مجلة «دعوة
الحق» أواخر الخمسينات عن جائزة نوبل ومغزاها بالنسبة للمرشح المسلم، وقد سبق لأستاذنا
مالك بن نبي رحمه الله - أن رفض ترشيح بعض المؤسسات الغربية له لنيل هذه الجائزة
إذ مثل هذه الجوائز أصبحت ذات أهداف خبيثة لما تقدمه من خدمات على في خدمة الهجمات
الشرسة على الإسلام والمسلمين.. وقد يكون النائل لهذه الجوائز على علم بالمخطط وقد
لا يكون، أما ابن جلون فقد فضح نيله للجائزة الفرنسية كاتب مغربي مطلع مدقق ونشر
مقالته القيِّمة في جريدة «العلم» المغربية كما أدان هذا النوع من الأدب كتاب
مغاربة كبار على صفحات الشرق الأوسط وغيرها.
المجتمع: ما رأيك في قضية البربر؟ وهل
تشكل هاجسا ثقافيا بالنسبة لأهل المغرب العربي وثقافتهم؟
د. الهراس: قضية البربر التي تلوح بها
بعض النفوس المريضة لم نكن نعرفها قط حتى أثارها الفرنسيون عندما استصدروا مرسوما
يقضي بفصل بعض القبائل البربرية عن باقي المغرب في التشريع وغيره، بحيث يصبح
إخواننا غير خاضعين للشريعة الإسلامية بل للأعراف والتقاليد ونزوات حكامهم وقد كان
هذا الإجراء مقدمة وتمهيدا لتنصيرهم وصدق الله الذي يقول: ﴿وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: 216) ويقول في قصة الإفك ....
﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ (النور: 11) وكان الأمر
كذلك إذ كانت ثورة عارمة شاملة في المدن والقبائل وكان البربر في طليعة من ثار على
هذا المرسوم مما جعل الوحدة الإسلامية بالمغرب أقوى مما كانت ومن هناك انطلقت
الحركة الوطنية تبنِي كيانها على أساس الوحدة، وعلى أساس الدين، وعلى أساس اللغة
العربية. أين ما يسمى بالعنصر البربري والقومية البربرية لا يوجد إلا في أدمغة
دهاقنة الاستعمار وبين ومخططاته، وقد حاول الاستعمار أن يمزق المغرب على مستوى
الأرض وسكانها وأفلح بفصل الجنوب عن الشمال، فكانت موريتانيا الإسلامية ملفاته
وامتدت المؤامرة إلى «الصحراء» لتصنع منها دولة أخرى، وكان الإسبان يفكرون في
إقامة دولة في المنطقة الخليفية التي كانت تحت حماية الإسبان، ويمثل فيها الملك
خليفته الذي كان له موقف مشرِّف إذ رفض هذا المخطط وفوَّت على الإسبان فرصة تمزيق
المغرب من شماله وقد تضامن جميع قواد وحكام القبائل من المغاربة وكان لأستاذنا
الكبير عبد الله كنون موقف مشهود، إذ فرَّ إلى طنجة حيث مسكنه الدائم وأرسل من
هناك استقالته من وزارة العدل بتطوان، وقد نشاهد قريبا مسرحية التمزيق والدعوة
لإقامة دولة في سبتة» وأخرى في «مليلة» فالاستعمار لا يستسلم وقد قال أحد دهاقنة
الاستعمار الفرنسي منذ سنوات فقط: يجب علينا استثمار العنصرية البربرية واستغلالها
لصالح فرنسا، فنحن نعرف كيف توجه هذه القضية وفق ما نريد.. والحقيقة أن المغرب شهد
اندماجًا سكانيًّا كبيرًا لدرجة أن قبائل عربية تبربرت وأمازيغية تعربت ... لذلك
نجد في الجبال البربرية قبائل هامة تنتسب للرسول صلى الله عليه وسلم كما نجد قبائل
عربية أصيلة لها جذور في شمال المغرب كقبيلة العروسيين بالصحراء المغربية التي
ترتبط ببني عروس في جبل العلم قرب تطوان وتفشاون وأصيلة، ولم يشعر المغاربة قط
أنهم شعوب بل شعب واحد هو جزء من الأمة الإسلامية الكبرى.
المجتمع: ما رأيك باليسار الإسلامي
الذي يأخذ زخمًا كبيرًا في المغرب؟
د. الحراس ظهر اليسار في المغرب مرتبطا
باليسار الفرنسي ويكفي أن أشير إلى أن مؤسسي الحزب الشيوعي من اليهود، ورغم ازدهار
أفكار اليسار في ظل شروط وظروف معينة مشجعة فإنه الآن بدأ ينحسر أمام اليقظة
الإسلامية الفتيَّة على ما تفتقر إليه هذه اليقظة لشروط مادية وسياسية، وعلى الرغم
من المعوقات الخارجية وبعض السلبيات الذاتية والحقيقة الواضحة إن قطاعا كبيرا من
اليسار صار يستخدم عبارات إسلامية ويعترف بالله بمناسبة الموت والعزاء مثلا، كما
يلاحظ أن بعض الصحف اليسارية تشيد أحيانا بالصحوة الإسلامية وبالأفكار الإسلامية،
بل إن كثيرا من اليساريين عادوا إلى الإسلام بصدق ووضوح، وبالمناسبة أشير إلى أن
الزعيم الشيوعي الدكتور عبد الهادي مسواك تاب في آخر عمره توبة نصوحا واعتمر وحج
ووقف أمام الكعبة وبكى بكاء مُرًّا، وقال لصاحبه ومرافقه - وهو شخصية صحافية كبيرة
بالمغرب - اشهد أني بريء من أفكاري السابقة، وأني أؤمن بالله وبرسوله، وأني مسلم
تائب إلى الله ... كما أن بعض أحزاب اليسار ذات الأصول الوطنية تضم داخل كيانها
جمهورا إسلاميًّا كبيرًا ولذلك كان على اليسار هذا أن يحترم الإسلام وعقيدة
الإسلام إما اقتناعا باحترام جمهوره أو تملقا ومجاملة له.
إن المغرب ظهر في التاريخ الحضاري دولة
مسلمة وشعبا مسلما فاتحا ومدافعا عن الإسلام وناشرا له وسيظل كذلك إلى أن يرث الله
الأرض ومن عليها ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ
النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 17) ... ومن هذا الزبد اليسار المرتبط
باليهودية قيادة وأفكارا وعواطف فإن مصيره إلى البوار متى تنظمت اليقظة الإسلامية
وتحررت من بعض المعوقات.
المجتمع: كيف تعرف القارئ المسلم
بالدعوة ومراكزها وشخصياتها في المغرب؟
د. الهراس تأثر المغاربة كباقي العالم
الإسلامي بالثورة الإسلامية الإيرانية لتحقيقها انتصارا على معسكرات الغرب
والعلمانية وعلى الاتجاهات الإلحادية، وكان لوسائل الإعلام العالمية والإسلامية
أثر كبير في هذا الإعجاب غير أنه انحسر انحسارًا كبيرًا لأسباب متعددة منها وسائل
الإعلام الإسلامي الصادق، وإني كنت ألاحظ أن لإيران نشاطا متواصلًا ومنظمًا
ومُركزا في أوروبا وإفريقيا وقد استطاع هذا النشاط أن يكتسب بعض المسلمين
الأوروبيين في بلجيكا وفرنسا وإسبانيا نتيجة أخطاء وتصرفات بعض الذين لهم صلة
بالدعوة بهذه البلاد!! كما أنه ستظهر قريبا آثار هذا النشاط في إفريقيا التي
يواجهها العرب بإهمال كبير فقد تخلت بعض المؤسسات التعليمية عنهم، وإن كان المغرب
اليوم قد فتح أبواب مدارسه وجامعاته للشباب الإفريقي بكرم وتقدير على الرغم مما
يعانيه المغرب من بعض الصعاب الاقتصادية، وهو الآن على أهبة تأسيس مدينة جامعية
خاصة بالأفارقة والآسيويين المسلمين، فلو تكاتف المسلمون ونسقوا جهودهم وتعاونوا
على البر والتقوى لاستطاعوا أن يدفعوا عنهم كثيرا من الأخطار والفتن التي ترى
سحبها تنعقد في سمائهم وما تقدم لم يكن سوى المقدمة الدالة.
المجتمع: ما هي علاقة الإخوان المسلمين
بالمغرب؟
● د. الهراس للإخوان المسلمين علاقة حميمة
بالمغرب، فقد ارتبط رجال الوطنية المغربية، وكانوا من العلماء بجمعية الهداية
الإسلامية وبالشبان المسلمين ثم بالإخوان المسلمين وبالشخصيات الإسلامية في كل من
مصر وسوريا واليمن والسعودية والهند.. ومما يجدر ذكره أن مجلة الفتح كانت واجهة
الصحافة الإسلامية التي تدافع عن قضية المغرب ولها صولات وجولات في مكافحة المرسوم
البربري الذي هدف إلى عزل المسلمين البربر عن إخوانهم في المدن والصحاري والجبال
وغيرها، وقد طبعت وثيقة المطالب المغربية» في الثلاثينيات بمطابع الإخوان
المسلمين، كما أن زعماء المغرب وبعض قياداته كانت لهم صلة وثيقة بالإخوان يتعاونون
معهم مثل الأستاذ الكبير علال الفاسي، والعلامة عبد الله كنون الحسني، والأستاذ
أحمد بنودة، والأستاذ عبد الهادي أبو طالب .. ومن أقدم هؤلاء الشيخ الحاج الحسن
بوعياد، وقد قام الإخوان المسلمون بمساندة هامة للقضية المغربية في جميع المجالات
وعندما اعتدى الفرنسيون على العرش المغربي بخلع محمد الخامس كان الإخوان المسلمون
السباقين لإخوانهم المغاربة وللعمل على نُصرة محمد الخامس رحمه الله، وقد كنت إذ
ذاك بلبنان وهناك التقيت بالشهيد سيد قطب الذي قال لي إننا نعتبر موقف الملك محمد
الخامس موقفا بطوليا يسجل بالفخر ونحن لا نألو جهدا في مناصرته ومناصرة المغرب،
ولا أنسى له تلك الكلمات الطيبة الثائرة التي كانت إشادة بجهاد المغاربة وملكهم،
وقد كان سيد رحمه الله يسير جريدة «الإخوان المسلمون» كما كانت مجلة «المسلمون»
لسعيد رمضان كثيرة الاهتمام بالمغرب العربي كله، وقد تفتح صفحاتها لأقلام إعلام
المغرب، بل كانت أول مجلة بدأت تسجل مذكرات أمير الجهاد محمد بن عبد الكريم
الخطابي رحمه الله الذي كانت تربطه صلات وثيقة بالإخوان وكان يعتبر محاربتهم
محاربة لله والرسول والجميع المسلمين وهذه نقطة سأكتب فيها وأبيِّن إن شاء الله
حكم الأمير المجاهد على من يشنق الدعاة وأئمة المسلمين ومجاهديهم، وقد كان الشيخ
الحاج احمد مغينو المسؤول عن توزيع مجلة «المسلمون» بالمغرب وما زلت أحتفظ
بأعدادها الأولى والحمد لله.
كما لا ينسى المغاربة ما قام به الأستاذ صالح أبو رقيق من جهود مشكورة ومبروكة في الدفاع عن المغرب والسعي لتوحيد أحزابه في جبهة واحدة الذي تم في بيت أستاذنا الجليل عبد الله كنون شفاه الله، وبارك في عمره وما بذله باسم الجامعة العربية من مساعٍ ومجهودات في إسبانيا لنُصرة المغرب وإعادة الملك الشرعي لحُكمه وعرشه وقد مهد السبل لتوفير السلاح للمقاومة والجهاد بالمغرب لولا أنه سجن وحُكم عليه أحكاما قاسية، بارك الله في صحته ورزقه العافية حتى يرى ما يسرُّه إن شاء الله في عالمه الإسلامي. وقد كان المغرب المستقل في طليعة من دافع عن الإخوان المسلمين وعن سيد قطب رحمه الله ولا ننسى مواقف زعماء المغرب وعلمائه ومثقفيه عندما وقعوا وثيقة للمطالبة بإطلاق سراح سيد قطب، والتخلي عن إعدامه، ثم المطالبة بوجوب إحسان المعاملة مع أسر المسجونين والمشنوقين وقد وقَّع على هذه الوثيقة زعماء يساريون اشتراكيون لمَا كان لهم من صلة روحية وصداقة مع بعض رجال الإخوان ولا سيما في ميدان الكفاح المشترك وفي بعض المنظمات القانونية.ن ذوي الأصول الأوروبية الذين يفضلون الانزواء بتجمعات مغلقة.
● ارتبط رجال الوطنية المغربية بجمعية الهداية وبالشبان المسلمين وبجماعة الإخوان المسلمين.
الدكتور عبد السلام الهراس داعية من المغرب وأستاذ أكاديمي تخرجت على يديه مجموعات كبيرة من الطلبة المغاربة والعرب والأفارقة في الجامعات المغربية ... التقت به المجتمع مرة أخرى في مناقشة فكرية ثقافية استجلت فيها آراءه في بعض القضايا الفكرية والثقافية والسياسية وذلك من خلال الحوار الثاني:
المجتمع: لماذا يتمسك أهل المغرب بالمذهب المالكي دون سائر المذاهب ... وهل هو تمسك سياسي؟
د. الهراس كان المغرب على مذهب الإمام الأوزاعي ثم تحول إلى فقه إمام دار الهجرة، التعلق المغاربة بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذهب مالك مرتبط بمدنية رسول الله عليه السلام.. وهناك توافق بين هذا المذهب وعقلية المغاربة ونفسياتهم لتمسكه بالكتاب والسنة، واتخاذه قواعد وأسس ومقاييس أصولية ورفضه للبدع وسد الأبواب أمام زيغ العقول وتيه التفكير واقتحام المجالات الغيبية التي لم تنته إلا بالملل والنحل والفتن، ثم إن المغرب هو جزء هام في المغرب الإسلامي كله ولارتباطه بالأندلس و بتونس فإن الفقه المالكي الذي دخل هذه البلاد مبكرا كان لا بد أن يشمل المغرب أيضا، ولا ننسى ما كان للإمام يحيى الليثي المصمودي المغربي الأصل من أثر كبير في إرساء المذهب المالكي واعتماده وحده في الأندلس مما جعله يزدهر ازدهارا كبيرا كما ازدهرت الدراسات الحديثية والفقهية عن كتاب الموطأ للإمام مالك برواية يحيى العيني، وكانت الدولة الأموية تؤيد هذا المذهب لتستقل الأندلس عن بغداد الحنفية العباسية، وقد كان لهذا المذهب أثر عظيم في توحيد المغرب الإسلامي في مواجهة العبيديين وقد قاسي فقهاؤه الشدائد على يد هؤلاء كما هو مبسوط في كتب التاريخ والتراجم وطبقات المالكية كما كان هذا التوحيد عاملا قويًّا في مواجهة الخطر النصراني الموحد المذهب - الكاثوليكية، كما جنب المغرب خصوصا كثيرا مما تعرضت له المجتمعات الإسلامية الأخرى وما تتعرض له اليوم من فتن واضطرابات مصدرها كثرة الملل والنحل والاختلافات المذهبية والدينية!!
المجتمع: بماذا يختلف الاستشراق الفرنسي عن الاستشراق الأنجلو الأمريكاني؟
د. الهراس: لا يكادان يختلفان في الغايات والأهداف.. فكلاهما يهدف إلى دراسة المجتمعات الإسلامية ودولها وشخصياتها ومنظماتها وقياداتها للتعامل معها وأن الاستشراق الأنجلو أمريكي أكثر ارتباطا بالسياسة والتنصير وإحكاما لخططه، وعمقا في دراساته وتطوره وقدرته على الاستفادة من جهود غيرهم من المستشرقين بالدول الأخرى كما يستخدم باحثين محليين يختارون وفق مقاييس دقيقة وذات جدوى وقد بدأ الاستشراق الفرنسي يسير على خطا الاستشراق الأنجلو أمريكي العملاق.. فأقبل على التخصص في دراساته للإسلام والمسلمين ويوجد الآن مركز هام بمدينة أيكس الدراسة شمال إفريقيا ذات التأثير الثقافي والديني في إفريقيا وقد قام هذا المركز بدراسات للمغرب العربي اتسمت بالتنوع والتعمق ومن ذلك دراسة هامة عن الدعوة الإسلامية بالدار البيضاء مستعينا على ذلك بباحثين محليين، ولا شك أن هذا المركز وأمثاله يتعامل مع جهات متعددة تهمها دراساته تلك.
المجتمع: كيف تتم المحافظة على الشخصية الإسلامية في أوروبا؟
د. الهراس يشكل المغاربة نسبة عالية جدا من الجالية الإسلامية في كل من فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا كما أن أعدادهم وفيرة في ألمانيا أما في الدول الإسكندنافية وإنجلترا، فهم أقلية بالنسبة لغيرهم من المسلمين، ويبذل المغاربة جهودا مُضنية للحفاظ على عقيدتهم ودينهم ولا سيما المهاجرون في الستينات وما بعدها، ويزداد الوعي بالشخصية الإسلامية بين الجالية المغربية، والزائر لبلجيكا فعلا يلاحظ كثرة المساجد حيث يسكن المغاربة وكذلك الأمر بالنسبة للأتراك وكذلك الأمر في فرنسا أن نشاهد هناك أيضا تأسيس مشاريع مهمة في ميدان بناء المراكز والمركبات الإسلامية مما يثلج الصدور لكن هناك تحديات ومخططات رهيبة لتصفية الإسلام في أوروبا وهي مخططات بعيدة المدى متنوعة الإجراء والأسلوب ولكن أخطر معوق للحفاظ على الشخصية في تلك البلاد: الخلافات الداخلية التي يبلغ بعضها حد التطاحن مما يبدد كثيرا من الطاقات ويضيع كثيرا من الفرص و يفرط في مكتسبات هامة، لذلك يجب على العرب ألا يصدروا خلافاتهم لتلك البلاد كما يجب على كل دولة لها جالية إسلامية هناك أن تعمل مع شقيقاتها على التنسيق والتعاون الحتمي وتكوين لجنة مشتركة تعنى بالبناء والتشييد للعلاقات والقضاء على مصادر الفتن ... كما أن على الشخصيات والمنظمات الإسلامية أن تتردد على هذه البلاد للتوعية وإلقاء المحاضرات وتعزيز المشاريع الخيِّرة ومساندة العناصر الصالحة ورُبَّ محاضرة واحدة من شخصية إسلامية ذات وزن علمي وخلقي كان لها من الأثر ما يقضي على كثير من السلبيات، وأذكر هنا زيارة الداعية الكبير الشيخ يوسف القرضاوي لبلجيكا حيث ألقى محاضرة وبعض الدروس كانت خيرا وبركة فيجب ألَّا ينقطع هذا النوع من الاتصال كما يجب تكوين واختيار العناصر الصالحة للإمامة والتدريس إذ إن أهم المشاكل تنجم في غياب القيادة الإسلامية الصالحة الواعية، ولعل قيام اتحاد المغرب العربي يسهم بشكل فعال في توحيد الجالية الإسلامية بفرنسا والتنسيق فيما بينها وجعلها مجتمعا إسلاميا واحدا، كما يجب الاهتمام بالمسلمين ذوي الأصول الأوروبية الذين يفضلون الانزواء والاكتفاء بتجمعات مغلقة خاصة بهم لأسباب ليس هذا موضع تعدادها، المهم أن أمانة تفقيه المسلمين الأوروبيين، وهم كثر في كل بلد ولا سيما في فرنسا وإسبانيا، قلة إنجلترا في أعناقنا نحن الذين لم نفهم لحد الآن كيف تتعامل معهم والاقتراب من ثقتهم .
المجتمع: ما رأيك في الجوائز الغربية التي تمنح للمسلمين مثل جائزة ابن جلون وجائزة نجيب محفوظ؟
د. الهراس: لقد كتبت في مجلة «دعوة الحق» أواخر الخمسينات عن جائزة نوبل ومغزاها بالنسبة للمرشح المسلم، وقد سبق لأستاذنا مالك بن نبي رحمه الله - أن رفض ترشيح بعض المؤسسات الغربية له لنيل هذه الجائزة إذ مثل هذه الجوائز أصبحت ذات أهداف خبيثة لما تقدمه من خدمات على في خدمة الهجمات الشرسة على الإسلام والمسلمين.. وقد يكون النائل لهذه الجوائز على علم بالمخطط وقد لا يكون، أما ابن جلون فقد فضح نيله للجائزة الفرنسية كاتب مغربي مطلع مدقق ونشر مقالته القيِّمة في جريدة «العلم» المغربية كما أدان هذا النوع من الأدب كتاب مغاربة كبار على صفحات الشرق الأوسط وغيرها.
المجتمع: ما رأيك في قضية البربر؟ وهل تشكل هاجسا ثقافيا بالنسبة لأهل المغرب العربي وثقافتهم؟
د. الهراس: قضية البربر التي تلوح بها بعض النفوس المريضة لم نكن نعرفها قط حتى أثارها الفرنسيون عندما استصدروا مرسوما يقضي بفصل بعض القبائل البربرية عن باقي المغرب في التشريع وغيره، بحيث يصبح إخواننا غير خاضعين للشريعة الإسلامية بل للأعراف والتقاليد ونزوات حكامهم وقد كان هذا الإجراء مقدمة وتمهيدا لتنصيرهم وصدق الله الذي يقول: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: 216) ويقول في قصة الإفك .... ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ (النور: 11) وكان الأمر كذلك إذ كانت ثورة عارمة شاملة في المدن والقبائل وكان البربر في طليعة من ثار على هذا المرسوم مما جعل الوحدة الإسلامية بالمغرب أقوى مما كانت ومن هناك انطلقت الحركة الوطنية تبنِي كيانها على أساس الوحدة، وعلى أساس الدين، وعلى أساس اللغة العربية. أين ما يسمى بالعنصر البربري والقومية البربرية لا يوجد إلا في أدمغة دهاقنة الاستعمار وبين ومخططاته، وقد حاول الاستعمار أن يمزق المغرب على مستوى الأرض وسكانها وأفلح بفصل الجنوب عن الشمال، فكانت موريتانيا الإسلامية ملفاته وامتدت المؤامرة إلى «الصحراء» لتصنع منها دولة أخرى، وكان الإسبان يفكرون في إقامة دولة في المنطقة الخليفية التي كانت تحت حماية الإسبان، ويمثل فيها الملك خليفته الذي كان له موقف مشرِّف إذ رفض هذا المخطط وفوَّت على الإسبان فرصة تمزيق المغرب من شماله وقد تضامن جميع قواد وحكام القبائل من المغاربة وكان لأستاذنا الكبير عبد الله كنون موقف مشهود، إذ فرَّ إلى طنجة حيث مسكنه الدائم وأرسل من هناك استقالته من وزارة العدل بتطوان، وقد نشاهد قريبا مسرحية التمزيق والدعوة لإقامة دولة في سبتة» وأخرى في «مليلة» فالاستعمار لا يستسلم وقد قال أحد دهاقنة الاستعمار الفرنسي منذ سنوات فقط: يجب علينا استثمار العنصرية البربرية واستغلالها لصالح فرنسا، فنحن نعرف كيف توجه هذه القضية وفق ما نريد.. والحقيقة أن المغرب شهد اندماجًا سكانيًّا كبيرًا لدرجة أن قبائل عربية تبربرت وأمازيغية تعربت ... لذلك نجد في الجبال البربرية قبائل هامة تنتسب للرسول صلى الله عليه وسلم كما نجد قبائل عربية أصيلة لها جذور في شمال المغرب كقبيلة العروسيين بالصحراء المغربية التي ترتبط ببني عروس في جبل العلم قرب تطوان وتفشاون وأصيلة، ولم يشعر المغاربة قط أنهم شعوب بل شعب واحد هو جزء من الأمة الإسلامية الكبرى.
المجتمع: ما رأيك باليسار الإسلامي الذي يأخذ زخمًا كبيرًا في المغرب؟
د. الحراس ظهر اليسار في المغرب مرتبطا باليسار الفرنسي ويكفي أن أشير إلى أن مؤسسي الحزب الشيوعي من اليهود، ورغم ازدهار أفكار اليسار في ظل شروط وظروف معينة مشجعة فإنه الآن بدأ ينحسر أمام اليقظة الإسلامية الفتيَّة على ما تفتقر إليه هذه اليقظة لشروط مادية وسياسية، وعلى الرغم من المعوقات الخارجية وبعض السلبيات الذاتية والحقيقة الواضحة إن قطاعا كبيرا من اليسار صار يستخدم عبارات إسلامية ويعترف بالله بمناسبة الموت والعزاء مثلا، كما يلاحظ أن بعض الصحف اليسارية تشيد أحيانا بالصحوة الإسلامية وبالأفكار الإسلامية، بل إن كثيرا من اليساريين عادوا إلى الإسلام بصدق ووضوح، وبالمناسبة أشير إلى أن الزعيم الشيوعي الدكتور عبد الهادي مسواك تاب في آخر عمره توبة نصوحا واعتمر وحج ووقف أمام الكعبة وبكى بكاء مُرًّا، وقال لصاحبه ومرافقه - وهو شخصية صحافية كبيرة بالمغرب - اشهد أني بريء من أفكاري السابقة، وأني أؤمن بالله وبرسوله، وأني مسلم تائب إلى الله ... كما أن بعض أحزاب اليسار ذات الأصول الوطنية تضم داخل كيانها جمهورا إسلاميًّا كبيرًا ولذلك كان على اليسار هذا أن يحترم الإسلام وعقيدة الإسلام إما اقتناعا باحترام جمهوره أو تملقا ومجاملة له.
إن المغرب ظهر في التاريخ الحضاري دولة مسلمة وشعبا مسلما فاتحا ومدافعا عن الإسلام وناشرا له وسيظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 17) ... ومن هذا الزبد اليسار المرتبط باليهودية قيادة وأفكارا وعواطف فإن مصيره إلى البوار متى تنظمت اليقظة الإسلامية وتحررت من بعض المعوقات.
المجتمع: كيف تعرف القارئ المسلم بالدعوة ومراكزها وشخصياتها في المغرب؟
د. الهراس تأثر المغاربة كباقي العالم الإسلامي بالثورة الإسلامية الإيرانية لتحقيقها انتصارا على معسكرات الغرب والعلمانية وعلى الاتجاهات الإلحادية، وكان لوسائل الإعلام العالمية والإسلامية أثر كبير في هذا الإعجاب غير أنه انحسر انحسارًا كبيرًا لأسباب متعددة منها وسائل الإعلام الإسلامي الصادق، وإني كنت ألاحظ أن لإيران نشاطا متواصلًا ومنظمًا ومُركزا في أوروبا وإفريقيا وقد استطاع هذا النشاط أن يكتسب بعض المسلمين الأوروبيين في بلجيكا وفرنسا وإسبانيا نتيجة أخطاء وتصرفات بعض الذين لهم صلة بالدعوة بهذه البلاد!! كما أنه ستظهر قريبا آثار هذا النشاط في إفريقيا التي يواجهها العرب بإهمال كبير فقد تخلت بعض المؤسسات التعليمية عنهم، وإن كان المغرب اليوم قد فتح أبواب مدارسه وجامعاته للشباب الإفريقي بكرم وتقدير على الرغم مما يعانيه المغرب من بعض الصعاب الاقتصادية، وهو الآن على أهبة تأسيس مدينة جامعية خاصة بالأفارقة والآسيويين المسلمين، فلو تكاتف المسلمون ونسقوا جهودهم وتعاونوا على البر والتقوى لاستطاعوا أن يدفعوا عنهم كثيرا من الأخطار والفتن التي ترى سحبها تنعقد في سمائهم وما تقدم لم يكن سوى المقدمة الدالة.
المجتمع: ما هي علاقة الإخوان المسلمين بالمغرب؟
● د. الهراس للإخوان المسلمين علاقة حميمة بالمغرب، فقد ارتبط رجال الوطنية المغربية، وكانوا من العلماء بجمعية الهداية الإسلامية وبالشبان المسلمين ثم بالإخوان المسلمين وبالشخصيات الإسلامية في كل من مصر وسوريا واليمن والسعودية والهند.. ومما يجدر ذكره أن مجلة الفتح كانت واجهة الصحافة الإسلامية التي تدافع عن قضية المغرب ولها صولات وجولات في مكافحة المرسوم البربري الذي هدف إلى عزل المسلمين البربر عن إخوانهم في المدن والصحاري والجبال وغيرها، وقد طبعت وثيقة المطالب المغربية» في الثلاثينيات بمطابع الإخوان المسلمين، كما أن زعماء المغرب وبعض قياداته كانت لهم صلة وثيقة بالإخوان يتعاونون معهم مثل الأستاذ الكبير علال الفاسي، والعلامة عبد الله كنون الحسني، والأستاذ أحمد بنودة، والأستاذ عبد الهادي أبو طالب .. ومن أقدم هؤلاء الشيخ الحاج الحسن بوعياد، وقد قام الإخوان المسلمون بمساندة هامة للقضية المغربية في جميع المجالات وعندما اعتدى الفرنسيون على العرش المغربي بخلع محمد الخامس كان الإخوان المسلمون السباقين لإخوانهم المغاربة وللعمل على نُصرة محمد الخامس رحمه الله، وقد كنت إذ ذاك بلبنان وهناك التقيت بالشهيد سيد قطب الذي قال لي إننا نعتبر موقف الملك محمد الخامس موقفا بطوليا يسجل بالفخر ونحن لا نألو جهدا في مناصرته ومناصرة المغرب، ولا أنسى له تلك الكلمات الطيبة الثائرة التي كانت إشادة بجهاد المغاربة وملكهم، وقد كان سيد رحمه الله يسير جريدة «الإخوان المسلمون» كما كانت مجلة «المسلمون» لسعيد رمضان كثيرة الاهتمام بالمغرب العربي كله، وقد تفتح صفحاتها لأقلام إعلام المغرب، بل كانت أول مجلة بدأت تسجل مذكرات أمير الجهاد محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله الذي كانت تربطه صلات وثيقة بالإخوان وكان يعتبر محاربتهم محاربة لله والرسول والجميع المسلمين وهذه نقطة سأكتب فيها وأبيِّن إن شاء الله حكم الأمير المجاهد على من يشنق الدعاة وأئمة المسلمين ومجاهديهم، وقد كان الشيخ الحاج احمد مغينو المسؤول عن توزيع مجلة «المسلمون» بالمغرب وما زلت أحتفظ بأعدادها الأولى والحمد لله.
كما لا ينسى المغاربة ما قام به الأستاذ صالح أبو رقيق من جهود مشكورة ومبروكة في الدفاع عن المغرب والسعي لتوحيد أحزابه في جبهة واحدة الذي تم في بيت أستاذنا الجليل عبد الله كنون شفاه الله، وبارك في عمره وما بذله باسم الجامعة العربية من مساعٍ ومجهودات في إسبانيا لنُصرة المغرب وإعادة الملك الشرعي لحُكمه وعرشه وقد مهد السبل لتوفير السلاح للمقاومة والجهاد بالمغرب لولا أنه سجن وحُكم عليه أحكاما قاسية، بارك الله في صحته ورزقه العافية حتى يرى ما يسرُّه إن شاء الله في عالمه الإسلامي. وقد كان المغرب المستقل في طليعة من دافع عن الإخوان المسلمين وعن سيد قطب رحمه الله ولا ننسى مواقف زعماء المغرب وعلمائه ومثقفيه عندما وقعوا وثيقة للمطالبة بإطلاق سراح سيد قطب، والتخلي عن إعدامه، ثم المطالبة بوجوب إحسان المعاملة مع أسر المسجونين والمشنوقين وقد وقَّع على هذه الوثيقة زعماء يساريون اشتراكيون لمَا كان لهم من صلة روحية وصداقة مع بعض رجال الإخوان ولا سيما في ميدان الكفاح المشترك وفي بعض المنظمات القانونية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل